في الأكشاك هذا الأسبوع
رجل اما الكومبيوتر

المنبر الحر | ما دير جيم ما يطرا باس

تأبط أيباده وانزوى إلى ذلك الركن في المنزل حيث تغطية الويفي أكثر قوة وسرعة، مد رجليه فوق “السداري” وجعل يتفقد الجيمات والتعاليق غير عابئ بضجيج الأطفال الذي كان في السابق يزعجه، الانغماس في اللوح الإلكتروني له مفعول الإيبنوز أو التنويم المغناطيسي، يتعطل السمع والشم و تتعطل جل الحواس إلا حاسة التربص والتجسس، يتيه الواحد في البحر الأزرق وهو يناديه نحو الأعمق، تتقاذفه أمواج من  السكوپات والممنوعات والأخبار العاجلة الطرية، طراوة  لا تتعدى  تاريخ الاستهلاك المحدود في الزمن، سويعات قليلة يصبح بعدها الخبر پيريمي.

عدد المتفاعلين قليل!! الرقم لم يصل إلى المستوى الذي توقعه أسوأ المتفائلين.. ربما تسرع الرئيس في تفعيل حسابه الفيسبوكي، فريق في فريق العمل يخفي حسرته بصعوبة، ليس كل الفريق طبعا؛ هذا هو حال فرق العمل في جميع الميادين، الفريق مهما صغر فهو دائما قابل للانشطار إلى تيارات وقوى كل واحدة بمصالح تتضارب كليا ولا تتقاطع إلا نادرا.

لقد كان الرئيس يشنف الأسماع دائما بأنه “ماعندوش مع فيسبوك” حتى وهو يتفاخر أحيانا بتفوق كتيبته الافتراضية على كتائب المعارضة في شتى المعارك، معارك تترك ساحة الوغى لتنشط في ساحة تفريق اللّغى، من واقعة “ممادو ديالو” إلى خطبة “السفاهة” مرورا بمنع الأفلام وتأجير الأقلام للحديث عن الانفصال والتحكم وما إلى هنالك من هذا الكلام، تنافست التدوينات، كل يدلي بدلوه، لا قول يخضع للحساب نال أو لم ينل الإعجاب ما لم يؤشر صاحب العلامة الزرقاء نفسه على الحساب.

الفريق الآخر في فريق العمل والذي كان يدعو إلى التريث قبل طرح حساب خاص بالرئيس ذو الشعبية الكبيرة، يخبر جيدا ظاهرة هذا الفضاء الأزرق وآلياته، أو بالأحرى لا آلياته، التفاعل لا منطق له، والشهرة فيه لها موازينها الخاصة! عطسة المغني الساخط أو مغنية الكلام الساقط في تغريدة قد تتبعها الآلاف التشميتات والجيمات وكأنهم أنزلوا مطرا، في حين تظل كتابات الرؤساء و”العظماء” رهينة تعليقات عقيمة نصفها إشهارات للتبضع والنصف الآخر دعوات للتتبع وللتبرع.

الرئيس لا يعي هذا المنطق، تلزمه سنوات من الخبرة والجلوس والترقب والتريث خلف الشاشة، الرئيس الذي لم يكن يسمع من حوارييه سوى “منور يا باشا”، سيتوقف لا محالة كثيرا عند ثنائية الشهرة الحقيقية والشهرة الافتراضية، سيضرب ألف حساب قبل أن يخرج بتصريح أو كلمة، سيحاول أن يقتفي أثر البارزين المؤثرين ولكنه سيتراجع عندما يجد أن معاركهم يلزمها نفس طويل، سيقوم بمحاولات كثيرة قبل أن يستكين ويراقب عن بعد تماما كما يراقب آلاف المثقفين والسياسيين ورجال الأعمال ممن أسكتهم هذا الفضاء قبله.

إذا كان للشعر والخطابة لغة، وهي لغة الضاد فإن لهذا الفضاء لغة الجيم، لغة لا تكتب وليس لها حروف كباقي اللغات، لغة تنقر فقط تاركة نتوءا في ذاكرة كل مزهو بنفسه، تعيده إلى حجمه الحقيقي في حقل الكلمة والحجة والبيان بدل التغول في حقول التشكيك والسفسطة والبنان. لغة بسيطة ولكنها عصية على فهم صاحبنا الذي ضيع الاستغفار بعد ساعات من الإبحار قبل أن يقفل أيباده وينهض متمتما: “ما دير جيم ما يطرا باس”.

 

الحسين العيساتي 

 

 

error: Content is protected !!