في الأكشاك هذا الأسبوع
أمنية رمزي صوفيا التي تحققت

صوفيا لورين…كانت أمنية وتحققت

    في مطلع سنوات الستينيات كنت أخوض سلسلة لقاءات صحفية متوالية مع ألمع نجوم السينما والغناء في هوليوود وباريس وروما، إضافة بطبيعة الحال إلى نجوم القاهرة الذين كانوا يعيشون العصر الذهبي للسينما والطرب في مصر والعالم العربي بشكل عام. وكانت لي أمنية مهنية وشخصية مُلحة تشغل بالي ليل نهار فتحققت ذات يوم من أيام ستينيات القرن الماضي، وهي أن ألتقي بالفاتنة الساحرة الجمال التي خلبت ألباب الرجال عبر العالم برمته وسحرت عقولهم بجمالها الذي لا يقاوم: صوفيا لورين.

      كنت أشاهد كل فيلم تمثل فيه دورا من أدوارها الخالدة مرة أولى ثم أعود لمشاهدته مرات ومرات من فرط إعجابي بها، وفي تلك الفترة كنت أعيش مرحلة من مراحل حياتي في هوليوود عاصمة السينما العالمية، فبحثت عن صوفيا لورين ولكني لم أجدها. وعندما كنت أسأل مخرجي ومنتجي الأفلام السينمائية هناك في هوليوود كنت أتلقى جوابا واحدا: “هذه النجمة الفاتنة مطلوبة ومرغوبة جدا، لهذا فإنها مشغولة بالعمل في أفلامها على امتداد شهور السنة، ومن الصعب جدا أن يتحقق لك التواصل معها بأي شكل من الأشكال”. ولكن الإصرار الذي يشعر به الصحفي في مثل هذه الحالات جعلني عازما على التقائها بأية طريقة، فطلبت من الموزع السينمائي الفلسطيني الأصل الراحل كامل سفيان، الذي كان ينتج بعض الأفلام الصغيرة في هوليوود بأن يبحث لي عن المكان الذي تتواجد به صوفيا لورين. وفعلا قام بالواجب على جناح السرعة، حيث اتصل بي بعد أيام قليلة وقال لي: “لقد وجدت الغادة الحسناء، إنها حاليا تمثل دور البطولة في فيلمها الجديد ‘أمس واليوم وغدا’ في مدينة نابولي بإيطاليا”، وزودني باسم منتج الفيلم ورقم هاتفه وكل المعلومات عن أمكنة تصوير الفيلم. وفي اليوم الموالي كنت فوق السحاب على مثن أول طائرة متوجهة نحو إيطاليا. وبمجرد ملامستي أرضية مطار العاصمة الإيطالية روما هرعت نحو مدينة نابولي. وهناك أجريت اتصالا مع منتج الفيلم، وما إن علم بأني صحفي عربي حتى رحّب بي وأرسل لي سيارة خاصة نقلتني إلى الفندق الذي كان يحتضن مكان التصوير. وبمجرد ما لمحت عيناي صوفيا لورين كدت أقع على الأرض مغشيا علي من فرط انبهاري بجمالها الطبيعي. فرحبت بي بابتسامتها العريضة، وقلت لها: “أرجو منك تحديد موعد لحوار صحفي لن يستغرق من وقتك أكثر من ساعة زمن، لأن المعجبين بك يعدون بالملايين عبر الجهات الأربع للعالم، وكلهم يريدون معرفة أدق تفاصيل حياتك” فأجابتني: “كلامك أعجبني واقتراحك مقبول لهذا يمكنك أن تعطي لسكرتيري عنوان الفندق الذي تقيم فيه، ومساء الغد سأرسل إليك سيارة لتقلك إلى مكان إقامتي”.

