في الأكشاك هذا الأسبوع
الجنرال دكول في أوج قوته يوشح الشاب الحسن بن محمد بوسام فرنسي سامٍ، كان أول وسام يوشح به الحسن الثاني

الحسن الثاني أول ضحية للتصنت التليفوني في المغرب

أسرار تنشر لأول مرة في كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم”

إعداد: سعيد الريحاني

   “إن وصف الملك بالمظلوم، هو منتهى المجازفة.. بثقة القراء طبعا، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بالملك الحسن الثاني، والذي طبع عهد ملكه – وكان أكثر نفوذا كولي للعهد – بالخوض المستمر، لحرب استنزاف في حق مناوئيه، وإزالة أشواك المعارضين من طريقه، وهي طبيعة البشر، منذ عهد النبي موسى الذي رغم علو شأنه، خلف عنه القرآن تخوفه هو أيضا من الرأي العام وقوله: ((فلا تشمت بي الأعداء.. ولا تجعلني مع القوم الظالمين)) (سورة الأعراف)، لأن تصنيف كل حاكم مع الظالمين، داخل في شماتة الأعداء، والذي سيقرأ هذا الكتاب بتمعن، سيكشف مبررات وصف الحسن الثاني بالظالم.. والعناصر المفسرة لوصفه بالمظلوم، وهي ازدواجية حسمت فيها الحكمة القائلة: ((خير الملوك، الزوارون للعلماء، وشر العلماء، الزوارون للملوك)) (كتاب بيان العلم. لابن عبد البر)”.
   بهذه الطريقة اختار الصحافي مصطفى العلوي تقديم كتابه الجديد، الذي يحمل عنوان: “الحسن الثاني الملك المظلوم”، والفقرة أعلاه هي مقتطف من جواب لسؤال توقع الكاتب أن يطرحه الكثيرون وهو: لماذا هذا الكتاب؟
   يؤكد العلوي، منذ الوهلة الأولى أن متصفحي الكتاب، سيفاجؤون بكشوفات موثقة، عن حالات تبرز وصف الحسن الثاني، بالملك المظلوم، “وقد سنحت الأيام، بعد وفاته، بالكشف عن أحداث وحوادث، كان طيلة حياته، ومن قلعة حكمه، يرفض وصولها للرأي العام. فقد كان سلطانا للممنوع من الأخبار، وملكا يعتبر قصره حصنا محصنا ضد العيون والآذان، ضد كشف الأسرار”، حسب الكاتب.
   يحكي العلوي: “وعمر الحسن الثاني سنتين، وهو يتواجد في دار الحضانة بباريس، يتكلم الفرنسية وحدها ثم دخل مدرسة “إيكول دي روش” الفرنسية، وربما كان سيبقى مستقرا بفرنسا، لولا اندلاع الحرب العالمية الثانية في سنة 1939، عندما تم تهريبه من فرنسا، ليتم استقدام أساتذته الفرنسيين معه، لولا رغبة محمد الخامس، في تلقيه مبادئ اللغة العربية بجانب تعليمه الفرنسية، ليقول المؤرخ الفرنسي للأسرة، “جورج فوشي” في كتابه تحت “تحت أرز إيفران” بأن محمد الخامس، اختار لولده ثلاثة من أقطاب اللغة العربية لتعليمه وهم: الأساتذة الورزازي، وعميد جامعة القرويين محمد الفاسي، والأستاذ أقصبي، قبل أن يضيف لهم محمد الخامس، أستاذ الرياضيات، المهدي بنبركة”.
   يؤكد صاحب كتاب “صحافي وثلاثة ملوك” أن الأستاذ الثالث للحسن الثاني، وهو المهدي بنبركة، سيلعب دورا كبيرا طيلة فترة نمو الحسن الثاني، رغم أن هذا الأخير لم يكن يفضل مادة الرياضيات، حسب الكاتب، “فعندما أصبح شابا يافعا، سجلت عنه التقارير الفرنسية، أن مولاي الحسن، كان يثير تبرم الجماهير الشعبية(..) من طريقة لباسه الذي لا يتلاءم والأزياء المخزنية التقليدية، حيث كان يلبس، حيث كان يلبس أزياء الشباب العادية، والقمصان المفتوحة، والسراويل غير المحددة، ويرقص الحيدوس في الزيارات البدوية، وكأنه واحد من أولاد الشعب لدرجة أن أحد التقارير الفرنسية كتبت أن الناس قالوا إن ولي العهد يلبس أزياء الكريسونات(…) ليقول الحسن الثاني، لأحد الكتاب الفرنسيين، إن هذه الاختيارات الشعبية في الأزياء، كانت بتأثير من نصائح أستاذه المهدي بنبركة” (مقتطف من كتاب الحسن الثاني الملك المظلوم، ص 17).
