في الأكشاك هذا الأسبوع

المجتمع المغربي وواقع العزوف عن الزواج

    الأسبوع – أقصو عبد السلام

   في حديثنا عن الزواج لابد من استحضار مجموعة من المفاهيم و الدلالات المتوارثة، من عمق الحضارات الإسلامية المتعاقبة ، والتي يعد القرآن الكريم و السنة النبوية ، المنهاج القويم والطريق المستقيم لحفظ النسل و استمرارية  الكينونة البشرية على ظهر الأرض منذ خلق آدم إلى اليوم ، و الزواج و الترغيب فيه ، جاء في مواقع كثيرة من القرآن و السنة النبوية المطهرة ، نذكر منها ما جاء في صحيح مسلم عن النبي عليه السلام « يا معشر الشباب من أستطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه لم وجاء» ، كما جاء في سورة النساء الأية 2-3 «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع ، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ، ذلك أدنى ألا تعدلوا ».

وإذا كان الدين الإسلامي الحنيف قد رغب في الزواج، من خلال ما اقتصرنا على ذكره، فإن الدراسات العلمية أيضا أثبتت ذلك ، من خلال الدراسة التي أجراها مركز البحوث الاجتماعية الإسبانية ، والتي أكدت أن الذين لا يعيشون مع شريك يعانون من وضعية صحية أسوأ من الذين يعيشون مع شريك. أ 

إن الواقع الحالي و الذي يشهد ارتفاعا كبيرا في نسب العزوف عن الزواج بالمغرب، في صفوف الشباب و الشابات، وارتفاع سن الزواج، حسب ما وردد في تقرير المندوبية السامية للتخطيط، والذي أكد أن سن الزواج قد ارتفع إلى 26.6 سنة 2010 مقارنة بسنة 1960 التي بلغ فيها 17.3  ، كما يؤكد نفس المصدر أن نسبة العزوبة عند الرجال في سن 50 سنة ارتفع إلى 5.8 بالمائة مقارنة بسنة 1994 التي بلغت فيها 2.9 ، و في صفوف النساء انتقل من 0.9 بالمائة إلى 6.7 بالمائة 2010.

هي إذن مؤشرات و إحصائيات تصب في اتجاه واحد و تعزي فرضية واحدة، وهي أن الشباب المغربي هو الآخر يميل إلى العزوف عن الزواج، الميل الذي لم يأتي من تلقاء نفسه ، بل صاحبته مجموعة من العوامل المؤثرة داخلية و خارجية لها أثر كبير في تنامي الأرقام ، العوامل التي يمكن تصنيفها إلى ماهو نفسي و مادي و اقتصادي و اجتماعي ، و ماهو ثقافي …

ترجع العوامل النفسية لظاهرة العزوف عن الزواج ، إلى عدة مفاهيم يستجمعها الشباب منذ الطفولة ، و أكدت مجموعة من الدراسات أن الشباب والشابات الذين عايشوا، تجارب زواج فاشلة في الأسرة خصوصا بين الأبوين عندما يرتبط ذلك بالعنف الجسدي و اللفظي، مما يؤثر سلبا على نفسية النشء، بالإضافة إلى الخوف من تبعات العلاقات الاجتماعية و الأسرية ، و ارتفاع نسبة الطلاق ، وكذا الفهم الخاطئ لمدونة الأسرة المغربية الذي يعطي انطباعا نفسيا خاطئا يساهم في الظاهرة.

كما تؤكد أيضا الوضعية الاقتصادية الحالية، والمقرونة بالأزمة الاقتصادية العالمية ، التي جلبت الويل للمجتمعات ، بما في ذلك التأثير على التماسك الاجتماعي و الأسري و الرغبة في تكوين أسرة ، حيث أن الظروف الحالية ، و التي تمخض عنها شباب يعاني الفقر و الحاجة والبطالة ، و الرعب النفسي و الاجتماعي الذي يضطر معه إلى الهجرة أو الرغبة في ذلك إلى دول تعرف شبه استقرار اقتصادي ، ومن تم الإقبال على الزواج بالأجنبيات كان آخرها ما يتم تداوله على مواقع التواصل ، بالمفردة الإنجليزية «السويد بلييييز»، الأمر الذي يساهم في ارتفاع نسبة العنوسة ، بالإضافة إلى توجه بعض الأسر إلى تعقيد مساطر الحصول على يد الابنة خصوصا ، من مهور غالية ، و متطلبات كثيرة خصوصا توفير سكن ووظيفة مستقرة ، الشيء الذي يعجز عنه الشباب، ويؤكد إقبال شباب اليوم إلى القرى المجاورة ، لطلب يد شابات ، تختلف أعمارهم تجمعهم الرغبة في «في ولد الناس»، لا تتطلب حتى مصاريف كثيرة ، «ويسخر فيها الله».

