في الأكشاك هذا الأسبوع
محمد المعتصم المستشار الملكي

ما هي خلفيات إبعاد المستشار الملكي المعتصم عن دائرة القرار؟

بقلم سعيد الريحاني:

يقول الملك الراحل الحسن الثاني: “بعض الناس يؤاخذونني بكوني الرجل الذي يريد أن يقوم بكل شيء وينظم كل شيء، وهذا غير صحيح، إن الذي يقول هذا لا يفرق بين الرغبة في الاحتكار، وبين ممارسة السلطة، إن طبعي ميال إلى ممارسة السلطة دون أن أكون ديكتاتوريا، إني أحب أن تكون الأمور متقنة، وأن تنجز في وقتها وخلاصة ما انتهيت إليه في تحليلي هو أن كل قرن يشهد مشكلا كبيرا واحدا، في حين يشهد القرن الذي نعيشه دفعة واحدة العديد من المشاكل الاجتماعية والصحية والصناعية، أو مشاكل مرتبطة باللامركزية أو بالفلاحة، إنه لا يخطر على البال أن يتولى إنسان بمفرده القيام بعمل جوقة بأسرها ويوفق في عمله، لذا أود في كثير من الأحيان أن أفوض جزءا من مسؤولياتي، لكن يجب أن أقول إنني لم ألقَ دائما حسن الاعتراف بما أفعل، كما أنني لم أحسن الاختيار في بعض حالات التفويض”، وعندما سأله الصحفي “إيريك لوران”: “هل كانت نسبة الاختيار غير الموفق أكثر من غيرها؟”، أجابه الحسن الثاني: “على العموم أسأنا الاختيار بمعدل ستين في المئة، ووفقنا في الاختيار بمعدل أربعين في المئة” (المصدر: كتاب ذاكرة ملك).

حسن أوريد :"القصر هو الموقع المخيف الذي لا يسمح للضوء بأن يتسرب إلى داخله"

حسن أوريد :”القصر هو الموقع المخيف الذي لا يسمح للضوء بأن يتسرب إلى داخله”

قد يبدو غريبا هذا الرقم الذي يعلنه الحسن الثاني عن نسبة الخطإ في الاختيار، والتي تصل إلى عتبة مقلقة هي نسبة 60 في المئة، بمعنى أن نسبة 40 في المئة فقط من المحيطين بالحسن الثاني الذي يبسط سيطرته على كل شيء يمكن الوثوق بهم، وقد لا يستطيع أحد تقديم جواب حاسم حول ما إذا كانت هذه النسبة في ارتفاع مطرد أم في تناقص مع وصول الملك محمد السادس إلى الحكم.

في زمن الحسن الثاني، في زمن نسبة 40 في المئة كان للملك عدد كبير من المستشارين المهيمنين، والذين تأخذ آراؤهم بعين الاعتبار، كان هناك أحمد بنسودة، الذي وكلت إليه مهمة اختطاف الصحراوي سعيد الجماني من لاس بالماس(..) وكان هناك عبد اللطيف الفيلالي وإدريس السلاوي، وهما المستشاران اللذان استشار معهما الحسن الثاني قبل استقدام عبد الرحمن اليوسفي ليتربع على كرسي الوزارة الأولى.

في زمن الحسن الثاني، كان لكل مستشار حكايته وملفاته(..) فقد كان المستشار الحاج محمد باحنيني رمزا للعائلة في خدمة السلطان، علما أن أصحاب التاريخ القريب، يؤكدون على ضرورة الفصل بين الحاج محمد باحنيني الذي سقط صريعا في انقلاب الصخيرات، وبين شقيقه محمد با حنيني أستاذ الحسن الثاني الذي وصل إلى مرتبة مستشار بفضل الثقة التي راكمها، وهو يتدرج مناصب المسؤولية، كما يمكن الحديث عن محمد عواد المستشار الذي أنقذ ولي العهد (الملك محمد السادس)، كان هناك المستشار علال السي ناصر الذي يقدس اللغة العربية والبحث العلمي، إلى جانب المستشار المثير للجدل أحمد رضى اكديرة، صاحب مشروع جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية التي أفشلها القطب الحركي المحجوبي أحرضان.

