في الأكشاك هذا الأسبوع
المحامي الاتحادي عبد الكبير طبيح

حوار | عبد الكبير طبيح :”مسودة الرميد تتضمن قانونا جنائيا خفيا ومبادراته تسيء لمجهود الملك”

حوار – سعيد الريحاني

كان من المفترض أن يشارك المحامي الاتحادي عبد الكبير طبيح، في ندوة صحفية إلى جانب وزير العدل والحريات مصطفى الرميد يوم الإثنين الماضي، دعت إليها جريدة “ليكونومست”، لكن المنظمين اعتذروا عن استقباله والسبب، حسب ما أكده طبيح، هو أن وزير العدل اعترض بصفة شخصية عن حضوره، مما أحرج المنظمين.

يقول طبيح: “تم الاتصال بي من طرف بعض الإخوان من إدارة الجريدة، وكانوا في وضع حرج، بفعل المفاجأة حيث إن الوزير قال لهم أفضل ألا يحضر معي الأستاذ طبيح، فقلت لهم ليس لدي إشكال..”، ولكنه مع ذلك لا يتفق بالمطلق مع سياسة الوزير، فالرميد في نظره لم يستطع أن يصبح وزيرا، وهو لا يجيد لغة الحوار، ويرفض الآراء المخالفة، حسب قوله، بدليل أنه غَيَّرَ أعضاء ديوانه أكثر من مرة، حسب طبيح.

يؤكد طبيح في الحوار التالي، أن هناك ازدواجية في الخطاب بين ما يقوله الرميد وبين ما يمارسه على أرض الواقع، حيث يقول إن وزير العدل من خلال المسودة يقول بأن النيابة العامة مثلا يجب أن تتبع للوكيل العام بينما فريقه في البرلمان يدافع عن العكس، كما يضيف نفس المصدر بخصوص مسودة القانون الجنائي، “المسودة تتكلم عن أشياء خطيرة لم يعرفها المغرب من قبل، فعندما يقول وزير العدل بأن المعتقل يجب أن يوضع في سجن نظامي، فهو يقول ضمنيا بأن هناك سجونا غير نظامية، كذلك الشأن عندما يتحدث عن قوانين مؤقتة لا يعرفها أي أحد، وكما هو الحال عندما يتحدث عن الاعتقال المؤقت، بينما يوجد في المغرب الاعتقال الاحتياطي والحراسة النظرية.. هذا ما يجعل قلب المسودة يحتوي على قانون خفي لا يعرفه إلا هو”، حسب قوله.

وفي ما يتعلق بالاتحاد الاشتراكي، فقد قلل المحامي طبيح من قيمة مبادرة الانشقاق عن الحزب، قائلا: “الاتحاد الاشتراكي هو تجمع حول فكرة وانتماء لها، وليس انتماء لجهاز، أو بيت”، عندما يخرج منها الشخص “مكيبقى يسوى والو..”، حسب قوله.

– كان من المتوقع أن تكون ضيفا إلى جانب وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، في لقاء حول مسودة القانون الجنائي، دعت             إليه الجريدة الاقتصادية “ليكونومست” ECONOMISTE، ما الذي حصل حتى ألغيت مشاركتك؟

  • كنت مدعوا لهذه الندوة، وكان من المتوقع حضور الوزير الرميد وأحد مساعديه، ولكن بعد يومين أو ثلاثة أيام، بعد التنسيق الأولي تم الاتصال بي من طرف بعض الإخوان من إدارة الجريدة وكانوا في وضع حرج بفعل المفاجأة، حيث إن الوزير قال لهم: “أفضل ألا يحضر معي الأستاذ طبيح”، فقلت لهم ليس لدي إشكال.

– ما رأيك في موقف الوزير؟

  • هذا الأمر ليس غريبا بالنسبة للوزير مصطفى الرميد، أنا أعرفه وقد سبقته للبرلمان، واشتغلنا جميعا إلى غاية سنة 2007، وهو لا يكون مرتاحا عندما يتعلق الأمر برأي مخالف، أظن أنه أول وزير عدل بَدَّلَ جميع أعضاء ديوانه أكثر من مرة، وكما يعرفه الناس فهو لا يملك طاقة الحوار، ففي عهده تظاهر القضاة وكتاب الضبط والمحامين والموثقين.. وكما قلت له ذات يوم، فهو لم يستطع أن يكون وزيرا، بل بقي محافظا على روح المشاكسة.. باعتباره وزيرا للدولة المغربية، وفي ظل دستور 2011 فهذا تصرف غير مسؤول، أن يختار الوزير من يحاوره، نحن لسنا في بلد دكتاتوري، ولا يمكن لشخص أتيحت له الفرصة أن يكون وزيرا أن يفرض سلوكا ذاتيا على المشهد السياسي.. هذا التصرف ليس مرتبطا بشخص بل بقضية فكر، هل يمكن للوزير أن يقوم بذلك في ظل دستور 2011، فآخر تقرير صدر في لندن ينوه بالمغرب ويعتبر أن الملك محمد السادس استطاع إنقاذ بلاده من أزمة محدقة.. وفي الأخير، يأتي الوزير ليقدم صورة مخالفة، هذا الأمر غير مشرف.

