في الأكشاك هذا الأسبوع
الجنرال عروب

هل يقبل الجيش المغربي تحدي الفضول الصحفي

مؤشرات الانقراض الديمقراطي

 

   أخطأ الوزير الاقتصادي الجزائري كثيرا، عبد السلام بلعيد، عندما كتب ((إن القوات المسلحة الملكية مكونة من جنود مغاربة، كانوا مجندين في الجيش الفرنسي، استبدلوا أزياءهم العسكرية الفرنسية بزي عسكري آخر)) (عبد السلام بلعيد. الوحدة الاقتصادية المغاربية).
   وأخطأ معه الكثير من المغاربة الذين قرؤوا عن هذه الطعون في شرف المؤسسة العسكرية المغربية دون أن يرد كاتب ولا معلق عليها، رغم توسع “الأسبوع” في نشر محتوياتها (4 أقطاب جزائريين يكرسون عداوتهم للمغرب. الحقيقة الضائعة عدد 25 جوان 2015)، أخطأ الوزير الجزائري إذن في حق المغرب لأنه تجاهل أن الدولة المغربية، قامت منذ مئات السنين، على أكتاف الجيش المغربي الذي يعرف كظاهرة وطنية تسمى “الكيش” الجيش الذي انصهر في القضية الوطنية الكبرى، مؤخرا، قضية الصحراء، وضمها إلى اهتماماته الأخرى، بحماية الكيان المغربي، بصرف النظر عن عثرات بعض أقطابه، مثل الجنرال أوفقير، والجنرال الدليمي، والكولونيلات أمقران، وعبابو وغيرهم ممن أخطؤوا، ودفعوا ثمن أخطائهم، دون أن يكون لذلك تأثير على المعنوية العالية لمؤسسة الجيش المتخرجة من أكاديمية الأحداث التاريخية بصفة شمولية، والتي على مستوى المكونات الحديثة، زودت هياكل الجيش بأطر مثقفة، عالية المستوى في حالات كثيرة، تعمق ضباطها في التاريخ المغربي، والأحداث التي كرست حتمية الاهتمام العسكري بالقضايا الداخلية للدولة. 
   ولقد احتفظ التاريخ بين صفحاته، بنماذج لما يحدث عندما يتهاون الجيش في القيام بمهامه، من قبيل ما حدث سنة 1876، أيام الملك العظيم الحسن الأول، عندما عمت المغرب الفوضى، في الجبال والسهول، نتيجة طغيان الصراع القبلي الفوضوي على هياكل الجيش الحسني، وحدث يوما، أن توجه السلطان الحسن الأول، شخصيا، لفرض النظام على قبائل بني يزناسن بعد أن علم أن أعيان فاس وعلماءها قد لجؤوا إلى ضريح مولاي إدريس ((مختبئين خوفا من قطع رؤوسهم)) كما قال المؤرخ لويس أرنو، وكانت النتيجة كارثية حيث ((قتل رجال وشخصيات سامية، قطعت أشلاؤهم في الهوات السحيقة ولم يعرف مصير الوزراء المهمين، التائهين، والمفقودين في الممرات الضيقة، معرضين جميعا لهؤلاء الثعالب المتوحشين، بل كنا نجهل أيضا مصير السلطان مولاي الحسن، وقد ذكر بعض الناس، أنهم رأوه ينزل من فوق جواده، ويختفي في الضباب، ونحن نتساءل، هل الطريق الذي سلكناه هو طريق جهنم أو لا، حيث جيوش السلطان، تبحث عن بعضها البعض ويتنادى أفرادها، دون قدرة على التقدم)) (زمن المحلات السلطانية. لويس أرنو).
