في الأكشاك هذا الأسبوع
وقفة سابقة لقضاة النادي الذين اتهمهم رئيس فريق العدالة والتنمية بالتحضير لـ"دولة القضاء"

ملف الاسبوع | كيف يمكن أن يتحول إصلاح القضاء إلى مشروع لتغيير نظام الدولة؟  

بقلم : سعيد الريحاني

يحكي قيدوم الصحافيين مصطفى العلوي في كتابه الصادر، مؤخرا: ((قدمت المخابرات للحسن الثاني، ذات يوم، تقريرا من أغرب الأحداث، ملخصها أن كومندو تابع للجيش الإسرائيلي، جاء إلى المغرب متخفيا، واختطف الزوجة اليهودية لأحد القضاة المغاربة، وهربها إلى إسرائيل، ليتضح أن تلك اليهودية المغربية، قتلت زوجها اليهودي بالدار البيضاء، ليقدمها البوليس معتقلة إلى المحكمة، التي كان يرأسها هذا القاضي، ولكن اليهودية القاتلة أعجبت القاضي، الذي برأها وتزوج بها، فجاء الكومندو الاسرائيلي لاختطافها ومحاكمتها في اسرائيل، ليتم طرد القاضي، الذي أصبح محاميا في الدار البيضاء)).

ويؤكد صاحب الكتاب أن الملك الحسن الثاني لم يكن يريد أن يكون قاضيا: ((ربما سمع الحسن الثاني بالتفصيل أخبار هذا القاضي، وأخبار قضاة آخرين فأعلن علنا، سخطه على مهنة القضاء))، مؤكدا: ((أنا لا أريد أن أكون قاضيا، وربما وصلته أصداء تعاليق القضاة على هذه الغضبة على مهنتهم، فاستجمع شجاعته، يوما وهو يرأس اجتماعا للقضاة وقال لهم بصراحة: أنتم لديكم مسؤولية أكثر مما لدي، أنتم يمكنكم أن تفرقوا عائلة، ويمكنكم تشريد ورثة، وأيتام، ومحاجير. ويمكنكم أن تحرموا فردا في المجتمع، من حريته خمسة عشر أو عشرين عاما، ويمكنكم أن تحرموه من حياته، ولو كان اختيار مهنة، والله ما كنت أختار مهنة القضاء.. إن النفس لأمارة بالسوء. الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فأنتم في عراك مستمر، تخوضونه صباح مساء، تمر أمامكم يوميا قطارات من الذهب، كأنها تقول لكم، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله. يوميا أنتم سيدنا يوسف، ترون أمامكم القناطر من الذهب، وعلينا كذلك أن نأخذ هذا بعين الاعتبار.. ولقد طلب مني وزير العدل مولاي مصطفى بلعربي أن نأخذ بعين الاعتبار، الحالة المالية للبلاد كلها، ولكن إذا سار القضاء سيرا عادلا، ولو في نسبة 75 في المئة، فإن أعباء الأمن ستخف (خطاب في اجتماع قضاة المملكة، 31 مارس 1982))) (المصدر: مقتطف من كتاب الحسن الثاني الملك المظلوم، مصطفى العلوي).

لا تؤكد الحكاية أعلاه أن الملك الحسن الثاني لم تكن ترضيه مهنة القاضي فقط بل إنها تؤكد على أن مسألة في غاية الأهمية وهي أن نجاح القضاء يؤدي بالضرورة إلى التخفيف من أعباء الأمن، وقد تكون صورة العدالة المتسمة بالهيبة سببا أساسيا في الحد من الجرائم والتسيب، وهذا ما يؤكده واقع الحال فتشتت صفوف القضاة في السنوات الأخيرة، وإصابتهم بنفس المرض السياسي الذي أصاب الأحزاب المغربية يتزامن بشكل غريب مع تصاعد حوادث خطيرة تهدد الأمن العام، وها هي أشرطة فيديو “اليوتوب” توثق للعالم يوما بعد يوم كيف أن بعض المغاربة أصبحوا يلجؤون إلى تطبيق شريعة اليد بدل شريعة القانون، وباتت المواقع ووكالات الأخبار تصدر أخبارا مثيرة للقلق، من قبيل: “مواطنون يطبقون القانون بأيديهم.. ويقتلون سارق مواشٍ بميدلت”، و”مواطنون بالبيضاء يقتدون من سارق بضربه حتى فقد بصره بالدار البيضاء”.. وغيرها من العناوين التي تحاول التأكيد على وجود تسيب أمني، بتزامن غريب مع تعيين مدير جديد للأمن، عبد اللطيف الحموشي، الذي سبقته سمعته ومنجزاته الأمنية.