تصرفات الرميد تسيء لمجهود الملك

 – هل تقصد بكلامك أن تصرفات بعض الوزراء تسيء لمجهود الملك؟

  • ليس لدي تتبع لما يقوم به الوزراء ولكن في ما يتعلق بما يقوم به الوزير مصطفى الرميد، هذا أكيد، وهو لم يستطع أن يكون وزيرا حقيقيا، حيث يجب أن يكون الوزير الأكثر هدوءا في الحكومة، لسبب بسيط هو أنه يملك سلطة قوية، تفرض عليه التميز بالهدوء واحترام الناس.

–  ولكن هذا الوزير الذي تنتقده اليوم، هو أحد الوزراء المنوه بهم، من خلال وسام ملكي عن مجهوده في لجنة إصلاح العدالة؟

 

  • أنا لا أستطيع أن أقدم تقييما للوزير كوزير، فهو مسؤول أمام الملك وأمام البرلمان، أنا فقط أحاول تقييم الشخص والوقائع.. مثلا عندما أقول إن هناك احتجاجات ضده فهي موجودة، وعندما أقول إنه يختار من يحاوره هذا موجود.. أما تقييمه كوزير فهو يرجع للرأي العام.

 ازدواجية السلوك عند حزب العدالة والتنمية

– هل تعتقد أن اعتراض الرميد على شخصك مرتبط بكونك تنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي، بينما هو ينتمي لحزب العدالة والتنمية؟

  • هذا فقط جزء، ولكني أظن أن الأمر يتعلق بجزئية أخرى أكثر أهمية هي ما يتعلق بمقالات أطرح فيها ازدواجية سلوك حزب العدالة والتنمية بين ما يقال وبين ما يمارس على أرض الواقع، فعلى مستوى مسودة القانون الجنائي، فما يقوله الوزير هو خلاف لما يمارسه، وهنا أقدم مثالين بسيطين، أولهما: تتم الآن محاكمة فتاتين في إنزكان بتهمة ارتداء “صاية” بينما مسودة الوزير جعلت “الفساد” شبه معفي من العقاب، والخيانة الزوجية يمكن أن تكون كذلك معفاة من العقاب بمقتضى هذه المسودة، هناك من يتحدث عن نفحة إسلامية ولكن في العمق هذه الأمور غير موجودة..

الازدواجية الثانية: تتعلق بممارسة النيابة العامة، حيث يقول في المسودة إنها يجب أن تتبع للوكيل العام ولكن دفعه فريقه           في مجلس النواب ليقول العكس، وهو أن النيابة العامة يجب أن تتبع للوزير، ورئيس الفريق عبد الله بوانو، له محاضرات في           هذا الشأن، وحزب العدالة والتنمية قدم تعديلا لمشروع الحكم، أليست هذه ازدواجية؟

  لأول مرة: القانون الجنائي لمعاقبة الصحافة

– قبل أيام كتبت مقالا قلت فيه إن الوزير مصطفى الخلفي تراجع عن موقفه الرافض للعقوبات الحبسية ضد الصحافيين، وأصبح مع خضوعهم للقانون الجنائي؟

  • في ما يتعلق بمسودة القانون الجنائي، أنا أقول إنها مسودة الوزير مصطفى الرميد وليس الحكومة، وذلك لعدة أسباب: أولهما، أنها كانت محل انتقاد من طرف الوزير نبيل بنعبد الله، ثانيا: السي مصطفى الخلفي أدرج مقتضيات مخالفة للمدونة، بحيث يقول بأن الصحافيين لا يجب أن يخضعوا للقانون الجنائي، بينما مصطفى الرميد أخضع الصحافيين من خلال “المسودة” لأول مرة للقانون الجنائي وليس قانون الصحافة، ولكنهم يروجون كلاما مخالفا هو أنهم ضد تطبيق القانون الجنائي على الصحافيين.. هكذا إذن، يتضح أن الرميد لم يستشر لا مع الرميد ولا مع الخلفي. يجب أن تعرفوا كذلك أن مسودة القانون الجنائي كما قدمها وزير العدل مصطفى الرميد، تتضمن قانونا جنائيا خفيا لا يعرفه إلا هو.