وفي اليوم الموالي كنت أجالس صوفيا لورين محققا أمنية كبرى في حياتي آنذاك، فسألتها مباشرة بعد جلوسنا: “لقد شاهدتك كثيرا على الشاشة الفضية، فبهرني جمالك مثلما بهر ملايين الناس. ولكنك على الطبيعة أجمل بكثير، فلِمن كل هذا الجمال الفتان يا سيدتي؟” ضحكت من الأعماق وقالت: “هل تعتقد بأنني جميلة؟” فأجبتها: “وهل هناك إنسان يشاهد صوفيا لورين ولا يقول عنها بأنها ملكة جمال الكون وأجمل امرأة رآها في حياته” فأجابتني بنظرات تفيض بالحنان: “كل هذا الجمال هو لزوجي وحبيبي ووالد ابني المنتج الإيطالي كارلو بونتي الذي أعيش معه في قمة السعادة مع ابننا الصغير كارلو” فسألتها: “وهل أحببت كارلو بونتي رغم فارق السن الكبير بينكما؟” قالت: “بل عشت معه أجمل قصة حب في العالم ثم كللنا حبنا الكبير بالزواج”. فسألتها ملحا على نفس الموضوع: “ولكن كارلو رجل مسن وغير وسيم في حين أنك ملكة جمال وتعبقين بالأنوثة التي يستحيل على أجمل وأغنى وأشهر شاب أن يقاومها. فأنت تساوين عشرة من جينا لولو بريجيدا على عشرين من بريجيت باردو على خمسين غواصة أمريكية على مائة قمر صناعي سوفياتي.. إنك القمر نفسه، فهل يعقل أن كل هذا الجمال الأخاذ لرجل له شكل ومقاييس وعمر كارلو بونتي؟” فعادت صوفيا لتضحك وتضحك من كل قلبها ثم قالت: “أنا أعلم حق العلم بأن كل رجال العالم الذين شاهدوني قد عشقوا شكلي وشخصيتي، ولكن القلب له أحكامه وقلبي اختار كارلو. ولم أندم على هذا الاختيار لأنني أسعد زوجة في العالم مع زوج يحبني ويحميني ويحرص على مشاعري”. وفجأة أخذت تتمعن فيّ ثم قالت لي: “لم أنتبه إلى تشابه أسمائنا أنا وأنت فاسمك رمزي صوفيا وأنا صوفيا لورين” ثم قالت لي ضاحكة: “هل يمكن أن تكون قريبي دون علم مني؟” فقلت لها: “لو كان هذا الأمر حقيقة لكنت أسعد قريب في العالم” وواصلت تَمعُّنها فيّ وقالت: “لاحظتُ منذ بداية جلستنا بأنك تتمتع بشكل نجم سينمائي، فلماذا لا تجرب حظك في الفن السابع؟” أجبتها: “لقد حدث هذا في مصر، حيث اقترحوا علي التمثيل فجربت حظي ولكني لم أنجح كممثل فاقتنعت بأن نجاحي هو في المجال الذي عشقته ألا وهو الصحافة وليس أمام الكاميرا”. وسألتها مجددا: “مازلت غير مقتنع بإمكانية ارتياح فاتنة مثلك للزواج من رجل عجوز ومتزوج وأب لعدة أطفال، حتى أن زوجة كارلو بونتي وصفتك بأنك سارقة أزواج، كما قالت عنك بأنك عاشرت النجم الأمريكي غاري غرانت بعد أن مثلت معه، كما ربطتك علاقة حب مع الممثل المصري عمر الشريف” وهنا تطاير الشرر من عينيها وقالت: “أولا أنا لم أسرق كارلو من تلك المرأة لأن الطلاق كان قد فرق بينهما قبل زواجي منه، وأنت تعلم بدون شك بأن زوجي هو كاثوليكي والديانة الكاثوليكية تحرم التعدد في الزواج. أما قصة الممثل غاري غرانت فإنه عشقني حتى الجنون، وهذا يهمه هو ولا يهمني أنا، حيث رفضت دعواته المتكررة لي ولكنه كان يلاحقني متوسلا وعارضا علي كل شيء مقابل الاستجابة لحبه الجنوني لي، حتى وصل به الأمر إلى إدمان الحبوب المهدئة. وعندما عزمت على مغادرة هوليوود عائدة نحو بلدي إيطاليا حاول الحصول على عنواني بإيطاليا فقطعت عليه كل ما تبقى له من أمل في الفوز بقلبي عندما قلت له بالحرف: “لقد كان عليك أن تفهم منذ البداية بأنني امرأة متزوجة وأم لأجمل طفل في العالم، أنا أحب زوجي وهو الرجل الوحيد في حياتي فلا مكان لك ولا لغيرك في قلبي. وحبي لزوجي مدعم بإخلاص متبادل بيني وبينه. أما حكاية عمر الشريف فهي طويلة وطويلة جدا ولكن أرجوك ألا تفهمني غلط. فهو قمة في الأدب والرقي وقد شاركني في بطولة فيلم “سقوط الإمبراطورية الرومانية”، وفيلم “أكثر من معجزة” وكلاهما جمعا بيني وبينه في مشاهد ساخنة أثارت غيرة زوجته الفنانة فاتن حمامة”. ثم سألتها: “لدي موضوع خاص بك: هل حقا أنت ابنة غير شرعية؟” فقالت لي بكل ثقة: “نعم. لقد جئت لهذه الحياة نتيجة علاقة حب غير شرعية بين والدتي عازفة البيانو روميلدا فيلاني وبين حبيبها ريكاردو سيكلوني الذي رفض الزواج منها رغم إنجابها منه لطفلتين هما أنا وشقيقتي ماريا. وعندما وُلدت في 20 شتنبر 1934 في مدينة روما تم نسبي إلى زوج والدتي فيلاني سكيتشلوني” وسألتها: “وكيف كانت طفولتك؟” قالت: “كانت طفولة بئيسة حيث كانت أسرتي فقيرة جدا، مما اضطرنا في ظل الحرب العالمية الثانية إلى الانتقال لبيت جدتي حتى تنفق علينا. وفتحت حانة كانت والدتي تعزف فيها على آلة البيانو كل ليلة بينما كنت أغني للزبناء وأنا طفلة صغيرة. ولكن القدر ابتسم لي بعد ذلك بسنوات قليلة، حيث شاركت في مسابقة جمال، وأنا في سن الرابعة عشرة، وتأهلت للنهائي مع أخريات، ورغم أنني لم أحصل على اللقب، إلا أني لفتت انتباه منتج الأفلام كارلو بونتي، الذي يكبرني بـ22 عاما، وقرر الزواج مني فور انفصاله عن زوجته الأولى في سنة 1966”. ثم صمتت قليلا واستأنفت كلامها ضاحكة: “ألم تشبع بعد من استجوابي، لقد عرفت كل شيء عني” فقلت لها: “ومع ذلك مازال سؤال كبير يلح علي: هل حقا لم تعشقِ في حياتك رجلا سوى زوجك كارلو بونتي؟” فانتفضت قائلة لي: “أريدك أن تكتب بالحرف بأنني ما أحببت ولن أحب سوى زوجي، وحتى عندما أذوب في لقطات فيلم من أفلامي بين أحضان ممثل فائق الوسامة ومفتول العضلات فإن نفسي تعافه وأستحضر جسد زوجي وحده. وسأظل وفية لحب كارلو حتى يفرقنا الموت”.

وفعلا عاشت الغادة الإيطالية الحسناء وفية مخلصة لزوجها طيلة 50 سنة من الزواج حتى رحل الزوج سعيد الحظ عن هذا العالم.

 

 

error: Content is protected !!