الأمن هو الغاية المنشودة في كل المجتمعات بغض النظر عن دينها أو نوعية الدولة، لكن سيف العدالة الرادع يوجد بيد القضاء، فهل يمكن الاطمئنان إلى القضاء في المغرب؟

عبد الله بوانو رئيس فرق العدالة والتنمية في حوار ساخر مع حصاد وزير الداخلية

عبد الله بوانو رئيس فرق العدالة والتنمية في حوار ساخر مع حصاد وزير الداخلية

لنتأمل: يقول عبد الله بوانو رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، وهو الفريق نفسه الذي ترأسه في وقت سابق وزير العدل الحالي مصطفى الرميد: “هناك فئة تريد أن تخلق نموذجا في بلادنا نحن في غنى عنه، وهو صنع دولة القضاة.. اللي قالتو هو اللي يكون”، ورغم أن بوانو تدار الأمر في آخر تصريح له بالبرلمان، على هامش اجتماع فرق الأغلبية بمجلس النواب مؤخرا، بقوله: “إن أغلبية الجسم القضائي شرفاء وأكفاء يخدمون الوطن”، فإن الصحف نقلت عنه قوله: إن أهداف هذا التحالف، بين بعض القضاة وأطراف سياسية لم يسمُها، غير مبررة، بالنظر إلى أن “الجسم القضائي مفروض فيه الحياد.

((ويشرح بوانو: نتساءل حول حضور بعض القضاة لأنشطة أحزاب سياسية، وعن بيانات لا فرق فيها بين بيانات جمعية مهنية، وأخرى لبعض الأحزاب السياسية”، قبل أن يضيف “بعد ما خرجت بعض مكونات هذا الجسم في بيانات ومسيرات ووقفات ضد السلطة التنفيذية، جاء الدور ليقوم بوقفات واعتصامات وبيانات تجاه الأغلبية والمؤسسة التشريعية، “باغي يورينا كيفاش خصنا نشرعو” نقول لن نمنح لك هذه الفرصة، وسنمارس صلاحياتنا التشريعية بكل استقلالية، وأي طرف حاول المساس بها سنواجهه بما يلزم)) (موقع اليوم 24، بتاريخ 24 يوليوز 2015).

وتعد هذه المرة الأولى التي يتجرأ فيها رئيس فريق برلماني على اتهام القضاة، هم قضاة “نادي القضاة”، (هو إحدى الجمعيات القضائية إلى جانب الودادية الحسنية للقضاة ورابطة قضاة المغرب)، بـ”ممارسة السياسة”، ومحاولة خلق نموذج دولة القضاة، فما المقصود بدولة القضاة؟ الجواب على لسان أحد المعنيين بالأمر، وهو فاتح كمال أحد أعضاء نادي قضاة المغرب: “إن مفهوم دولة القضاة هو تعبير أمريكي ظهر في كتاب لإدوارد لامبيرت، حكومة القضاة والتشريع الاجتماعي بالولايات المتحدة، إنه احتجاج سماه الرئيس الأمريكي طوماس جيفرسون باستبداد الأوليغارشية قاصدا به قرارات المحكمة العليا الأمريكية التي اعتبرت نفسها مختصة لإلغاء القوانين التي أعدها الرئيس المذكور.. هذا الاحتجاج نفسه شهده التاريخ أيام الرئيس فرانكلين روزفلت الذي ندد بدوره بقرار المحكمة العليا الأمريكية تجاه قرارات إصلاحية اعتبرها ضرورية  لمواجهة أزمة سنة 1929”.

