في الأكشاك هذا الأسبوع
صلاح الدين مزوار وزير الخارجية يستقبل سفير إيران في الرباط محمد تقي الدين مؤيد

ملف الاسبوع | ماذا خسر المغرب من الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي؟

اعد الملف : سعيد الريحاني

حمل القائد العسكري “غورو” حين أراد احتلال سوريا ولبنان مع بواخره الكثيرة المحملة بالسلاح والعتاد والجنود المقاتلين، “حمل” باخرة فيها سلاح فتاك، لم ينقدح في ذهن أحد استعماله من قبل. ولقد باشر باستعمال هذا السلاح الجديد بعد أن ثبت له أن تأثيره أقوى من كل سلاح.. إنه سلاح الغزو الخُلُقِي: فقد أعد مع بواخره الكثيرة باخرة كبيرة مليئة بـ”المومسات وحين بدت علامات الاستفهام على وجوه الجنود والضباط المقاتلين عن سر ذلك، وسأله سائل: “ما فائدة المومسات ونحن على أبواب حرب مصيرية نحتاج فيها إلى القوة والثبات لا إلى الانحلال..؟ أجاب غورو: “إن القوة وأثرها يزول.. أما أثر هؤلاء فلا يزول..

للمسلمين حكاياتهم والحكاية المذكورة هنا هي إحدى الحكايات التي تضمنها كتاب “باقات من الورود النضرة من حكايات المسلمين العطرة” لكاتبه إبراهيم النعمة، ورغم أن حكاية من هذا النوع والمطبوعة من طرف دار للنشر في بيروت، لا تبدو عطرة بتاتا، ويمكن أن تسبب في أزمة دبلوماسية في زمن “الفيسبوك”(..) إلا أنها تؤكد أن الأمور اختلطت في سوريا ولبنان منذ زمن بعيد، بغض النظر عن حكاية المومسات، ولا غرابة في أن نقرأ اليوم في قصاصات الأنباء العالمية تقارير تتحدث عن “سعي إيران إلى أن تَخُصَّ بشار الأسد بدويلة علوية لها امتداد شيعي، إلى لبنان التي يتم التفكير في تقسيمها أيضا”.

محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الذي يوصف بالمفاوض النووي البشوش رفقة "جون كيري" وزير خارجية أمريكا

محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الذي يوصف بالمفاوض النووي البشوش رفقة “جون كيري” وزير خارجية أمريكا

سواء تعلق الأمر بسوريا أو لبنان أو إيران، فإن الحديث عن هذه الدول لابد من أن يقف على المعضلة الكبيرة وهي الطائفية القاتلة، والمسببة للتخلف والهزيمة، بل إن صراعات من هذا النوع هي التي تعطي للدول الكبرى فرصة للضحك على المسلمين، بعد أن ولى زمن الخوف منهم، وقد قال “هانوتو” وزير الخارجية السابق في فرنسا: “رغم انتصارنا على أمة الإسلام وقهرها، فإن الخطر لا يزال موجودا من انتفاض المقهورين الذين أتعبتهم النكبات التي أنزلناها بهم، لأن هِمتهم لم تخمد بعد..”، وصرح “صالازار” ديكتاتور البرتغال السابق في مؤتمر صحفي قائلا: “إن الخطر الحقيقي على حضارتنا هو الذي يمكن أن يحدثه المسلمون حين يغيرون نظام العالم”، ولما سأله أحد الصحفيين: “لكن المسلمين مشغولون بخلافاتهم ونزاعاتهم؟ فأجابه: أخشى أن يخرج منهم من يوجه خلافهم إلينا” (المصدر نفسه).

في المغرب، قد لا يكون هناك تأثير ملموس، للتحركات الإيرانية كما هو الحال في سوريا ولبنان، الاتفاق النووي بينها وبين الدول الست الكبرى وعلى رأسها أمريكا، يفرض التساؤل: هل سيربح المغرب أم سيخسر؟ وهل كان المغرب موفقا في اختيار اصطفافاته الدبلوماسية أم أنه كان يسير في الاتجاه الخطإ، وإذا افترضنا أن المغرب المعروف بوقوفه في الصف الأمريكي قد أخطأ في لعبة الرهان، فما هي خطورة هذا الخطإ؟ وهل من سبيل لتدارك هذا الأمر؟