– ماذا تقصد بكون مسودة القانون الجنائي تتضمن قانونا جنائيا خفيا؟

  • المسودة تتكلم عن أشياء خطيرة لم يعرفها المغرب من قبل، فعندما يقول وزير العدل بأن المعتقل يجب أن يوضع في سجن نظامي، فهو يقول ضمنيا بأن هناك سجونا غير نظامية، كذلك الشأن عندما يتحدث عن قوانين مؤقتة لا يعرفها أي أحد، وكما هو الحال عندما يتحدث عن “الاعتقال المؤقت” بينما يوجد في المغرب “الاعتقال الاحتياطي” و”الحراسة النظرية” و”السجن”.. هذا ما يجعل قلب المسودة يحتوي على قانون خفي لا يعرفه إلا هو.

– بالنسبة لما سميته “القانون الجنائي الخفي” هل تعتقد أن له علاقة بالرميد أم بجهات معينة مَرَّرَت من خلال الوزير قانونا معينا؟

  • إذا كانت هناك جهات فليقل لنا من هي، لأن هذا الموضوع انتهى، هل تعرفون أن الملك نفسه لم يعد بإمكانه إقالة رئيس الحكومة، إلا بعد إعادة الانتخابات، كل وزير مسؤول عن نفسه والمسودة مسؤوليته وحده، رغم أنهم يقولون إن لها علاقة بأطر وزارة العدل، أنا أبرئهم من ذلك، لماذا؟ أنا أعرفهم، وقد اشتغلت معهم نحن نتوفر على أطر من مستوى عال، من حيث التكوين السياسي والقانوني الدولي، هم منضبطون ويشتغلون مع كل الوزراء ولا يفرضون رأيهم عليه، ولهذا فهي عمل منسوب لوزير معين (الرميد) له توجه معين بما يعتقده، وهو يعتقد أن السياسة هي أن تقول شيئا وتطبق شيئا آخر.

– هناك من يقول على نطاق واسع بأن مسودة القانون الجنائي، تضمنت أمورا إيجابية، بحيث تجرم الجنس خارج العلاقات الزوجية وتجرم الإفطار العلني وتجرم زعزعة المؤمن، ما الذي يقلقك منها؟

  • لنأخذ “الفساد مثلا، العقوبة التي ينص عليها المشرع في الفصل 490 هي من شهر إلى سنة، لكن الملاحظ أن المسودة خفضتها إلى 3 أشهر، ثانيا: أضافت إليها الغرامة وهي 2000 درهم كأدنى حد والقاضي له حق الإعفاء حتى من الغرامة. إذن، هم يعتبرون أن الفساد ليس جريمة.. فالخيانة الزوجية اليوم، لم يسبق أن ضبط أحدهم في وضع متلبس لكن الشرطة، تكتب وجدت فلان عاريا، ويأخذون التصريحات من الفراش، وهذا يسمى المحاضر، لكن المسودة ألغت هذا المحاضر وقالت إن المتهم إما أنه يجب أن يعترف في الجلسة، أو يضبط خلال علاقة جنسية كاملة، مما يعني عمليا عدم إمكانية إثبات الخيانة الزوجية.

 كيف تأمر يا وزير العدل بمتابعة فتاة ترتدي “صاية” وترفع العقوبة عن الفساد؟

– الرميد يقول: لا للمس بصميم المجتمع وبالقيم التي تعد ضربا للدولة الإسلامية؟

  • هذا من حيث الخطاب، في الواقع أين يوجد ذلك؟ تجريم الإفطار في رمضان تركه المقيم العام اليوطي، وليس مصطفى الرميد وهي جريمة قديمة ولا يوجد أي مغربي يفطر في رمضان، بالعكس المغاربة متدينون، فليقل لي الرميد أين هي المقتضيات التي تدافع عن الإسلام، لم يأت بأي شيء وما يسمى بازدراء الأديان، فهو كلمة عامة، يصعب تفصيلها في اللغة.

– ولكن ألا تعتقد أن قيم المجتمع المغربي تتعرض لهجوم معين، من طرف لوبي الحريات الفردية مثلا، وهذا تعكسه تظاهرات “وكالين رمضان” كل سنة.

