في الأكشاك هذا الأسبوع
خيرات قال سنة 2009 إن ثلث البرلمانيين تجار حشيش.. فكم يبلغ عددهم سنة 2015 ومن هم؟

ملف الاسبوع | الاختيار بين دولة المافيا ودولة المؤسسات عبر امتحان الانتخابات

يمكن للمرء أن يتخيل حمارا يتكلم باسم شريحة معينة في حفل باذخ(..) بل إن الأمر وصل أوجه في المغرب، بعد إعلان مشاركة الحمير في مسيرات ضد الحكومة، لكن هل تخيلتم في حياتكم حمارا برلمانيا، الجواب على لسان برلماني قديم من حزب الاتحاد الاشتراكي: “نعم في البرلمان بعض النواب حمير مجمكين مصمكين”، هكذا تحدث عبد الهادي خيرات سنة 2011، وباستثناء رد محتشم من لدن بعض النواب فإن ممثلي الأمة تقبلوا ما صدر في حقهم، تماما كما تقبلوا وصفهم بالأكباش فيما بعد(..).

الذين يعرفون خيرات يعرفون أن الرجل بلهجته العروبية السطاتية، يمكن أن يقول أي شيء وفي أي وقت بغض النظر عن الزمان أو المكان، لكن التوقف عند أحد تصريحاته يبدو ضروريا، “فقد قال القيادي الاتحادي الذي كان يتحدث عبر القناة الثانية، إن ثلت أو ربع البرلمان من تجار المخدرات.. يخجل المرء من هذا الوضع، كيف يمكن إقناع المغاربة بالمشاركة في الانتخابات، والحالة هاته.. من المؤكد أن الجميع يتحمل المسؤولية لكن الدولة هي المسؤول الأول عن هذا الوضع الذي وصلنا إليه، لماذا لم تمنع تجار المخدرات من الترشح للانتخابات؟” (المصدر: الجريدة الأولى، عدد 30 شتنبر 2009).

 

طريقة تصفية بارون المخدرات النيني.. فكيف سيصفِّ خصوم الانتخابات حساباتهم

طريقة تصفية بارون المخدرات النيني.. فكيف سيصفِّ خصوم الانتخابات حساباتهم

البرلماني نفسه، قال دون أن يحاسبه أحد: “هناك قضايا اتجار في المخدرات تروج في المحاكم وهناك شهود أدلوا بأسماء.. فهل يعقل أنها لا تعرف تجار المخدرات؟ لقد سبق للمرصد الأوروبي للمخدرات أن أصدر تقريرا يتضمن قائمة بأسماء تجار المخدرات وتدخل المغفور له الحسن الثاني ومنع هؤلاء من الترشح للانتخابات، فلماذا لا يمنعون اليوم؟ ثمن الأصوات خلال انتخابات المجالس البلدية بلغ 6000 درهم، في جهة سطات ومناطق أخرى بلغ 10.000 درهم، أما انتخابات الغرف فقد بلغ ما بين 20 و25 مليون للصوت الواحد، والدولة تعرف ذلك جيدا وبالتفاصيل، فلماذا السكوت عن هذا الوضع”؟ (المصدر نفسه).

يرجع الكلام الوارد في ما سبق إلى سنة 2009، ليطرح السؤال إذا كان عدد من البرلمانيين تجار الحشيش سنة 2009 يناهز الثلث، فكم عددهم اليوم؟ كم سيكون عددهم والجميع يتابع هذا التحمس المنقطع النظير، لتقنين زراعة الحشيش أكثر من أي وقت مضى، وهي الدعوة التي يتبناها رسميا حزبان هما: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال.

قد يقول قائل إن حزب الأصالة والمعاصرة بتبنيه لتقنين زراعة الحشيش، فهو يتبنى موقفا كان يتبناه المؤسس فؤاد علي الهمة، أليس الهمة هو من خطب في الجماهير الكتامية (نسبة إلى كتامة) يوم 17 ماي 2009، ليدافع عن زراعة الحشيش باعتبارها زراعة معروفة منذ القدم، “وقتها أعلن عن تنظيم أيام وطنية لمصالحة سكان المنطقة، مع السلطات في ما يخص المتابعات القضائية ضدهم، كما أعلن عن مشاركة كل السلطات فيها سواء الحكومية أو الإدارية، حتى لا يبقى السكان فريسة في أيدي لوبيات المنطقة، حسب ما تداولته القصاصات الإخبارية، التي نسبت إلى الهمة قوله: إن الهاربين خاصهم يهبطو من الجبل ونجلسو معاهم” (الأسبوع، عدد 19 دجنبر 2013).