   ورغم بعد مسافة المقارنة، فإنه لا يختلف اثنان، في أن مؤشرات فوضى كهاته، بدأت تتسرب إلى عيوننا، من خلال صفحات الجرائد هذه الأيام، بدءا من تحركات داعش، في أطراف المغرب، ووصولا إلى أحداث – يومية – مهاجمون يقتلون سارقا في سوق يومية، وصعاليك يتعرضون سائحا يابانيا ويقطعون عليه الطريق في شوارع طنجة، يهددونه إذا لم يدفع لهم مائتي درهم (في شريط صوره الياباني وسيعرضه في التلفزة اليابانية حتى يمنع أي سائح ياباني من زيارة المغرب).
   فوضى، تزامنت مع حادث عارض، يكشف للمهتمين أن مؤسسة الجيش الملكي، بدأت بدورها، تعاني من استفحال ظاهرة التطاول الممارسة تحت يافطة الحرية، حرية التعبير طبعا. حيث فوجئت المؤسسة العسكرية، وبعد مسالمة قديمة ترجع إلى أيام الحسن الثاني، حين كان المس بالجيش جريمة يعرف الله وحده مصائر المتطاولين عليها، ليأتي هذا الحادث المفاجئ، ليكشف عن خبايا من المؤكد، أن مخلفاتها لن تقف عند حدها.
   فبعد أن مارست جريدة العلم، حقها في انتقاد جزئية تتعلق بإحدى المباريات الداخلية لمؤسسة الجيش، وتم استدعاء مديرها بصيغة ((أطلب منكم الحضور شخصيا في أقرب الآجال)) ويأتي رد الجريدة الاستقلالية متسائلا: ((هل لمسؤول عسكري(…) أن يحل محل القضاء، وأن مسؤولا عسكريا لم يدخر جهدا في الترهيب والتخويف)) يبقى الاستنتاج النهائي أن الأعصاب بدأت تتوتر، وما خفي من النوايا كان أكبر(…)، خصوصا بعد أن انقضت القنوات الإلكترونية على الموضوع(…) وتوسعت في تسجيل الإصابات على المؤسسة العسكرية، بعبارات من قبيل: ((رئيس ديوان الجنرال عروب هدد وتوعد البقالي بالويل والثبور))، وعبارة: ((لا نقبل التهديد من الجيش(…)))، وعبارة ((نحن لا يوجد من يهددنا(…) لا من داخل المؤسسة العسكرية، ولا من خارجها))، وعبارة: ((ليس من حقهم(…) إجراء مباراة دون أن يستفيد منها أبناء المغاربة))، وعبارة ((ليس من حق الجنرال عروب أن يوجه رسالة مكتوبة إلى صحفي))، وأخطر من ذلك: ((عبد الله البقالي يوجه ردا صارما للجنرال بوشعيب عروب)).
   وكان الإحساس الصحفي، قبل حادثة عبد الله البقالي مدير العلم، وقيادة الجيش(…) قد ألهمت أحد الكتاب الصحفيين، ليضع السؤال العريض، في شكل استنتاج بديهي، وكأنه يعلق على حادثة جريدة العلم قبل وقوعها، فيتساءل: ((هل اللامبالاة، وفتور الشعور بالمسؤولية(…) هما الخصم الحقيقي للديمقراطية، لأنه عندما تعطى الأسبقية لبعض حقوق الحرية، تجاه الحتميات الأخرى، فإن النقاش يكون غبيا وبدائيا، خصوصا وأن القضايا المطروح الدفاع عنها، هي مجرد اختيارات شخصية)) (عبد الله الترابي. تيل كيل. 10 يوليوز 2015).
   وجهة النظر هاته، تزامنت مع استفحال المطالب، بعد أن فتحت على مصراعيها أبواب الحرية مشرعة، أمام المطالب الشخصية، والطموحات الانفصالية، والنوايا الانتقامية، وهي المكونات الأساسية، للحروب الأهلية، كما أعطانا الزمن المعاصر، نماذجها في ليبيا، التي أصبحت تترحم على أيام القذافي، واليمن التي كانت تسمى منذ سنين قليلة، اليمن السعيد، وسوريا التي اختار معارضوها حرية الثورة المسلحة على النظام، واختار نظامها حرية القتل الممنهج، وها هو رويدا يقترب من قتل المليون سوري، وها هي إسرائيل تقرر الحكم بعشرين سنة سجنا على كل من يضرب بحجارة، وكأنها تنبه أطفال الحجارة، إلى أن ضرب العدو يكون بالرشاشات لا بالحجارة، وهذا مؤكد وصحيح.