Obama-Cameron-Iraq-Iran-ISIS-cartoonماذا يتضمن الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي؟ أولا، هذا الاتفاق مؤقت والمفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، ستستأنف في شهر فبراير المقبل ووسائل الإعلام الدولية تؤكد أن “الاتفاق النووي مساومة.. مساومة أمريكية ومراوغة إيرانية”، وهناك عدة ملاحظات على هذا الاتفاق؛ أولا: الاتفاق لم يمنع بل أجل الطموحات الإيرانية في امتلاك أسلحة نووية، ويعمل على “إدارتها” مثلما يشكل محاولة لكسب الوقت من قِبَل الطرفين، فقد احتفظت إيران بالحق في التخصيب، والحق في الاحتفاظ بأكثر من عشرين ألف جهاز طرد مركزي، وجميع مفاعلاتها النووية الشرعية وغير الشرعية، السلمية والعسكرية، كاملة مع بعض التعديلات في بعضها، ثانيا: إيران مازالت وستظل تملك العقول والخبرات التي تؤهلها لاستئناف برامجها النووية بعد عشر سنوات، وهو عمر الاتفاق، واستطاعت أن تفرض موافقتها المشروطة على أي أعمال تفتيش لمنشآتها العسكرية، ومنع أي لقاءات مع علمائها من قبل المفتشين، لعدم تكرار أخطاء تجربة العراق، مع الملاحظة أن العراق كان تحت الاحتلال نظريا وعمليا في حينها، ثالثا: إيران ستظل دائما، وطوال فترة العشر سنوات من مدة الاتفاق على بعد 12 شهرا من إنتاج أسلحة نووية، وربما أقل، وجميع القيود عليها سترفع بعد انتهاء المدة، وطالما أن العلماء موجودون وأحياء يرزقون، فكل الاحتمالات واردة، رابعا: إيران ستنتقل من خانة الدول “المارقة” و”الإرهابية” و”الشريرة” إلى خانة الدول الطبيعية، وربما الحليفة أيضا لأوروبا والغرب، خامسا: ستحصل إيران على 120 مليار دولار كانت مجمدة في غضون أشهر معدودة، ورفع الحصار الاقتصادي المفروض عليها، والسماح لها بالتصدير إلى الغرب والشرق معا، مما يعني تحولها إلى قوة اقتصادية إقليمية كبرى، وخلق مئات الآلاف من الوظائف وحركة تجارية بلا قيود، فالنفط وعوائده، يشكل أقل من نسبة 30 في المائة من الدخل القومي الإيراني، بينما يشكل نسبة 90 بالمئة من دخول دول الخليج، كمثال، سادسا: المعسكر الداعم لإيران، وخاصة روسيا والصين ودول “البريكس” خرج منتصرا من هذا الاتفاق، وكذلك الدول والجماعات التي تحظى بالدعم الإيراني أيضا، لأن إيران ستكون أقوى سياسيا واقتصاديا (المصدر: مقال تحليلي للصحفي عبد الباري عطوان).

أين يوجد المغرب في كل هذا؟ المغرب هو إحدى الدول التي لا تربطها مع إيران علاقات قوية، بل إن إيران لم تعين سفيرها في الرباط إلا خلال السنة الماضية بعد قطيعة امتدت إلى خمس سنوات، وكان المغرب قد قطع علاقاته مع إيران سنة 2009 بعدما اتهمت الدول السنية إيران الشيعية بمحاولة التحكم في مصير دولة صغيرة هي البحرين، ولا شك في أن المتتبعين سيستغربون عندما يعرفون أن الدولة المعنية بالأمر (البحرين) لم تسحب سفيرها من طهران بخلاف ما هو عليه الحال في المغرب، حيث وصل الأمر إلى حد قطع العلاقات، ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن وزير الخارجية قوله: “إن قرار المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران يُعَدّ نتيجة للتصرفات غير المقبولة التي جعلت مختلف مكونات المجتمع المغربي تعبر عن استغرابها للكيفية التي تعاملت بها إيران مع المملكة المغربية.. هناك نقطة مبدئية تتمثل في أن المغرب لا يمكن أن يقبل التدخل في شؤونه الداخلية” ويدخل في إطار التدخل: “نشر المذهب الشيعي”.

