في الأكشاك هذا الأسبوع
شعيب الدكالي

أبو شعيب الدكالي الصديقي: العالم المغربي الذي عايش خمسة ملوك ووصل إلى الإمامة في الحرم المكي

 

       كثير من المغاربة لا يعرفون من “شعيب الدكالي” سوى اسمه المعلق على أبواب بعض المؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء المغرب، فمن يكون هذا العالم الذي يوصف أيضا “بشيخ الإسلام” والذي “قدمه علمه ليكون إماما للحرمين، ومفتيا لأهله وللوافدين على الحرم وفق المذاهب الأربعة”، “المصدر: كتاب الدكتور أحمد كافي/ الشيخ أبو شعيب الدكالي”.

هو الشيخ أبو شعيب بن عبد الرحمان الدكالي الصديقي، المحدث الشهير، والعالم الكبير، آخر حفاظ المغرب ومحدثيه، المحدث المفسر، “آخر من رأينا على طريق الحفاظ المتقدمين، الذين بلغنا وصفهم ولولا أني رأيته، رحمه الله، يملي لدخلني الشكل في وصفهم”، “المصدر: إتحاف المطالع”.

——————————————-

       ولد الشيخ أبو شعيب الدكالي عام 1878 في عهد السلطان مولاي الحسن الأول، ومنذ سنواته الأولى كان له حضور على جانب السلطان، وجاء في كتاب “شيخ الإسلام أبي شعيب الدكالي” لمؤلفه محمد رياض أن الدكالي كان يبلغ من العمر 16 سنة عندما التحق المولى الحسن الأول بالرفيق الأعلى عام 1894 ميلادية، وأنه بقي يتلقى العلم ويحفظ المتون إلى سنة 1314 هجرية، وهي السنة التي سيغادر فيها إلى أرض الكنانة.

“وبمقابلة التواريخ يكون الشيخ قد أدرك بداية عهد المولى عبد العزيز، رحمه الله، والشيخ في عنفوان شبابه، وطلبه للعلم والشغف بشؤونه وشجونه، ومن سنة 1314 هجرية، إلى سنة 1325 ميلادية، وهي مدة تقرب من 10 سنوات كانت تمثل هجرة الشيخ أبي شعيب إلى المشرق، بما فيها مصر وأرض الحجاز، وفي رجوع الشيخ إلى المغرب عام 1325 هجرية، وهي السنة التي صادف فيها تولي المولى عبد الحفيظ الملك، وهو الملك العالم الذي أوعز للشيخ بالمجيء من أرض الحجاز إلى بلده المغرب في لقاء خاص به عند قيامه بمناسك الحج، وفي هذا العهد تولى القضاء بمدينة مراكش عام 1329هـ”، المصدر نفسه.

وفي عهد المولى يوسف، تولى الشيخ وزارة العدل والمعارف، عام 1912، وهو العام الذي فرضت فيه الحماية الاستعمارية على المغرب، وبقي في هذا المنصب مدة 12 عاما إلى أن تمت مبايعة محمد الخامس سلطانا للمغرب(..) ويقول الدكتور محمد رياض، صاحب كتاب “شيخ الإسلام أبو شعيب الدكالي(..)” إن الراحل أسندت له مهمة رئاسة الدروس العلمية السلطانية في عهد المولى حفيظ والمولى يوسف، ومحمد الخامس وبقي على هذه الحال إلى أن توفي سنة 1937 ميلادية.

——————————————————-

 الفتنة الكبرى في المغرب والشيخ في مصر

يؤكد محمد رياض بأن انتقال السلطان المولى عبد العزيز من مراكش إلى فاس عام 1319 هجرية، نجمت عنه حوادث وفتن(..) لكنها لم تكن تصل إلى السلطان بدافع التمويه والكتمان، من الذين يفترض فيهم الثقة والأمان(..) “فقد كان احتلال فرنسا لمدينة الدار البيضاء ناجما عن فوضى عارمة قام بها جماعة من أهالي الدار البيضاء بعرقلة ممر القطار بوضع الأحجار والأعواد، مما نتج عنه انقلاب وانكسار القطار، ومات بذلك تسعة من العمال الأجانب فضلا عن النهب والقتل الذي أحدثوه داخل البلد وفي الديار والأسواق(..) فتدخلت فرنسا بمدافعها وبواخرها الحربية واقتحمت باب المرسى، وقد ترتب عن ذلك عدد كبير من القتلى في صفوف الأهالي، مع توطيد أركان الحماية والاحتلال لهذه المدينة المجاهدة”.