كل هؤلاء المستشارين ليسوا سوى عينة، فمن من الزمن الحالي لا يتذكر المستشار الهادئ، مزيان بلفقيه، الذي كان بمثابة عميد للمستشارين في بداية عهد الملك محمد السادس قبل أن توافيه المنية، من منا لا يتذكر المستشار الملكي عبد الهادي بوطالب الذي اتهم ذات يوم بتسريب الأخبار لجريدة “الأسبوع الصحفي”.

وكان الراحل بوطالب قد كشف من خلال كتابه “نصف قرن من السياسة” عن جانب من دسائس القصور التي تستعمل فيها قصاصات الأخبار التي تنشرها الجرائد، فقد حكى عبد الهادي بوطالب أنه كان سيصبح وزيرا أولا ذات مرة، ولكن الحسن الثاني تراجع عن رأيه بعدما نشرت جريدة “الأسبوع الصحفي” خبرا عن ذلك، وأصبح يتعامل مع مستشاره بوطالب ببرود شديد.. لم يفهم بوطالب وقتها السبب، ولكن ورد عليه من أخبره أن وزير الداخلية إدريس البصري حمل إلى جلالة الملك عدد “الأسبوع الصحفي” الذي نشر فيه خبر قرار تعيينه وزيرا أولا، وحتى يعطي لمقلبه طابعا منطقيا حمل معه صورة شمسية لقرار تعيين المدير المسؤول عن جريدة “الأسبوع الصحفي”، ملحقا صحفيا بديوانه عندما كان بوطالب وزيرا للدولة في الإعلام (تفاصيل أكثر في الأسبوع، عدد 15 دجنبر 2011).

لكل زمن رجاله، وللقصر في كل زمن رجاله ونساؤه، فإذا كانت المستشارة زليخة نصري مثلا قد احتلت مكان المستشار الراحل مزيان بلفقيه في ما يخص بعض الملفات التي كانت مسندة إليه، لدرجة أنها أصبحت توصف بالمرأة القوية داخل القصر، بخلاف مستشارين ملكيين آخرين، مثل المستشار عباس الجيراري الذي لم يعد يسمع له صوت باستثناء حضوره الشخصي في برامج ثقافية في بعض المدن، “فلا أحد يسمع أي شيء يذكر عن هذا المستشار المكلف بمهمة في الديوان الملكي منذ سنة 2000 إلا عندما يتعلق الأمر بحفلة تكريم، أو إطلاق نداء معين لا علاقة له بالساحة السياسية.. ساعة رحيل الجيراري دقت منذ مدة طويلة، لا سيما أن الوافدون الجدد على مجال الاستشارة لا تربطهم أية صلة مع التعليم الأصيل الذي يعتبر الجيراري أحد خرجيه.. كيف سيتحدث الجيراري مثلا مع المستشار ياسر الزناكي القادم من لندن بنظرة عصرية للحياة، وكيف يمكن للجيراري أن يتبادل الأفكار مع فؤاد عالي الهمة، صاحب المبادرة السياسية (..) الجيراري نموذج لنسخة قديمة من المستشارين الملكيين، وذلك واضح من خلال المهمة المنوطة به كمستشار مكلف بالشؤون الدينية والثقافية، فما هو الدور الذي سيقوم به هذا المستشار في ظل وجود وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المحسوبة على وزارات السيادة (المصدر: أرشيف جريدة الأسبوع).