المصدر نفسه يشرح: “إن مخاوف بعض السياسيين المغاربة المعلنة، بما فيها تصريحات وزير الحريات وبعض مستشاريه، تحيل على مفهوم دولة القضاة كدولة تغول مرتقب لأعضاء السلطة القضائية. في تلميح منهم إلى أن في الأمر نسف لشرعية سياسيي الصناديق”، ورغم أن صاحب هذا الكلام لا يتفق مع بوانو، ويؤكد على أن “القضاة المغاربة لا يمتلكون سلطات لتفسير القواعد الدستورية. بل على العكس من ذلك، إنهم عادة ما يتجنبون التفسير الواسع للنصوص القانونية وهم أقرب للأسف لشراح على المتون”، إلا أن جدلا من هذا النوع بين السياسي والقضائي يحتم التساؤل عن خلفيات هذه الحرب، والأيادي التي لعبت فيها، فالمعلوم أن الأحكام تصدر باسم الملك، والملك حسب الفصل 107 من الدستور هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية.. فماذا حدث بين الأمس اليوم حتى تحولنا من الحديث عن مشروع إصلاح العدالة والقضاء، إلى الحديث عن مشروع دولة أخرى؟(..).

لنفترض أن القضاة باعتبارهم فئة مهنية عريضة كانوا يريدون متابعة النقاشات التي من شأنها التأثير في مهنتهم داخل البرلمان، هل كان من الضروري أن يتدخلوا إلى حد يجعلهم في وضعية صراع مع بعض الفرق البرلمانية؟ يقول حسن طارق وهو برلماني من حزب الاتحاد الاشتراكي وأستاذ جامعي قانوني: “كثيرة هي التنظيمات المهنية التي تابعت مرور قوانين تهمها أمام البرلمان، فعلت ذلك وهي تعلن عن رأيها، أو حتى وهي تترافع دفاعا عن مطالبها ومناصرة لأفكارها، ثم انسحبت لتترك للنواب أمر الحسم والبت النهائي باسم تمثيلية الأمة والمشروعية الديمقراطية.. لكن جزءا من ممثلي الجسم القضائي، فعل أكثر من ذلك: عبر عن مواقفه، أساسا، من قضية استقلالية النيابة العامة، وخاض معركته الكبرى في سبيل ذلك – معركة تشبه إلى حد كبير إشعال النار في الهشيم، فهم كانوا يعرفون أن الاتجاه العام للدولة قد حُسم نحو هذه الاستقلالية – وبعد ذلك، تحول ممثلو السلطة القضائية إلى مراقبين عامين للنواب، يُقَرِّعونهم على التراجعات، ويستكثرون عليهم التعديلات، ويستنجدون بالقوى الحية لإجبار البرلمان على الامتثال للدستور، ثم يقررون الاعتصام احتجاجا على تصويت النواب”.

يضيف حسن طارق: “أتفق مع القضاة الذين قالوا إنه ليس على المغاربة التخوف من دولة القضاة.. نعم فالعبارة استعملت في هذا الجدل خارج سياقها. الدولة في المغرب نعرف مكانها جيدا، والقضاة أول من يعرفون ذلك بالتأكيد.. نعم، لسنا أمام دولة القضاة، لكننا قريبون من حالة “حزب القضاة”، حيث يترك بعض السادة القضاة جانبا كل واجب التحفظ، وضرورة التجرد، ومقومات الاستقلالية، ليعلنوا للملإ خصوماتهم السياسية مع ممثلي باقي السلط؛ في الحكومة وفي البرلمان، كما لو كانوا مجرد أعضاء في جمعية من المجتمع المدني أو نشطاء في تنظيم حقوقيٍ”.

الفرق بين عبد الله بوانو وحسن طارق هو أن الأول يتحدث عن “دولة القضاة”، في ما الثاني يتحدث عن تنظيم أقل وهو “حزب القضاة”، وفي كلتا الحالتين نحن أمام تطورات غير مسبوقة في الجسم القضائي، سواء تحولوا إلى حزب أو دولة، فالأمر في الحالتين معا يفترض أننا أمام محاولة لتغيير نظام الدولة.

