في الأكشاك هذا الأسبوع

المنبر الحر | المغرب أزمة عميقة وهدوء ملغوم

بقلم. عبد القــــادر زعـــري

بقلم. عبد القــــادر زعـــري


    مع حلول السنة الميلادية الجديدة، وبعد ثلاث سنوات من الغليان والصخب، ها هي الساحة السياسية تعيش جمودا وهدوءا غريبين، لكنهما ملغومين. ملغومين لأن حصيلة حكم الإسلاميين لحد الساعة لا يمكنها إقناع أحد بما يبعث على التفاؤل. بل تراجعت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على عهدهم كثيرا، والأسباب التي دفعت بمد الغضب الشعبي أثناء عهد حراعكة 20 فبراير إلى الخروج للشارع والاحتجاج، كانت أقل حدة مما هي عليها اليوم.

 فبعد أزيد من سنتين من الغليان الذي واكب رياح الربيع العربي، وما تلاه من استحقاقات دستورية وانتخابية، ثم مناوشات صدعت رؤوس الشعب، بين شباط زعيم حزب الاستقلال وبنكيران، تلاها انفجار الحكومة وترميمها بالأحرار المستقلين، هاهي الساحة تعيش على إيقاع هدوء قلما تحلم به الأنظمة التي هي في مثل وضعية المغرب، من الناحية الاقتصادية والاجتمىاعية.

فالهدوء مطلوب ومرغوب، ومن أجله تعمل الدول كلها، بكل مؤسساتها، الدستورية والأمنية و الاستخباراتية، وكذا الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، لكن الهدوء لايعكس دائما أن الحالة طبيعية، ولا يعتبر دائما مؤشرا صادقا على الاستقرار، لماذا ؟

صحيح أن المغرب اليوم هادئ والساحة السياسية تعيش على وقع جمود لا تكسره غير المناوشات الحزبية الفارغة، والمهاترات الإعلامية بين الزعماء والرموز السياسية والعلمية وحتى الفنية. لكن الواقع يعيش على إيقاع الأرقام والإحصائيات المفزعة، والتي تمتلك مديرية الإحصاء التابعة للمندوبية السامية للتخطيط ومندوبها السامي، شجاعة غريبة في إعلانها صراحة وبدون مجاملات.

وأما المواطن العادي فأرقامه وإحصائياته التي يستدل بها على تدهور الأمور، فهو يستمدها مباشرة وبالمجان، من الأسواق الشعبية وبقال الحي، وكلها تلدغه صباح مساء بالزيادات المتتالية في أسعار المواد الأساسية، ولم يعد يثق فيما يسمعه بين الحين والآخر عن كون بنكيران أو حكومة بنكيران قد خفضوا من سعر كذا ولن يزيدوا في مادة كذا، المواطن هو نفسه أصبح من ضمن المحرقات التي اشتعلت فيها نيران الغلاء المتتالي في تكاليف المعيشة. فالهدوء لا يعني أن النفوس راضية بقضاء الله وقدره.

ويمكن إيجاد التفسير المناسب لحالة الصبر والترقب رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، في عاملين :

العامل الأول : هو تحول حزب “العدالة والتنمية”، بنوابه وأطره ومؤسساته وكل قاعدته العريضة التي دعمتها وقوتها رياح الربيع العربي، إلى عامل من عوامل نشر الهدوء وثقافة الصبر السياسي، فحزب قوي مثل هذا الحزب، تحول من مكون كان يهدد الاستقرار السياسي، إلى عامل من عوامل دعم الاستقرار. وهذا نجاح سجله النظام السياسي بنجاح، ودليل آخر على كفاءة المخزن المغربي، في تحويل الفصائل المعارضة من عوامل تهديد للنظام، إلى عوامل استقرار له.

العامل الثاني : وهو ولمحاسن الصدف، أتى مباشرة بعد نفاذ دور حزب “العدالة والتنمية”، ويتجلى في التأثير الذي خلفته صفارات إنذار شركات التنقيب عن ثروات ما تحت الأرض، والتي أعلنت بأن المغرب ولله الحمد، سيصبح دولة مصدرة للغاز الطبيعي، وأن فقراءه و مسحوقوه سيودعون الآلام والأحزان وإلى الأبد، وأن الله سينعم على عباده بما لا يمكن انتظارهلا من بنكيران ولا غير بنكيران.

 هاته الأخبار تناقلتها وسائل الإعلام الدولية والوطنية ولم تؤكدها الدولة وكبار المسؤولين فيها، لكنها تركت الباب مفتوحا لترويج تلك الأنباء وما تخلفه على القلوب والنفوس، فلا يمكن لأي دولة ولاأي نظام سياسي أن يحرم مواطنيه من نعمة التفاؤل، فلا شيء أخطر على الدول والحكومات من خطر التشاؤم واليأس.

وللتذكير فإن كلا العاملين سبق للمخزن المغربي أن استخدمهما لدعم استقرار وتوازن النظام السياسي، وكسب هدوء أوسع الطبقات الشعبية، في لحظات حرجة مختلفة عانى منها النظام السياسي. فاستخدام المعارضة المتجذرة في المجتمع كصمام أمان ضد مخاطر اللاتوازن، كان اختيارا سلكته الدولة منذ عقودكان آخرهالما استدعى الملك الراحل الحسن الثاني، زعيم الاشتراكيينإلى الحكم، فضمن بذلك أولا تفادي ما كان قد وصفه ب”السكتة القلبية”،وثانيا ضمن به سلاسةانتقال الحكم منه إلى ولي عهده آنذاك.

وأما استخدام أنباء اكتشاف الثروات الطبيعية، فقد كان آخرها عام 2000، ونحن نتذكر النشوة العامة التي عمت ربوع المملكة، بعدما دست إحدى الشركات المتخصصة، في التنقيب وفي النصب أيضا، خبرا كاذبا تم تعميمه على المغاربة في خطاب ملكي، هذا الخبر شكل في حينه فرصة للدولة للتخلص من الانتظارات التي كان يعلقها المغاربة على حلول العهد الجديد ورجاله.

هذه أمثلة تبين بأن المغرب لا يضمن دائما هدوءه، والنظام السياسي لا يضمن دوما توازنه، بتحقيق الآمال والتجاوب مع المطالب، بل بسلوك أساليب هي في جزءها الأكبر تعتمد على الحيلة والقدرة الفائقة على المناورة، واستغلال كل شيء ممكن لتحقيق غاية وحيدة هي الهدوء والاستقرار.

غاية الدولة كانت هي تجاوز محنة الربيع العربي، وتمكنت بفضل إدماج ظاهرة ذاك الوقت، حزب “العدالة والتنمية”، بعدها تحولت الغاية نحو جرجرة الحكومة والحزب إلى حرب استنزاف قادها وبنجاح عبد الحميد شباط، بعدها كانت الغاية هي الدخول بالرأي العامة في نشوة اكتشاف الغاز الطبيعي، في انتظار حلول أجواء الانتخابات القادمة، وبذلك ربح المخزن المغربي، رهان القفز  على تجاوز مرحلة كانت حرجة على المغرب، وكارثة على دول عربية وإقليمية أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!