في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا يسلم على الفنانة ماجدة الخطيب بعد طول غياب

السبب الحقيقي لوفاة النجمة السينمائية ماجدة الخطيب

 عدت بذاكرتي إلى الوراء لأكثر من ثلاثين سنة أيام عندما كنت أعمل في الكويت في جريدة “السياسة الكويتية”. وكان مدير التحرير يومها هو الصديق العزيز الراحل الأستاذ محمد زين الذي ينتمي لإحدى العائلات اليمنية الكبيرة والعريقة ألا وهي عائلة العيدروس. وكنت قبل ذلك قد تعرفت عليه في مدينة وارسو البولونية التي كنت أقضي فيها عطلتي الصيفية كل سنة. وشاءت الأقدار أن أعمل في جريدة “السياسة الكويتية” التي كان محمد زين مديرا لتحريرها، فتمتنت العلاقة بيننا. وحيث إنه كان أعزبا فقد أصر على أن أقيم معه في شقته، وهناك أصبحنا أكثر من شقيقين حيث كان يحكي لي كل أسراره ويستشيرني في كل شيء، وبدوري لم أكن أخفي عنه شيئا. وذات يوم فوجئت بالنجمة السينمائية المعروفة ماجدة الخطيب وهي تدخل الشقة مع محمد زين في حالة انسجام تام، فقدمها لي كخطيبة وزوجة للمستقبل. ولكنها لم تنتظر أن يقدمني لها بل هرعت إلى احتضاني والسلام علي بحرارة وهي تقول لمحمد زين: “كيف تقدم لي رمزي على أنه غريب عني، إنه أخي وصديقي العزيز”. وبعد جلوسنا وتحت دهشة محمد زين، حكيت له عن الصداقة الطيبة التي جمعت بيني وبين ماجدة منذ سنوات طويلة تعود لأيام إقامتي في بيروت. وبطبيعة الحال لم أذكر له بأنني كنت قد تعرفت عليها في حانة فندق كبير ببيروت حيث كنت أنزل فلمحتها وهي تخدم زبائن حانة الفندق، فعرفتها على الفور وتقدمت منها مصافحا وأنا أقول لها: “أنت النجمة الرائعة ماجدة الخطيب، فما الذي جعلك تتحولين إلى نادلة بهذه الحانة؟” فرفعت نحوي عينين كان الحزن والأسى يقطر منهما، وقالت: “لقد هربت من الفنانات الحاسدات اللواتي لا يتوقفن عن وضع الدسائس في طريقي. لقد تعبت من الحرب التي تشنها علي هؤلاء الممثلات لا سامحهن الله وتركت لهن الجمل بما حمل وهربت إلى هنا”، وهكذا أخذت أكتب عنها في المجلات اللبنانية المتعددة التي كنت أعمل بها في لبنان. وكنت في تلك المرحلة لا أتوقف عن نصحها بالعودة إلى القاهرة، وأقول لها باستمرار بأن مكانها الحقيقي يوجد هناك بين استوديوهات التصوير السينمائي حتى لا ينساها جمهورها. وفعلا عادت إلى القاهرة وناضلت وكافحت حتى استطاعت إثبات نفسها كنجمة متميزة. وشاءت الصدف أن تتعرف على محمد زين، فدخل الاثنان في علاقة حب قوية حيث عشقته ماجدة عشقا جنونيا وكانت لا تفارقه وبدوره كان يعد العدة لعقد قرانه عليها. وبعد تعييني مديرا إقليميا لمكتب جريدة “السياسة الكويتية” في القاهرة كان محمد زين يزورني كل شهر تقريبا ويقيم في شقتي بالقاهرة. وكانت ماجدة لا تفارقه أبدا. ولكن ذات يوم حدث ما لم يكن في الحسبان، حيث علمت عائلة محمد زين العريقة والمحافظة بالعلاقة الغرامية التي كانت تربط بين ابنها البكر محمد وبين ماجدة، فأقام أل العيدروس الدنيا ولم يقعدوها وهددوا ابنهم بالتبرؤ منه وحرمانه من الميراث في حالة إصراره على الزواج من أية فنانة، كما كثرت الضغوط عليه من كل الجهات. وهكذا اضطر للزواج من فتاة كويتية رغم حبه الكبير لماجدة، وعاش مع زوجته بدون حب وأنجب منها ولدا وبنتا لإرضاء عائلته. أما ماجدة المسكينة فقد كانت صدمتها كبيرة بعد تخلي حبيبها محمد زين عنها وزواجه من امرأة غيرها، فارتمت بين براثن الخمر والمخدرات والحبوب المهدئة من كل الأنواع. وعاشت بقية حياتها باكية نادبة حظها وهي عاجزة تماما عن نسيان محمد زين. وبدأت تخرج من مشكلة لتقع في مشكلة أكبر منها حيث تم إلقاء القبض عليها خلال سنة 1986 بتهمة حيازة وتعاطي المخدرات ومعها شاب سوداني كان يدعى أمين محمد علي، وآخر مصري اسمه سيد إسماعيل الحمزاوي، بعد تفتيش منزلها والعثور معه على مخدر الهيروين؛ عاقبتها محكمة جنايات القاهرة بالحبس لمدة سنة كاملة، وقد أخلت المحكمة سبيلها عقب صدور الحكم لأنها كانت قد مكثت في الحبس الاحتياطي 16 شهرا على ذمة التحقيقات.