هل يعقل ألا يكون هناك أي تأثير للاتفاق النووي الأمريكي الإيراني في المغرب، والحال أن المغرب بات محسوبا على معسكر السعودية من خلال مشاركته في الحرب على الحوثيين المدعومين من طرف إيران في اليمن. وكان المغرب قد أوضح من الناحية الرسمية “تضامنه الكامل والمطلق مع المملكة العربية السعودية وتأييدها للحفاظ على الشرعية في اليمن، في الوقت الذي أطلقت فيه الرياض عملية عسكرية ضد جماعة الحوثي الشيعية في صنعاء”، بل إن وزارة الخارجية قالت في بيان لها إن “المملكة المغربية تابعت عن كثب وبانشغال كبير التطورات الخطيرة التي عرفتها الجمهورية اليمنية والمتمثلة في استعمال القوة والعنف والإمعان في نسف مكتسبات الحوار الوطني اليمني وضرب الشرعية”.

hajjajFace1_90المغرب إذن، محسوب على حلف السعودية بخلاف مصر والجزائر مثلا، والتفسير الذي أعطي لمشاركة المغرب تلخصه الفقرة التالية، في قصاصات الأخبار: “تأتي مشاركة المغرب في عاصفة الحزم بعد أيام من زيارة أداها ولي عهد أبو ظبي إلى المملكة، زيارة حضر فيها البعدان الاقتصادي والأمني والعسكري بقوة، ورغم أن قراءة تلك الزيارة في بعدها غير المعلن فقد رجحت وجود توجه إماراتي نحو إيجاد ظهير مغاربي، بهدف إعادة التموقع في المشهد الليبي بعد الهزيمة التي مُنِيَ بها الحلف المصري – الإماراتي من خلال نجاح الجزائر في ترجيح كفة الحوار والحل السياسي على حساب التدخل العسكري، بين إطلاق عاصفة الحزم والالتحاق السريع للمغرب بها أن العملية العسكرية في اليمن أُعد لها بشكل مسبق وقد تكون من بين النقاط التي ناقشها نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية مع الملك المغربي.. من الجلي أن المشاركة الرمزية للمغرب بـ6 طائرات تندرج ضمن الجهود التي بُذلت من طرف السعودية وشركائها في هذه الضربة العسكرية من أجل توفير غطاء سياسي واعتراف دولي بها خصوصا أن العملية استبقت القمة العربية ولم تأت، كما جرت العادة، إثر قرار من جامعة الدول العربية أو مجلس الأمن بالأمم المتحدة..”.

من يدري قد تتحول مشاركة المغرب في عاصفة الحزم، إلى ورطة حقيقية، إذا تغيرت موازين القوى، والتكييف جاهز، وتداولته وسائل الإعلام، وهو أن السعودية استبقت الجامعة العربية في إطلاق عاصفة الحزم، ولم تحصل على موافقة هيئة دولية أخرى مثل مجلس الأمن(..).

ليس غريبا أن يشهد العالم تحولات كبرى “فقد انتهت الحرب العالمية الأولى بانتصار الدول القومية الصناعية على الإمبراطوريات الأوروبية والعثمانية. وانتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الدولة النووية على الدولة القومية الصناعية. وانتهت الحرب الباردة بانتصار الدولة الاقتصادية الرأسمالية على الدولة الاشتراكية. وانتهت الأحادية الأمريكية بحرب الأوراق المالية وانتصار التجمعات الاقتصادية المتمثلة بدول الثماني والعشرين، على الأحادية الأمريكية” (الكاتب: أحمد عز).

لكن هل من تأثير للمتغيرات الدولية على المغرب؟ يمكن أن نرجع فقط إلى الأيام القليلة الماضية، وسنجد أن الحرس الثوري الإيراني استبق الاتفاق مع أمريكا باتهام المغرب بتنفيذ السياسات الصهونية، وانتقد التوجهات السياسية الخارجية للمملكة، يوما واحدا بعد استقبال الملك محمد السادس، للسفير الإيراني الجديد بالعاصمة الرباط، محمد تقي مؤيد، كإشارة لاستئناف العلاقات رسميا بين البلدين بعد قطيعة دامت حوالي 6 سنوات (هسبريس، بتاريخ 25 يونيو 2015).

ويمكن لأي أحد أنت يتصور الضرر الكبير الذي يمكن أن يتسبب فيه اتفاق النووي الأمريكي الإيراني، إذا لم يوازهِ اتفاق سعودي إيراني، على المغرب، على مستوى القضية الوطنية، بعد أن تأكد أن التحركات الأمريكية لا تدعو للاطمئنان، وربما سيكون حريا بالمغرب في غضون الأيام القليلة المقبلة إحياء الزيارة موضوع الزيارة الملكية إلى روسيا باعتبارها من الدول المنتصرة في الفترة الأخيرة.

يذكر أن الملك محمد السنة كان من المفترض أن يزور روسيا، لكن الزيارة ألغيت في آخر لحظة، وقالت وسائل الإعلام إن روسيا استقبلت البوليساريو، ولكن التفكير في الزيارة من جديد قد تفرضه المتغيرات الدولية والتوازنات الحتمية بالنسبة للمغرب، في إطار “لعبة الأمم”.

 

 

 

 

error: Content is protected !!