طبعا حالة الجيراري باعتباره مستشارا لا يستشار(..) لا يمكن أن تصل إلى المستوى الذي وصلت إليه قضية المستشار الملكي محمد المعتصم، صاحب الوضعية المعلقة، الذي لم يعد تظهر أخباره إلا بارتباطها بأزمات صحية يجتازها، فطيلة السنتين الأخيرتين لم تكتب وسائل الإعلام عنه إلا بعض المواد المختصرة والتي تحمل عناوين من قبيل: “نقل المستشار الملكي محمد المعتصم إلى مصحة خاصة”، و”المعتصم سبق وأن أدخل المستشفى في مناسبات عديدة، إثر إصابته بانهيارات عصبية متتالية..”، وتقول جل المصادر الإعلامية إن “المرض هو الذي أبعد المعتصم عن الأنشطة الرسمية للمملكة”.

لنتأمل الفقرة التالية وهي مقتطف من خبر تم تداوله على نطاق واسع وفي عدة مواقع إلكترونية، لم يكذبها أحد: “عُلِم من مصادر مطلعة، أن السيد محمد معتصم مستشار الملك محمد السادس، قد نقل قبل أيام إلى مصحة خاصة إثر وعكة صحية أصابته، على خلفية انهيار عصبي حاد.. حري بالذكر أن معتصم، سبق أن أدخل المستشفى في مناسبات عديدة، إثر إصابته بانهيارات عصبية متتالية، قيل إنها قد دفعت به إلى حد محاولة الانتحار في مناسبتين” (المصدر: هبة بريس، بتاريخ 13 يوليوز 2014).

التفسير العملي لإبعاد المستشار المعتصم هو المرض إذن، لكن هل كان المرض سببا في الإبعاد عن مهمة الاستشارة الملكية، أم أن الإبعاد عن المنصب هو الذي تسبب في المرض؟ الجواب عند المعتصم وأصحابه، ويقال إن تعيين عبد اللطيف المنوني مستشارا هو الذي عمق أزمة المعتصم، “فبقدر ما تحركت أسهمه مع تكليفه من طرف الملك محمد السادس، بترؤس الآلية السياسية للتتبع والتشاور وتبادل الرأي حول مراجعة الدستور، بقدر ما عادت إلى الركود بعد تعيين عبد اللطيف المنوني مستشارا ملكيا في الأيام الأخيرة حتى أن البعض بات يتساءل عن الدور الذي سيقوم به المعتصم بوصفه مختصا في القانون الدستوري مع وجود الفقيه الدستوري المنوني”.

انظروا لمكر الزمان: المستشار المعتصم، الجالس في بيته على الأرجح، هو أحد المستشارين الذين ورثهم الملك محمد السادس عن والده الحسن الثاني ويتولى مهمة مستشار منذ سنة 1999 وهو أستاذ جامعي بكليتي الحقوق في الدار البيضاء والرباط، وهو مؤسس الجمعية المغربية للعلاقات الدولية، وله مؤلفات كثيرة منها النظام السياسي المغربي والحياة السياسية المغربية”، لكنه مع ذلك لم يستطع الصمود في وجه زوابع المحيط(..) وأي مكافأة هاته التي حصل عليها الرجل الذي قام بدور بطولي في إقناع النقابات والأحزاب بتبني دستور 2011.

ومازال الرأي العام يتتبع بكثير من التعاطف حالات بعض المستشارين الملكيين والمقربين الذين لم تصدر عن أي واحد منهم بوادر لا الطغيان ولا استغلال النفوذ(..) بل فيهم الكثير من الشخصيات التي تحل العديد من المشاكل ذات الطابع السياسي والاجتماعي، حيث إن بعض الناس يتفاءلون من خلال إطلالة وجوه بعضهم بسبب انعدام تجهمهم، كما هو الشأن بالنسبة لرشدي الشرايبي الذي يظهر ويختفي ويقولون إنه جالس في منزله، ويتم تحضيره لمنصب آخر، وحسن أوريد الذي تم إبعاده عن القصر بمبرر تعيينه واليا على مكناس سنة 2005.

