في الأكشاك هذا الأسبوع
مراكش

مراكش تحت ضربات الشمس واشتعال الأسعار

كانت مراكش في صيف هذه السنة المتميزة بالزيادة في الأسعار أكثر حرارة (أكثر اشتعالا)، وكأنها بترت أو قطعت بمقراض ضخم إلى جمرات أو لعنات محرقة، تصب جام غضبها على الذين أفسدوا جمالها وأضاعوا فتنتها وضيقوا رحابتها باختراق كل المساحات الخضراء وتطويقها من كل الجنبات بالبشاعة والبناء العشوائي الذي مازال المسؤولون يصارعون من أجل القضاء عليه، أو على الأقل الحد من انتشاره الجذامي، إن صح التعبير.

الحرارة المفرطة والشمس الحارقة التي كانت تتفتت فوق الرؤوس الدانية وكأنها ترشها بألسنة النيران الملتهبة، تلك الحرارة وتلك الشمس ألهثا المواطن المغلوب على أمره عن متابعة أخبار الزيادات المتتالية رغم ما يصله منها شفويا، أو عن طريق التطبيق الصامت كما قال أحدهم، وهي أخبار على كل حال ليست سارة ولا مفرحة بالمرة، ولم يعد ذلك المواطن يولي اهتماما إلا للنشرات الجوية، وما تتنبأ به من تقلبات وتغيرات على مستوى الصيف الحار الطويل بنهاره، وكأنه فصل آخر جديد مضاف إلى الفصول الأربعة المعروفة.

كان لارتفاع درجة الحرارة المذهل يد طولى، كما يقال، في ضراوة العطش واشتداده على طول اليوم (نظرا لانقطاع الماء) والمتجاوز نفسيا لأربع وعشرين ساعة، وفي انحباس اللعاب الذي يساعد على تليين حركة اللسان، حتى أضحى الواحد منا يتكلم بالإشارة كلغة احتياطية عادة ما يلجأ إليها في حالات نادرة ولأسباب خاصة، ولم يعد في استطاعة أي من المراكشيين الذين أبوا إلا أن يبقوا لهم إلا التفكه بالسر وقتل الوقت الممتد على مساحة زمانية خيالية، لا تغيب عنها الشمس إلا اضطرارا، وذلك بالجلوس الممل تحت ظلال أشجار هاربة هي الأخرى من قساوة الحر، وآلات القطع التي سخرت مؤخرا للقضاء على ما تبقى من منجزات فرنسا المستعمرة بمراكش على مستوى البيئة والعمران، وأيضا لملء وشغل الساعات المقلقة وفراغاتها ببعض الألعاب التي لا تحتاج إلى جهد، والإصغاء إلى بعض النكت التي تثير الضحك على راويها قبل مضمونها لأنها قديمة، لا ينتظم الانشراح معها، ولا “تخرج” الضحكة البيضاء التي تنبعث من داخل الأعماق بشكل عفوي وتلقائي ودونما حاجة إلى ضغط أو “هَرَّان”.

كان المراكشي الذي بقي بالمدينة الحمراء بإلحاح من ظروفه وضغط من وضعيته المادية وضيق ذات اليد، كان ينطلق من البيت الشبيه بالسعير كالعاض على الأصابع في اتجاه المجهول، هروبا من القيظ النائم تحت الطلاء والأصباغ، وبحثا عن نافورة محطمة رغم ما صرف عليها من أموال الجماعة، وعن مبردات ملوثة غير خاضعة لأية مراقبة لأن الصحة بيد الله، وسط متاهات وحفر وطوابق شاهقة قتلت في المدينة زهرة الروح، وخنقت عبق الورود وأتلفت اغرودة البلابل، كان ينطلق كما قلت في حالة عري لا يتستر إلا بأوراق بكماء كما قالت الشاعرة نجاة الزباير، وقطع ثوب مبللة تظهر أكثر مما تخفي، همه الوحيد هو العثور على جهة تخفف عنه بظلها ضربات الشمس اللاسعة وتمنع القيظ الضارب بقوة، دون أن يكون له استعداد لسماع ما ألم بالمدينة الخالدة من حرائق، امتدت بألسنتها إلى الأسواق والمتاجر، وبعض الأوطيلات الراقية التي كان أصحابها يعتقدون بأنها بعيدة عن الكوارث والنيران، وفي منأى عن أعين السلطة التي كثيرا ما تفاجئ تلك المحلات، وتعتقل الفتيات القاصرات وهي في حالة فوق طاقتهن وفوق أعمارهن مع إخوان عرب مكبوتين.

كان ذلك المراكشي يتوسل إلى الله القدير كي تتغير الأحوال وتتزحزح كتل الضغط الثقيل كبعض ضيوف الصيف، ذلك الضغط الذي ظل طيلة شهر يوليوز متحكما ومسيطرا على الوضع الجوي الراسي على سقف من درجة الحرارة (فوق 40 درجة) غير قابل للمساومة كما قيل، وهي حرارة  مع كل ذلك ليست بأكثر من حرارة الجيب الذي أنهكته تكاليف التمدرس ومصاريف الكتب الكثيرة، والتي لا تخضع في نظري لأية مقاييس ولا معايير، بحيث يظل جزء منها محتفظا بجدته (لعدم استعماله بالمرة)، وجزء يستعمل بلا عقلانية لأنه بعيد عن حياة الطفل وبيئته التي يعيش فيها، وهذا بلا شك من  بين الأسباب التي تنفر التلاميذ في القراءة و”تكرههم” في المطالعة، ظل المراكشي كذلك إلى أن فوجئ برعد وبرق وأمطار تهطل من سماء الله مدرارا، حيث هدمت منازل وأغرقت أخرى، وعاش سكان في الشوارع خوفا من سقوط الدور والعمارات وهي في حالة ربما ستدفع المسؤولين إلى فتح تحقيق لمعرفة الأسباب التي أدت إلى تلك الكارثة خارج أية مزايدة أو تراشق بالكلام الخاوي، وذلك لمعاقبة المتلاعب والمقصر والمتخلي عن المسؤولية لأن الأمر يتعلق بأرواح عباد الله الغالية، واستقرار المواطن وأمنه السكني الذي يتعارض مع الهشاشة والبنيات التحتية المهترمة.

 

 

 

 

 

 

 

error: Content is protected !!