في الأكشاك هذا الأسبوع

في وجدة تدخلت السلطة وضربت المحامي وفي الدار البيضاء استعملت الملفات الأخلاقية

خالد شرقاوي

يونيو الأسود، هكذا يمكن أن يلقبه الكثيرون ممن تابعوا أحداث تأسيس مكاتب تسيير مجالس المدن والمجالس البلدية والمقاطعات في كبريات المدن، حينها نزل طيف سياسي لم يكمل بعد ربيعه الأول، وهو الذي تأسس في 7 غشت 2008، ثم عقد مؤتمره الأول في شهر فبراير من سنة 2009، وبعد أربعة أشهر فقط حصل على الرتبة الأولى بـ6032 مقعدا، أي بنسبة تفوق 21 في المائة، وحظي برئاسة 369 جماعة محلية.

ليس هذا فقط، ففي انتخابات مجالس العمالات والأقاليم، حظي حزب الأصالة والمعاصرة على 325 مقعدا، أي بنسبة 13.9 في المائة، ترأس 23 منها، وحصل على 212 من مقاعد مجالس الجهات واستولى على رئاسة 6 جهات من أصل 16 آنذاك، وفي انتخابات الغرف المهنية حصل على 392 مقعدا، أهلته لعضوية الغرف المهنية بـ109 أعضاء، ورئاسة 21 غرفة منها.

قد لا تهم الأرقام اليوم، بالرغم مما تركته وخلفته من فساد في المجالس التي يتم تسييرها من قبل من جاؤوا إلى حزب الأصالة والمعاصرة بحثا عن مكاسب أو امتيازات أو حماية يوفرها من كان يستغل اسم الملك في كل شيء، منذ المفاوضات مع المواطنين حول ورقة التصويت، إلى محاولة الزج بالمستشارين في هجرات جماعية تحت التهديد والترهيب أحيانا وبتقديم امتيازات أحيانا أخرى. وإن كانت جراح هاته الأرقام أيضا كثيرة بفضل ما تخلفه من تعطيل للتنمية في المجالس والجماعات ورهنها للمزيد من الهدر والتبذير، في ظل ما وفره حزب “البام” من أجواء جلبت إلى الواجهة بالباحثين عن المنافع، وأقصت الكفاءات الوطنية في مختلف المجالس والمقاطعات التي قام بتسييرها، وجعل القرار بأيدي مروجي المخدرات وتجار السياسة والمتنفعين.

لكن خلف هذا كله جرحا عميقا أعاد المغرب سنوات إلى الخلف، فإن كانت الدول تبنى بالديمقراطية وتتأسس عليها من أجل بناء تنمية قوية، تنعكس على مختلف المجالات، فإنه في البلدان المتخلفة يمكن أن تطعن هذه الديمقراطية في المقتل كلما أَذِنَتْ أهواء السلطة بذلك، وكلما لم تكن هاته الأهواء مع استطلاعات رأي تمنح طيفا سياسيا تقدما في صناديق الاقتراع.

هكذا عمل تحالف بين حزب الأصالة والمعاصرة ووزارة الداخلية في يونيو من سنة 2009، وإلى حدود شهري يوليوز وغشت وحتى شتنبر من نفس السنة، على ارتكاب مجزرة كبرى بحق الديمقراطية في المدن الكبرى، للحيلولة دون تسييرها من قبل حزب العدالة والتنمية وقطع الطريق أمام كل تحالفاته مع الأحزاب الأخرى.

في وجدة تدخلت السلطة وضربت المحامي نور الدين بوبكر عن حزب العدالة والتنمية وأدخلته في غيبوبة، وأخرجت مسرحية هزلية حين دفعت برجال أمن إلى طلب شهادات طبية تثبت تعرضهم للضرب، وبعد رفض المستشفى الجامعي استقبال رجل الأمن، ضغط الوالي على مستشفى الأطفال لضمان سرير للأمني إلى حين عرض الملف على القضاء، نجح إلياس العماري في تقديم كرسي العمودية لحزب الاستقلال، بعدما كان التحالف بينه وبين العدالة والتنمية وشيكا، وفي مدينة طنجة نزل العماري بثقله مجددا، وبتنسيق مع السلطة وتحت الترهيب وشراء المستشارين قدم العمودية لأخيه فؤاد العماري، وفي تطوان كانت المحاولات شرسة لجر البساط من تحت أرجل العدالة والتنمية، وفي مدينة أكادير تمت محاصرة القاعة ساعات قبل أن ينجح تحالف الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية في تشكيل المكتب.

وفي مدينة الدار البيضاء الكبرى قام حزب الأصالة والمعاصرة بتنسيق مع الولاية بخلط الأوراق مرات عديدة لقطع الطريق أمام حزب العدالة والتنمية، وقام بالضغط على العمدة ساجد بكل الوسائل حتى الملفات الأخلاقية وملفات الضريبة.. وغيرها من أجل وقف تحالفه مع العدالة والتنمية.

تهريب المستشارين ومحاصرة قاعات الانتخابات وشراء الذمم والتحالف مع وزارة الداخلية ومع البلطجية واستعمال القوة أحيانا كثيرة، وغيرها من الأساليب التي استعملها حزب الأصالة والمعاصرة لا يمكن أن تمحوه السنوات، بعدما كان الشعب المغربي يحلم بعهد جديد يتم فيه تمليك المواطنين حق اختيار ممثليهم في مختلف المؤسسات التمثيلية، المجالية منها والوطنية.

قد تتوارى وزارة الداخلية إلى الخلف في الوقت الراهن بسبب المتغيرات السياسية التي تلت سنة 2011، لكن هذا لا يعني بالضرورة إعادة المجزرة في حق الديمقراطية، ما يمكن قراءته هو إعادة في تكييف استراتيجية حزب الأصالة والمعاصرة، من التحالف مع السلطة إلى خلف تحالفات جديدة، تسيطر فيها أموال المخدرات، ومحاولة بسط ما تبقى من فزاعة النفوذ والعلاقة مع مراكز القرار، من أجل الاستمرار في الهيمنة.

الراي المغربية

error: Content is protected !!