“لن ينسى أساتذة القانون الإداري ومعهم المهتمون بالشؤون الجهوية تلك التنقيلات التي أجراها الملك محمد السادس في سلك الولاة والعمال في شهر يونيو من سنة 2005، والسبب هو أن الرياح (بغض النظر عن وجهة السفن) أخرجت معها كلا من الناطق الرسمي باسم القصر الملكي حسن أوريد والمستشار الملكي محمد القباج، فقد تم تعيين الأول واليا على مكناس بينما تم تعيين الثاني واليا على جهة الدار البيضاء الكبرى.. والحالة العادية هي أن القصر هو الذي يستقدم بعض الشخصيات ويقربها من دائرة القرار وليس العكس.. وتبقى حالة المستشار المثقف حسن أوريد حالة مستعصية على الفهم لدى الكثيرين، فالرجل واحد من زملاء دراسة الملك، لكن علاقته بالقصر لا يمكن فهمها على حقيقتها ما دامت بلاغات القصر لا تحمل أي توضيح، ليبقى وفيا لاسمه وهو “الطائر” (مرادف كلمة أوريد).

ندري أزلاي

ندري أزلاي

ويمكن الحديث في إطار المستشارين الذين تم إبعادهم عن المستشار “أندري أزلاي” الذي يغطي حضوره الثقافي في الأنشطة الخاصة على غيابه عن الأنشطة الرسمية، رغم أنه يعتبر من قيدومي المستشارين الذين اشتغلوا إلى جانب الحسن الثاني، وهو رجل “مصرفي” ارتبط وجوده في القصر بالشؤون المالية، لكن جل المؤشرات تؤكد أن الملف الاقتصادي سحب من تحت يديه، وقد يكون ذلك لحساب المستشار الشاب الزناكي، كما حصل مع المستشار المعتصم الذي سحب منه ملف “العدل” وأعطي للهمة(..).

دسائس القصور كثيرة ومعروفة على مر الزمان، ولكن الحرب الطاحنة بين المقربين من الملك تقتضي التأمل في الوضع الراهن واستخلاص العبر، لتحقيق نسبة عالية من الموثوق بهم قرب الملك محمد السادس وليس نسبة 40 في المئة فقط كما حددها الحسن الثاني، رغم أن المستشار السابق حسن أوريد كتب بعد سنوات من الاشتغال في الديوان الملكي في كتاب “لتكوا” بأن “القصر هو الموقع المخيف الذي لا يسمح للضوء بأن يتسرب إلى داخله”.

فؤاد عالي الهمة رفقة الملك محمد السادس في سيارته

فؤاد عالي الهمة رفقة الملك محمد السادس في سيارته

لكل مستشار ملكي مساره ومصيره الخاص، لكن هناك شبه إجماع على الوضع المتقدم لمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة وقد تكلفت المواقع الإخبارية بنشر صورته خلال شهر رمضان رفقة الملك محمد السادس في سيارته، مما يؤكد أنه مازال يحظى بالرضى، لكن قصة المستشار الملكي السابق الذي كتب “سيرة حمار”، وهي رواية ذات نفحة سياسية تستحق التأمل، فقد كتب حسن أوريد وهو الخارج من القصر، وربما يعود إليه ما يلي في رواية الأجمة: “إن الأسد إزم أخذ يفاتح أزوال الحوان الذي يمشي على قدمين في شؤون الأجمة (الغابة) ويشركه مشاغله، فالكلاب هرمت، والدجاج تستغل المخزن لقضاء أغراضها، والذئاب رغم ذكائها ومهارتها إلا أنها لا تؤتمن، فهي لا تعتبر نفسها الأحق بتسيير الأجمة، والخراف رغم عددها فهي لا تصلح لإدارة المخزن، ولا هي ذات خبرة، والكلاب والذئاب لن تقبل بها قيمة على المخزن.. أما الحمائم حالمة رغم سعة اطلاعها، وأما الأرنب فلاهية”.

 

 

 

 

error: Content is protected !!