وفي نونبر من سنة 1987 قامت الخطيب بقتل خطإ بسيارتها وصدر ضدها حكم بالسجن سنة مع الشغل وغرامة 5 آلاف جنيه، لقتلها طالبا جامعيا فوق كوبري أكتوبر، وقامت بعمل استشكال ضد الحكم الذي تم رفضه فهربت إلى قبرص وباريس ولندن. كما صدر في سنة 1989 ضدها حكم بالحبس لمدة شهرين مع إيقاف التنفيذ من محكمة جنح بولاق، لأنها أصدرت شيكا بدون رصيد لصالح مؤسسة “أخبار اليوم”.

وبعد رجوعها بعد 5 سنوات من أجل سقوط الحكم بالتقادم رفضت محكمة النقض طعن الفنانة وأيدت الحكم الصادر ضدها من محكمة جنح مستأنف الدقي بحبسها سنة مع الشغل وغرامة 200 جنيه لاتهامها بقتل سيد عبد الله خطأ، وقضت العقوبة بسجن النساء في القناطر حتى تم الإفراج عنها ضمن 120 مسجونا بمناسبة احتفالات أكتوبر.

وكانت كل تلك المشاكل بسبب الصدمة العاطفية التي تعرضت لها بعد ذهاب حبيبها زين، وهي التي كانت تعد العدة لتكون زوجة له وأما لأولاده فإذا بها بين عشية وضحاها تصبح وحيدة ومنبوذة من طرف الرجل الذي عشقته حتى الموت.

وهكذا هاجمت الأمراض جسد ماجدة النحيف، حيث أصيبت بداء السكري الذي تسبب لها في أضرار خطيرة بالكلي والكبد لدى ليحولها إلى بقايا امرأة. وفشلت كل المحاولات لإنقاذ حياتها بعد تعرضها لاستسقاء متواصل أثر على رئتيها تأثيرا خطيرا، فرحلت ذات يوم من أيام شتاء 2006 إلى دار البقاء عن سن يناهز 63 سنة بعد حياة حافلة بالعطاء الفني تاركة أعمالا فنية رائعة مثل أفلام “بقايا عذراء”، و”قصر الشوق” و”دلال المصرية” الذي أسند لها فيه مخرج الروائع حسن الإمام دور البطولة الكاملة، ثم تولت بطولة فيلم “ثرثرة فوق النيل”. كما أنتجت عدة أفلام هامة مثل “زائر الفجر”. وفي سنة 1996 حصلت على الجائزة الأولى في التمثيل عن دورها في فيلم “يا دنيا يا غرامي”، كما حصدت العديد من الجوائز عن أدوارها الثانوية الجيدة. وقد تجاوزت أعمالها الخمسين فيلما. وهكذا طويت صفحة فنانة مجتهدة ولكن قليلة الحظ كامرأة.

أما الصديق العزيز والوفي ذو القلم السيال والكلمة الهادفة، الأستاذ محمد زين فقد أصيب بذبحة صدرية مفاجئة أثناء إيصاله أولاده للمدرسة وهو يقود سيارته، وذلك بدون أعراض سابقة فرحل عن هذا العالم تاركا حزنا عميقا في نفوس كل الذين عرفوه حيث بكاه الكبير والصغير رحمه الله.

 

 

 

 

 

error: Content is protected !!