   والخطورة في المغرب، وهي أخطر مستقبليا(…) كامنة في استقالة الهيئات السياسية عن دورها في تأطير جماهيرها، وترك الحبل على الغارب، لكل من له مطالب، أن ينزل للشارع قصد التعبير عنها، ولم تكن الأحزاب المغربية هي التي استقالت وحدها، لأن الأجهزة الحكومية، الظاهرة والباطنة، استقالت هي أيضا، ليتعرض المغرب، لمفاجآت، يعلم الله مصادرها(…) ومخلفاتها(…).
   وكم نخشى أن تنشغل الأجهزة الأمنية، وهي الوحيدة التي بقيت راسخة في مواقعها، بمواجهة أخطار الإرهاب الخارجي، دون قطع دابر مكونات الإرهاب الداخلي، وقد رأيناه في هذه الأيام، يرجع بنا إلى ظاهرة السيبة(…) التي كانت من مسببات احتلال المغرب، وها هي دول كثيرة سبقتنا إلى البداية في إغلاق البوابات الديمقراطية، بعد أن فطنت إلى أن شعوبا كثيرة لا تعرف من الديمقراطية إلا جانبها الفوضوي، رغم أن روح الفوضى، لازالت متجذرة في الكيان المغربي، موروثة من عهود دموية، سجل فيها التاريخ المغربي، نماذج رهيبة، نقرأ عنها في الصحف المغربية هذه الأيام، ما يدعونا إلى الكثير من الهيبة والحذر.
   فلم يثبت في تاريخ المغرب منذ أربعة عشر قرنا أن نزل شبان موتورون، لتناول وجبات الغذاء في ساحة جامع الفنا، ولا حصل أن كتب صحفي – كما كتبوا الآن- أن السلطات ليس من حقها أن تعاقب من يجهرون بالأكل في الساحة العمومية، نهار شهر رمضان.
   وعندما قرر الرئيس التونسي الجديد، إعلان حالة الاستثناء، وتوقيف التعامل الديمقراطي والحكم بإعدام التكفيريين، الذي أصبح يشكل خطرا، جعل التونسيين يدعون إلى إقامة قواعد أمريكية لمواجهة الإرهاب، فإن رئيس الحكومة اليمينية الإسبانية، أصدر مخططا لمنع المظاهرات، ونصوصا لمعاقبة المعتصمين أمام البرلمان، ونصوصا لمعاقبة كل من يسيء إلى رجال الشرطة، ليفطن رئيس الحكومة التركية، إلى خطورة الانفلات الديمقراطي، واستفحاله أمام خطر الغزو الإلكتروني فقرر إقفال قنوات “التويتر” بعد استصدار حكم قضائي بذلك.
   فهل لا نستفيد من دروس غيرنا، أم لا نستفيد من دروس ماضينا، وقد كتب مؤلف فرنسي، عاش أيام الفوضى في المغرب أيام الباشا الكلاوي وكتب: ((إن الفوضى عندما تعم، فإن الشعب لا يبقى يعرف السلطان)) (السلطان الكلاوي. روني جانون).
   وكثير منهم، وعبر أجيال، كانوا يجهلون تواجد الدستور، ويجهلون تواجد الأحزاب، ويجهلون حتى تواجد السلطة، فالمغاربة لا يحكمهم إلا السلطان، والسلطان هو الحق والعدل والعقاب، فعلى السلطان أن يضمن بقاءه في التاريخ عبر فرضه لوجوده، بعيدا عن الديمقراطية طبعا، خصوصا بعد أن تصبح هذه الديمقراطية، مبررا للفوضى.
error: Content is protected !!