 

لقاء سابق نظمه حزب الأصالة والمعاصرة في باب برد للاستماع لمزارعي الحشيش

لقاء سابق نظمه حزب الأصالة والمعاصرة في باب برد للاستماع لمزارعي الحشيش

دفاع الهمة عن تقنين زراعة الحشيش مرتبط بسنة 2009، لكن الرجل عاد فيما بعد وأكد بخط يده بأن المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، انحرف عن مساره، فكيف سيدافع هذا الحزب المنحرف في نظر مؤسسه عن موضوع شائك، ألن يساهم الانحراف السياسي في تغذية انحراف من نوع آخر؟(..).

بالنسبة لحزب الاستقلال فموضوع تقنين زراعة الحشيش لا غبار عليه، والفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية لا يمل من طرح الموضوع في البرلمان، بل إن الأمين العام حميد شباط واحد من بين المطالبين بالعفو عن مزارعي الحشيش، حيث يسجل التاريخ أن حميد شباط كان قد وجه للوزير الأول السابق عباس الفاسي رسالة يطلب فيها العفو عن مزارعي الحشيش حتى يتمكنوا من التصويت على دستور 2011، حسب منطقه السياسي.

قد يبدو التداول في موضوع تقنين الحشيش أمرا عاديا طالما أن عدة دول تناقش ذلك، لكن كيف يمكن التأكد من حسن نية البرلمانيين الذين يدافعون عن هذه الزراعة، ما دام هناك لوبيات مستعدة للدفع مقابل تمرير قوانين على المقاس؟ وبمناسبة الحديث عن محاولة العفو عن مزارعي الحشيش، ما الذي يضمن أن العفو سيبقى مقتصرا على المزارعين، وليس الضالعين الكبار في تجارة المخدرات، وهؤلاء مستعدون لشراء البرلمان ككل إذا كان سيعفو عنهم.

603284926

الديب أو أحمد بونقوب

شراء البرلمانيين ليس أمرا مستحيلا، ألم يتهم رئيس فريق حزب العدالة والتنمية ثلاثة نواب برلمانيين بتلقي رشوة قيمتها مليارين من طرف شركة للتبغ، وذلك مقابل تمرير مقترح لخفض الضريبة؟ ألم يقل إن المعنيين بالأمر جالسين في فيلاتهم، مقابل المطالبة في مقترح لهم، بشأن قانون المالية للسنة الماضية، بتخفيض الضريبة على التبغ” (موقع هسبريس، بتاريخ 15 نونبر 2014).

هل كان من الممكن طرح موضوع تقنين زراعة الحشيش في زمن الحسن الثاني؟ هل كان سيتجرأ أحد من البرلمانيين على المطالبة بذلك في زمن إدريس البصري؟ ليست هناك سابقة لذلك، بل العكس هو ما كان يحصل فقد كان وزير الداخلية يعد القوائم، كما يرجون أن حصاد يفعل اليوم، لإبعاد المتورطين في تجارة المخدرات عن الانتخابات، لينضاف ذلك إلى آلية التحكم، التي كانت تفضي في الغالب إلى تزوير الانتخابات.

ولم يمضِ زمن طويل على الحملة التطهيرية لسنة 1996 التي أكدت تفشي المخدرات في دواليب الدولة، عندما أسند الحسن الثاني، لإدريس البصري مهمة التطهير منذ بداية دجنبر سنة 1995، “لأن الملك كان مضطرا لإعطاء صورة أخرى للخارج، لكن مع الأسف تحولت هذه السياسة التخليقية إلى سياسة تهديدية وتحولت وزارة العدل إلى قسم في وزارة الداخلية، وكانت تنفذ الأوامر التي صدرت بحبس المقاولين” يقول عبد الرحيم الحجوجي، الرئيس السابق لنقابة اتحاد مقاولات المغرب.

الحملة السالفة الذكر كانت قد انطلقت في شهر رمضان، وكانت شبيهة بـ”الحملة” فعلا فقد جرفت في طريقها عددا كبيرا من أصحاب المخازن والمتاجر، بل إن قمة التشويق سيبلغها هذا المسلسل الرمضاني عندما سيتم اعتقال مسؤولين كبار، ضمن المدير العام للجمارك، وحماد حكيمي الجاي المدير الذي سبقه، وأحمد حمزة ممثل إدارة الجمارك في اللجنة الوطنية للوقاية من التهريب.. ولما كانت اللجنة متخصصة في محاربة التهريب فقد كان من الطبيعي أن يتم الإعلان بين الفينة والأخرى عن تفكيك شبكات لتهريب المخدرات (الأسبوع، عدد 13 يوليوز 2013).