إذا كانت العوامل الاقتصادية و المادية قد ساهمت في تنامي الظاهرة فإن العامل الاجتماعي له أثر كبير في العزوف عن الزواج ، وهي ما تؤكد أرقام مندوبية الحليمي ، ولنا الحديث هنا عن رغبة الشباب في تحقيق الذات و الطموحات  والغايات، و التي في الغالب تكون مادية ، بالإضافة إلى الرغبة في تسلق المراتب العلمية و تحصيل الشهادات العليا ، وبالتالي الحصول على شغل ووظيفة ، هو إذن التغيير الحاصل في البنية السوسيولوجية الاجتماعية ، للمجتمع المغربي الذي عرف تغييرا جذريا وقطيعة على مستوى العادات السائدة، والتي لها أثر كبير في العزوف عن الزواج و مثال ذلك ، الخلاف الذي يكون في الأسر التي توارثت تقليدا «الزواج العائلي» و هو التقليد الذي ينبذه بعض أبناء هذا الجيل ، وفق ما خلصت إليه الدراسات التي أفادت أن نسبة الأمراض المزمنة و التشوهات الخلقية ، تأتي من الزواج العائلي ، وهو ما يساهم إما في تأخير سن الزواج لدى الشباب أو العزوف أحيانا.

إذا كان لما سبق ذكره يد في العزوف عن الزواج، فإن للعامل الثقافي يد في ذلك أيضا و ما يعزي ذلك تأثر الشباب و الشابات على وجه الخصوص، بالثقافات المنبثقة من المجتمعات الغربية، بما في ذلك الانفتاح على إقامة العلاقات الغرامية خارج مؤسسة الزواج، و الدعوة الصريحة إلى الحرية الجنسية خاصة من طرف ما بات يعرف بدعاة العلمانية و التحرر خصوصا ما جاء على لسان صحافي  مغربي لقناة أجنبية ، بلفظ صريح أثار ضجة إعلامية ، بقول «أٌقبل أن تمارس أمي و أختي و ابنتي علاقتهم الحميمة خارج مؤسسة الزواج »،  وعليه إذا كان جسد المرأة المغربية حل لكل من هب ودب ، فهنيئا للبطاريق .

شهادات حية لشباب لتنامي الظاهرة ، يؤكدها محمد من إفران 35 سنة ، والذي يعزي سبب عدم رغبته في الزواج إلى عوامل مادية ، و عدم استقرار مورد رزقه حسب ما أكد «أنا ها طالب معاشوا »، وليس باستطاعتي توفير متطلبات العيش الكريم للزوجة ، رؤية أخرى لحسن من مراكش 31 سنة يقول لم أجد بعد الشريكة ، وختم باللفظة المشهورة ، «ما كاينش معامن » ، منار فاس أيضا تؤكد ، والشهادة ننقلها بلفظها العامي، خاصني شي واحد موظف خلصة مزيانة ، عندو داروا بوحدو ما يسكنينش مع دارهوم .   

إذا كانت الرؤية الحالية للزواج تفرض ضمنيا، العثور على الشريك الكامل المتكامل ماديا ، فإن المنظور الآخر يقتضي فرضية التكامل الاجتماعي ، هذا الأخير الذي يساهم في احتواء عدد مهم من الشابات المتواجدات في حالة عطالة ، و بالتالي المساهمة إلى جانب الدولة في التقليص من المشاكل و الفوارق الاجتماعية ، كما على الدولة أيضا فتح أبواب و فرص التشغيل للشباب العاطل وتيسير المساطر خصوصا المتعلقة بالشباب الذين سخروا أرواحهم فداء الوطن «بالخدمات العسكرية»، ولما لا إلغاء مسطرة وشرط العزوبية، للتشجيع على الزواج و الزواج المبكر و بالتالي الحفاظ على النسل ، وقاعدة الهرم السكاني المغربي المهدد بالتقلص .

error: Content is protected !!