في الأكشاك هذا الأسبوع
مظاهرات ضد الاجهاض

المنبر الحر | الإذاعة الوطنية والإجهاض

بقلم: الأستاذ عبد الواحد بنمسعود(من هيئة المحامين بالرباط)

الفقرة الأخيرة من الفصل453  يجب إعادة النظر في صياغتها، ذلك أن تلك الفقرة تمنع على الطبيب القيام بعملية الإجهاض عند عدم وجود الزوج أو عدم الحصول على موافقته إلا بعد الحصول على إذن كتابي من الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم، ويشار في ذلك الإذن إلى كون الحالة الصحية للأم وضرورة المحافظة عليها تستلزم العلاج الذي يقترحه الطبيب، ولكن في الحالة القصوى للاستعجال وتعذر الاتصال بالطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم هل نترك الأم تواجه الموت المحقق هي ومن في رحمها؟ هنا يمكن أن نقترح على الطبيب القيام بتلك العملية وبعدها تجرى خبرة طبية لمعرفة ما إذا كانت العملية وما نتج عنها ضرورية أو غير ضرورية ونطبق القاعدة الشرعية: من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ولا يعاقب الطبيب لحسن نيته ولكونه قدم إحسانا بمحاولة العلاج والمحسن لا يجازى بالعقاب.

يقول الحق سبحانه في كتابه الكريم: “فما اختلفتم فيه من شيء فردوه الله ورسوله”.

فما هو حكم الشرع المطاع بالنسبة لموضوع الإجهاض؟

القاعدة الأساسية جاءت في قوله تعالى: “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” وفي قوله تعالى: “ولا تقتلوا أولادكم خشبة إملاق”.

الآية الثانية تتعلق بالولد، أي الذي خرج من بطن أمه سالما وصرخ وتنفس واستنشق الحياة.

والآية الأولى تتعلق بقتل النفس، فما هو المقصود بالنفس؟ ومتى تزرع النفس فيمن يوجد برحم أمه؟

القرآن الكريم يبين لنا المراحل التي يقطعها من يوجد في رحم أمه، علينا أن نتأمل بتأنٍ في قوله تعالى في سورة المؤمنون (الآية 11) وما بعدها جاء فيها: “ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فجعلنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين”.

وجاء في سورة الأعراف (الآية66 ) قوله تعالى: “هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا”.

جاء في شرح الآية الأولى: ((- (و) الله “لقد خلقنا الإنسان” ثم آدم “من سلالة” هي سلسلت الشيء من الشيء أي استخرجته منه وهو خلاصته” من طين” متعلق بسلالة “ثم جعلناه” أي الإنسان نسل آدم “نطفة” منيا في قرار مكين)) هو الرحم، “ثم خلقنا النطفة علقة” دما جامدا “فجعلنا العلقة مضغة” لحمة قدر ما يمضغ “فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما” وفي قراءة عظما في الموضعين، وخلقتها في المواضع الثلاثة بمعنى صبرنا “ثم أنشأناه خلقا آخر” بنفخ الروح فيه “فتبارك الله أحسن الخالقين” أي المقدرين ومميز أحسن محذوف للعلم به: أي خلقا)).

وجاء في شرح الآية الثانية: “هو الذي خلقكم من تراب” بخلق أبيكن آدم منه “ثم من نطفة” مني “ثم من علقة” دم غليظ “ثم يخرجكم طفلا” بمعنى أطفالا (هذا الشرح مقتبس من كتاب: تفسير الجلالين بهامش القرآن الكريم مذيل بكتاب باب النقول في أسباب النزول للسيوطي، الصفحتان: 342 و475).

هذه هي المراحل التي يقطعها من يوجد في رحم أمه، ففي أي مرحلة يمكن القيام بعملية الإجهاض عند توفر شروطها؟

يجب على العلماء والأطباء المختصين أن يشرحوا لنا المقصود من كل ومرحلة، وما هي المرحلة التي يزرع الله سبحانه فيها النفس، لنحترم تطبيق قوله تعالى: “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” وهل الإجهاض لإنقاذ حياة الأم يدخل في باب الاستثناء أي القتل بالحق أي القتل المشروع؟

نعتقد أن المرحلة التي ينفخ الله سبحانه فيها الروح فيمن يوجد بالرحم، يمنع فيها الإجهاض لأن الحق سبحانه وهب أمانته فلا يجوز لغيره أن يتطاول على تلك الأمانة حتى يستردها صاحبها، وهذا تمشيا مع قوله تعالى: “ثم أنشأناه خلقا آخر بنفخ الروح”.