وتعد الحملة التطهيرية لسنة 1996 إحدى أكبر ضربات الدولة المغربية لقلاع تجار المخدرات، فقد أعلن عن تفكيك ست شبكات، أهمها أربع؛ الشبكة الأولى كان يتزعمها عبد العزيز اليخلوفي، كان قد اعترف بأنه يتزعم شبكة متخصصة في التهريب الدولي للمخدرات، تضم تجارا من جنسيات إسبانية وألمانية وإيطالية وكندية وهولندية.

الشبكة الثانية كان يتزعمها “الياطوط” وتم اعتقاله بعد اكتشاف 533 كيلوغراما من الحشيش مخبأة وسط شحنة من الزرابي (السجاد) كانت موجهة نحو بلجيكا انطلاقا من مطار الرباط – سلا، الشبكة الثالثة كان يتزعما محمد سلامة الملقب بالدرقاوي وتم ضبطها عقب عملية تفتيش عند حاجز أمني على طريق طنجة – تطوان، تم من خلالها ضبط أربع سيارات محملة بـ1390 كيلوغراما من الحشيش، خلال هذه العملية اعترف المقبوض عليهم بعلاقتهم مع شبكة المخدرات التي كان يديرها أحمد بونقوب الملقب بـ”الديب” واسمه الحقيقي أحمد بونقوب، هذه الشبكة اعتبرت في ذلك الوقت أكبر شبكة لتجارة المخدرات.

تصوروا الوسائل التي يجب أن تتوفر عليها الدولة لمحاربة تاجر مخدرات من حجم “حميدو الديب”، وقتها كان يمتلك ثروة هائلة تضم أملاكا وعقارات وسيارات فارهة، كما تم حجز جهاز اتصال لاسلكي تفوق قدرته الجهاز الذي كانت تتوفر عليه وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية.. يعني تاجر مخدرات أغنى من وزارة البريد.

وتكمن خطورة تجار المخدرات في قدرتهم الرهيبة على التحكم من خلال الأموال التي يمتلكونها، بل إنهم قد يفرغون الدولة من محتواها في بعض الحالات(..) ويبقى أكبر مثال على شبهة تسلل أموال المخدرات إلى البرلماني المغربي حالة البرلماني السابق سعيد شعو، المتهم بالاتجار الدولي في المخدرات والقتل، عن حزب العهد الديمقراطي، والذي تم جلبه إلى المغرب من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، من هولندا قبل أن يعود إليها، ويقال اليوم إن السلطات هناك ألقت عليه القبض دون تفاصيل(..).

الغريب في قضية سعيد شعو هو أنه ينتمي لحزب مازال أصحابه يعتبرونه عضوا فيه: “سعيد شعو مازال معنا في الحزب، نعتز بمثل هؤلاء الأشخاص، هو الآن في هولندا يزاول عمله كأي مواطن، هو ليس هاربا، بل جاء ليساعد المواطنين في أعمال اجتماعية لكنه عندما وجد العراقيل فعاد إلى هولندا، إلى حين أن تتضح الأمور.. (تصريح نجيب الوزاني الأمين العام لحزب العهد الديمقراطي، الأسبوع 17 فبراير 2014).

للسياسة طرق معروفة لتدبير الاختلاف وهي: الحوار والتنافس حول تأطير المواطنين، لكن حينما تختلط حسابات المخدرات  بحسابات الانتخابات فإن النتيجة ستكون كارثية حتما، ولمعرفة طرق تدبير الاختلاف عند بارونات المخدرات يمكن تأمل مشهد نهاية أحد أكبر بارونات المخدرات في المغرب، ويتعلق الأمر بمحمد الوزاني المعروف بـ”النيني”، هذا الأخير قتل على أيدي محترفين بطريقة بشعة، أطلقوا عليه النار، وفتتوا جثته بمحرك القارب، حسب ما حكاه الشاهد الوحيد في القضية، دون أن يعلم أحد سر قوة أصحاب القارب الذين دخلوا من سبتة إلى مارينا سمير من أجل تنفيذ جريمة قتل هوليوودية، فكيف سيدبر هؤلاء خلافاتهم الانتخابية إذا دخلوا للانتخابات؟ لاشك في أن تصفية الحسابات ستكون خارج صناديق الاقتراع.

 

 

error: Content is protected !!