20140207-102507  وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن تهمة محاولة تأسيس دولة القضاة موجهة لنادي القضاة، وهو التنظيم الوحيد الذي دافع عن مطالبه لأول مرة في تاريخ القضاء المغربي انطلاقا من الشارع، بالتزامن مع أحداث الربيع العربي، غير أن الحديث عن نادي القضاة، وهو الأمر الذي غفل عنه كثير من المتتبعين، يفترض الحديث أيضا عن الإطار التقليدي للودادية الحسنية للقضاة التي تعتبر قلعة للدفاع عن التقاليد الملكية(..)، قبل أن تتحول اليوم إلى تنظيم يشترك مع النادي في ائتلاف.

وربما نسي كثير من المتتبعين، أن كلا من نادي القضاة والودادية الحسنية للقضاة يجمعها ائتلاف، تحت اسم “الائتلاف المغربي للجمعيات المهنية القضائية”، تم تأسيسه بالليل(..)، وتم الترويج على أنه خصم للوزير مصطفى الرميد، وكتبت الصحف وقت تأسيسه “القضاة يصعدون ضد الرميد”، وقالت إن من بين أهداف هذا الائتلاف، “الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وصون كرامة القاضي”، ليؤكد القاضي عبد الحق العياسي “أن هناك من يسعى إلى اختزال السلطة القضائية في المجلس الأعلى للقضاء دون تحقيق استقلال مالي وإداري”  (المصدر: جريدة الصباح)، لكن العياسي لم يسمع له رأي في قضية محاولة تكوين دولة القضاة، طالما أنه مرتبط بالنادي من خلال ائتلاف(..)، وهو الذي لم يحصل بعد على التعيين الملكي على رأس ودادية القضاة، وعندما سأله الصحفيون عن سر غياب التعيين، الذي يرجح وجود غضبة كبرى، على طريقة تدبير انتخابات القضاة، قال: “نحن لا يمكن أن ننطلق في عملنا بدون إذن ولدينا إشارات على أن ننطلق في عملنا”.. (المصدر: حوار سابق للعياسي مع موقع كود)، وهنا يطرح سؤال من يعطي الإشارات للهيئات القضائية؟

وبغض النظر عن اللعب السياسي في الكواليس والذي يؤكده تعطيل الدستور وتعطيل خروج المجلس الأعلى للسلطة القضائية للوجود وتعطيل المحكمة الدستورية التي تؤكد جل المؤشرات أن موضعها قد تسيس(..)، فقد طفت على السطح مؤخرا نقاشات غير مسبوقة حول موضوع: “استقلالية النيابة العامة عن وزير العدل من عدمها” قبل أن تحسم الأمور لصالح الاستقلالية(..).

وقد غاب عن كثير من المتتبعين لهذا الموضوع أن فكرة استقلال النيابة العامة عن وزير العدل، تم التأشير عليها في مشروع إصلاح العدالة الذي قدم للملك، قبل أن تتدخل أطراف سياسية لمحاولة إلغاء هذا المبدأ، وربما لم يخطر ببال المطالبين والمتفائلين لتبعية النيابة العامة لوزير العدل سيعرضها لضربات سياسية من طرف الخصوم طالما أن وزير العدل منصب سياسي(..)، كيف يمكن للنيابة العامة أن تكون محايدة سياسيا بعدما تصبح هي الأخرى تابعة لوزير سياسي، أليس أكبر استقلال للنيابة العامة هو تبعية للملك، بدل التبعية للسياسيين، الذين لا يضمنون العدالة حتى داخل أحزابهم فبالأحرى يضمنونها للدولة، إن نقاشات من هذا النوع تخفي من تحتها أكثر مما تظهر، وموضوع التطورات القضائية، لن ينتهي قريبا بالتأكيد(..).

 

 

 

error: Content is protected !!