   ومن الأسرار النادرة عن حياة الحسن الثاني، ما كتبه العلوي عن كونه أول ضحايا التصنت الهاتفي في المغرب فقد روى محامي عائلة المهدي بنبركة الفرنسي موريس بوتان، أن “الحسن الثاني، كان يستدعيه ليلعب معه التنس، وقد كان أبوه محمد الخامس، يخاف على ولده مولاي الحسن من التجاوزات السياسية، والمخالطات الثورية، لدرجة أنه طلب من البريد الفرنسي، أن يسجلوا مكالماته التليفونية، ليكون الحسن الثاني أول ضحية في المغرب للتصنتات التليفونية، الشيء الذي فضحه تقرير للإقامة العامة مؤرخ بـ31 غشت 1946، كان ولا شك بداية لاهتمام المخابرات الفرنسية، بتحركات مولاي الحسن، التي كشفت مرة أخرى، أن الأجهزة الفرنسية، سربت يوما فتاة مخبرة فرنسية، وسط سهرات مولاي الحسن، رفعت للمخابرات الفرنسية، تقريرا عن: ((تصريحات ثورية في الجلسات الحميمية لمولاي الحسن، يقترح فيها الاستعانة بالأمريكيين لطرد الفرنسيين من المغرب)) (تقرير جهاز المخابرات الفرنسية في إيفران بتاريخ 29 دجنبر 1943) لتطلق عليه الأجهزة الفرنسية، حملة قذف وشتم، وصف فيه واحد من التقارير، أنهم يسمونه “العربي الوسخ” (مقتطف من الكتاب).
   يشرح الكاتب: “ذلك أن الأجهزة الفرنسية وأثناء المؤتمر الدولي في أنفا، 22 يناير 1943، بحضور الأقطاب دوكول، وتشرشل، وروزفلت، لاحظت تقرب مولاي الحسن من الرئيس الأمريكي روزفلت، الذي كتب في مذكراته فيما بعد، حكما مصيريا في حق مستقبل هذا الشاب الذي قال عنه: ((عندما أرى الأمير مولاي الحسن، فإني أكتشف فيه شخصية الشاعر المتقمص لشخصية ميكيافيلية(…) وإذا أصبح ملكا على المغرب فإنه سيجعل من بلاده دولة عصرية، كقائد عربي في عهد النهضة)) (مذكرات إيليوت روزفلت 1946).
   مولاي الحسن، كان ولا شك، ينظر إلى أبعد من ولاية العهد، كيف لا، وهو أول شاب في سن الخامسة عشرة يعلق له الجنرال دوكول، وسام جوقة الشرف الفرنسية، وأول مخلوق يعلق له هذا الوسام، فيرفض تعليق شارته على صدره، وينتزع لاروزيط، من على صدره، ليكتب عنه تقرير فرنسي، أنه يكره فرنسا.
   كيف لا.. وهو الذي لم يكن يقبل في تلك الفترة سنة 1945، أن يجمع بين الوسام الفرنسي، وتبنيه لوثيقة المطالبة المغربية بالاستقلال في يناير 1944، تبنٍّ جعل والده محمد الخامس يقول له إذا كنت تحمل هذه الأفكار، فلتستعد لدخول الحبس، كما ذكر ذلك في مذكراته مع إيريك لوران (المصدر نفسه).
   يؤكد العلوي بأن مولاي الحسن تقمص شخصية المعارض السياسي، ممزوجة بحالات من فورات الشباب، التي جعلت الشرطي الفرنسي، روني لوكلير، يصفر على سيارة كانت تسير بشارع في الرباط، في الاتجاه الممنوع، وحرر الشرطي الفرنسي في محضره، أنه عندما أوقف سائق السيارة، واكتشف أنه ولي العهد مولاي الحسن، نبهه للمخالفة إلا أن الأمير أخذ أوراقه، واستأنف السير في الاتجاه المعاكس.
   وتكشف هذه الجزئيات كلها، أن الحسن الثاني منذ لحظات ولادته، وهو ملفوف بأردية الحظ العظيم، ليصبح نموذجا ممن شملتهم العناية الربانية، بعد مغامرته كضابط في البحرية الفرنسية على ظهر الباخرة “جان دارك”، حيث كان ينام كعسكري مع العساكر، وعندما توقفت الباخرة يوما بميناء وهران الجزائري حيث كان مقررا أن يشارك في استعراض عسكري بشوارع وهران، احتفالا بالعيد الوطني الفرنسي 14 يوليوز، كان مولاي الحسن العسكري الوحيد الذي رفض النزول، كموقف سياسي من العيد الوطني الفرنسي، على أرض الجزائر المحتلة.
   أما الحظ العظيم، فقد عرفه لأول مرة في حياته ((حينما وصلت الباخرة لميناء أكادير، وقرر النزول وحده بعيدا عن رفاقه البحارة، وأسلم نفسه لنوم عميق طويل على رمال أكادير، وفي الصباح الباكر، ركب رفاقه البحارة في طائرة ذهبت في مناورة، فسقطت في البحر ومات جميع ركابها)) (تاريخ المغرب. برنار لوكان).
   بمعنى أنه لو بقي مع رفاقه، لكان قد غيبه الموت معهم، ولما كان هناك ملك اسمه الحسن الثاني (عن كتاب: الحسن الثاني الملك المظلوم).
error: Content is protected !!