في ظل هذه الأجواء يطرح السؤال عن مكان الشيخ شعيب الدكالي، لتجيب الكتب التاريخية بأنه غادر البلاد إلى مصر وقتها عندما كان الوزير “باحماد” يحكم قبضته على الحكم، وقتها كان الشيخ غارقا في التحصيل العلمي ولم يعد إلى وطنه إلا في عهد المولى حفيظ، ورغم ذلك كانت الفتنة مازالت قائمة.

—————————————————————

المولى عبد الحفيظ يطلب عودة الشيخ إلى المغرب

لم تكن الأجواء هادئة في ظل حكم مولاي عبد الحفيظ، “ولد عام 1863″، فقد كان عليه أولا مواجهة ثورة “الجيلالي الزرهوني” وهو المعروف عند المغاربة بـ”بوحمارة”، والذي كان ينجح في مساعيه الثورية(..) ولعل أكبر دليل على حدة ثورته هو كلفة القضاء عليه والتي كانت كبيرة إلى درجة أنها مهدت لدخول الحماية.

في هذا الوقت كان المغرب مهددا بالقلاقل، حسب ما يحكيه الدكتور محمد رياض، فقد كانت هناك ثورات متعددة منها ما يرتبط بمنازعة السلطان المولى عبد الحفيظ، كخروج أخيه زين العابدين عليه، أو حركة الريسوني، وثورة الشريف أمزيان في الشمال(..) في ظل هذه الظروف كان المولى عبد الحفيظ هو السلطان الذي شجع على عودة “شعيب الدكالي” إلى المغرب، بل إنه سارع إلى إكرام وفادته فور عودته إلى المغرب.

————————————————-

 بين السلطان مولاي يوسف ومحمد الخامس

في عهد السلطان مولاي يوسف تولى شعيب الدكالي مهمة وزير العدل، “فقام بإصلاحات مهمة في سلك القضاء وفي تنظيم البرنامج الدراسي لجامعة القرويين، فأحدث بفضل مجالس العلم ثورة غير مسبوقة في المغرب، فتتلمذ على يده كبار رجال الحركة الوطنية(..) رغم أن عهد مولاي يوسف لم يكن هو الآخر عهدا سلميا فقد مر هو الآخر بلحظات حرجة ليس أقلها ثورة عبد الكريم الخطابي، وصدور الجزء الأول من الظهير البربري الذي ستصدر بعض النصوص المنظمة له في عهد السلطان محمد الخامس فيما بعد.

هكذا بات للشيخ شعيب الدكالي مكانة مرموقة قرب الحاكم، بلغت أوجها مع وصول السلطان محمد الخامس إلى الحكم، حيث كان الشيخ هو الذي أشار على والده مولاي يوسف بتوليه “محمد الخامس” عرش المغرب رغم صغر سنه(..)، فنتج عن هذه العلاقة أن شعيب الدكالي نال كل الألقاب في هذا العهد، فضلا عن ترأسه للدروس السلطانية.

—————————————–

 شعيب الدكالي في مكة المكرمة

تتحدث مصادر تاريخية كثيرة عن المدة التي قضاها الشيخ أبو شعيب الدكالي في مصر(..) لكن كتابات قليلة هي التي سلطت الضوء على المدة التي قضاها في “مكة المكرمة”، وتؤكد بعض المصادر أن الشيخ رحل إلى مكة بناء على طلب من والي مكة “الرفيق عون” لأنهم كانوا يريدون إماما ومفتيا وخطيبا للحرم المكي(..) وقتها نجح شعيب في مباراة الولوج التي تم تنظيمها بالمناسبة وكان ينجح فيها بتفوق عدة مرات، رغم إعادتها.

في أرض الحرمين كان شعيب الدكالي إماما أجاز الكثير من طلبة العلم وأجازه كثير من العلماء، وكان يفتي في المذاهب الأربعة وكانت له حظوة عند أمير مكة، ولكن مساره في السعودية انتهى بعودته إلى المغرب، بطلب من المولى عبد الحفيظ، رفقة زوجته وأبنائه، علما أنه تزوج من إحدى بنات أكبر العائلات هناك، وأحفادها هم الذين يطالبون اليوم بنصيبهم من تركة جدتهم في البقاع القريبة من الحرم المكي(..) وحده التاريخ يشهده على عظمة هذا العالم الذي تتلمذ على يده كل من العلامة المختار السوسي والفقيه علال الفاسي(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!