  • هذه أمور دائما موجودة، والناس في الكلية كانوا يفطرون رمضان، ولم تكن هناك أية ضجة، المغاربة مسلمون بطبيعتهم ولا يحتاجون لمن يقول لهم أحد هذا هو الدين، ولكن عندما تعتقل الدولة أحدهم فهي تعطيه قيمة، وقد وضعت سؤالا على أحد وكلاء الملك حول عدد القضايا التي عرضت عليه والمتعلقة بالإفطار العلني في شهر رمضان، فقال لي إنها لا تتعدى قضيتان أو ثلاث قضايا طيلة عشرين سنة، الحكمة تقتضي عدم الهجوم على “فطارين رمضان” بل التعامل ببساطة وليس خلق زوبعة وتهييج الرأي العام كما وقع بخصوص “صاية”.

– ما رأيك بخصوص متابعة فتاتين في إنزكان بسبب لباسهما؟

  • كيف تأمر يا وزير العدل بمتابعة فتاة ترتدي “صاية” وترفع العقوبة عن الفساد، في الوقت التي تقول الفتاة إنهم كانوا يتحرشون بها، على الأقل يجب الاستماع للجميع، هذا منطق غير مقبول ويتضمن مخاطرة بالنظر إلى ما يعرفه العالم العربي من تهييج ومشاكل عويصة بسبب الحركات المتطرفة، لذلك فالحكومة مسؤولة عن تهدئة الرأي العام، ويجب ألا تكون مسؤولة عن حركات مثل هذه.
بعض رموز التيا المنشق عن الاتحاد الاشتراكي

بعض رموز التيا المنشق عن الاتحاد الاشتراكي

الانشقاق عن الاتحاد الاشتراكي لن ينجح

–  ما الذي يقع داخل الاتحاد الاشتراكي؟

  • ما يقع في حزب الاتحاد الاشتراكي، هو ما يقع فيه منذ سنة 1959، ولم يكن يخرج للوجود، وقد وقع تغيير في التكوين البشري للاتحاديات والاتحاديين، ثانيا: الاتحاد الاشتراكي دبر المسؤولية السياسية من سنة 1997 إلى 2012، والذين يقولون إن الشعب المغربي سخط على الاتحاد الاشتراكي، مخطئون، لأننا احتللنا الرتبة الأولى في سنة 2002.. إذن، فالشعب المغربي لم يسخط علينا في ما يتعلق بالتدبير، ولكنه سخط علينا عندما دخلنا الحكومة سنة 2007، وهذا خطأ كبير مازلنا نؤدي ثمنه، وبطبيعة الحال الثاني أقل انضباطا من الجيل السابق، وهناك إخوان قرروا المغادرة ولكني أعتقد أنه كان عليهم أن ينظروا للتجارب السابقة التي لم تنجح.

الاتحاد الاشتراكي هو تجمع حول فكرة وانتماء لها، وليس انتماء لجهاز أو بيت عندما يخرج منها الشخص، “مكيبقى يسوى            والو”.

– حسب رأيك “المجموعة الاتحادية” التي تحاول تأسيس حزب بديل، لا مستقبل لها؟

  • نعم، لأننا نتوفر على ثلاث تجارب من هذا النوع، تجربة سنة 1981، وتجربة سنة 1983 بأسمائها الكبيرة، وتجربة سنة 2002، بالإضافة إلى تجارب أخرى لم تنجح، لسبب بسيط هو أن البيت الوحيد الذي يجمع الاتحاديين هو “الاتحاد الاشتراكي”، وداخله يجب أن يكون الصراع والنقاش الحاد والسجالات والصراع، وليس خارجه.

–  المنشقون يقولون، إنهم على خلاف كبير مع الكاتب الأول للحزب، وإنهم يقومون بذلك وفاء لروح أحمد الزايدي؟ هل تعتقد أن أحمد الزايدي سيعود للاتحاد الاشتراكي في نظرك؟

  • أنا الآن في مكان نحاول من خلاله تجميع الإخوان، وإعادة ترتيب الصفوف، لأن هناك أكثر من رأي يقول بأن المغرب مازال في حاجة إلى الاتحاد.. بالنسبة للزايدي، كان صديقي وذهب في ظروف مؤلمة، لكن تربينا في الاتحاد الاشتراكي على نكران الذات، وهذه هي تربيتنا، يجب أن نفكر في الآخرين وسننجح.

 

 

error: Content is protected !!