ثم لابد من شرح الفرق بين النفس وبين الروح، فمن خلال اطلاعنا البسيط وما نشاهده من أشرطة تهتم بالحمل وتشخيصه بواسطة آلة “الصونار” نلاحظ أن النفس تدب فيمن يوجد برحم أمه ويتغذى من طعامها بواسطة الحبل السري، ويظهر التشخيص نبضات القلب، وأصبح من الممكن معرفة نوع الجنين هل ذكر أم أنثى.

ويبقى موضوع الجنين المشوه خاضع للوازع الديني، ولحكم الضمير، ومدى الإيمان بقضاء الله وقدره، وقوله تعالى: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”.

بالنسبة للفقه الجنائي، نكتفي بما ورد في الجزء الثاني من كتاب “القانون الجنائي الخاص” للدكتور أحمد الخمليشي، فقد شرح جريمة الإجهاض ابتداء من الصفحة153  إلى الصفحة169  وتناول بالشرح:

عناصر جريمة الإجهاض من فعل مادي، وانتفاء الخطر عن صحة الأم أو حياتها، والقصد الجنائي، وظروف تشديد العقوبة عند موت المرأة، والاعتياد على ارتكاب هذه الجريمة، والمساعدة في الإجهاض، وحالات عدم العقاب على الإجهاض.

يجب أن نتخذ الاحتياطات، لأن من وراء إثارة هذا الموضوع، إيجاد الوسائل لتبرير ما حرم الشرع، وموقف أمير المؤمنين واضح وعبر عنه بمناسبة إخراج مدونة الأسرة لحيز للوجود حينما قال إنه بصفته أميرا للمؤمنين لا يمكن له أن يحلل حراما أو يحرم حلالا.

هذا موضوع له أهميته، وله جوانب دينية وأخلاقية واجتماعية وعلمية، ويجب ألا يشارك في تعقيداته من ليس لهم علم وممن يجادلون في آيات الله بغير علم ويحق عليهم قوله تعالى:

“ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد”

“ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير”

“وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا” صدق الله العظيم.

كل هذه المعركة حول الإجهاض مندلعة والمتسبب في تأجيج نيرانها غائب عن المسرح.. الفاعل الذي ارتكب الفعل الشنيع، ولا يجد من يخاطبه لا سرا ولا جهرا، نتكلم عن الإجهاض، وعن المرأة وحملها، وعن الطبيب ومسؤولياته، والفاعل الأصلي يرتع ويمرح؟ ويقف موقف المتفرج من معاناة المجتمع من هذه المشكلة العويصة، ولا يشارك في حلها.

لذلك نقترح ألا تتم عملية الإجهاض إلا بعد محاولة إجراء بحث مع المرأة غير المتزوجة الحامل، بواسطة مشرفة اجتماعية مؤتمنة على الأسرار، والتي تحاول معرفة المتسبب في الحمل، وتتصل به وتحاول إقناعه وديا بحل المشكل وإنقاذ من وضعت فيه ثقتها وتسبب في حملها، وإذا كانت هناك دلائل قوية على المعاشرة بين تلك المرأة والرجل ورفض الحل الودي فتجرى للرجل خبرة طبية جينية، وإذا ثبت من تلك الخبرة أن الحمل ينسب لذلك الرجل، عند ذلك وبواسطة تلك الخبرة يرفع الأمر للقضاء ليحكم بإلحاق الحمل لمن تسبب فيه، والتكفل بالحمل وأمه لغاية الوضع، ثم يستمر صاحب الحمل في الإنفاق على ولده وفق الشروط المنصوص عليها في مدونة الأسرة.

والقضاء سيجتهد ويؤكد أن المعاشرة كانت قائمة بين الرجل والمرأة، لكن وقع تأخير في توثيق تلك المعاشرة في صك يقوم مقام عقد الزواج.

أما إذا ثبت أن المرأة تتعاطى للدعارة فستتحمل مسؤولياتها ولن تجرى لها عملية الإجهاض، إلا وفق الشروط المذكورة وبعد تأكيد التوبة أمام من يجب، وقيام شبهة المعاشرة ومن تاب وأصلح فأجره على الله.

نقول هذا ونحن نعلم عقوبة الزانية وعقوبتها حق من حقوق الله ولا تقبل شفاعة في حق من حقوق الله، ولكن ظروف الاختلاط في المجتمعات كيفما كانت ديانتها هي التي تحول دون تطبيق تلك العقوبة والاختلاط أصبح ضرورة والضرورة تقدر بقدرها.

 

error: Content is protected !!