في الأكشاك هذا الأسبوع
مافيا الحشيش والكيف

مؤسسات الدولة ودستورها أمام امتحان حقيقي…من سينتصر في الحرب بين المخابرات وتجار المخدرات حول الانتخابات؟

بقلم : سعيد الريحاني

بالعودة إلى الكتب التاريخية يمكن أن نقرأ ما يلي: “.. إن مولاي عبد العزيز قد جالت في رأسه فكرة الشورى والديمقراطية، وأثاه سفراءه بكل هذه الأفكار، ففعل بها، وكان أول ما فعله جعل مجلس شورى من الوزراء ينعقد كل يوم للتداول في الأمور المهمة التي تعرض عليهم، فكل من كان له أمر في وزارته قدمه للملك فيأمر برجعه للجميع لإعطاء النظر فيه بالمشاورة، وهذه منفعة كبرى تذكر في تاريخ مولاي عبد العزيز، فاز بها على من قبله ويكون له الفضل على من بعده لكن الأمة جاهلة والوزراء معهم قصور وتنافس، لم يعرفوا كيف يتصرفون في هذه المنقبة التي هي أمانة وضعت بين أيديهم، فاستحالت إلى الفساد، فسارت مضرة وصار الشعب لجهله يعدها ثُلْمَة في حق الملك، ويرى أن الملك كان مستبدا، فيبقى مستبدا لا يقيم للوزارة وزنا، فمولاي عبد العزيز كان أطيب سريرة، من وزرائه، وعمله لهذه الشورى برهن به على نزاهة مقاصده وأنه يريد الخير لأمته، ويدربها تدريجيا على الشورى، وعلى الديمقراطية..”.

يمكن أن نقرأ أيضا في كتاب “انتحار المغرب الأقصى بيد ثواره” (مذكرات الحجوي/ محمد الصغير الخلوفي): “لم يكن للسلطان ناصح صادق كالمنبهي الذي أظهر الشهامة والشجاعة.. لكن كان وراءه من يشوش عليه فلا يكمل أعماله، وانتقدوه بإسرافه في الأموال إلى أن أوقع الخزينة في الضيق وارتكب الدين الذي كان سبب المصائب، لكن ربما لو لم يسرف في البذل والعطاء لما طالت مدة مخدومه، فهو نافع لشخص مخدومه ضار بغيره، وقد أحاطت به الدسائس والانتقادات إلى أن انسحب من الميدان وتركه لغيره الذي لم يقدر على إدارة دولابه، فضاع الملك بين التنافس والتخاذل”…

وربما لم تتح الفرصة لكثير من الناس لكي يعرفوا السلطان عبد العزيز على حقيقته، بعد أن تم تصويره كسلطان للعب فقط(..) بينما الواقع يؤكد أن فترة حكمه تزامنت مع وجود أشخاص قل نظيرهم، من حيث الفكر الداعي للتمرد، ففي زمنه كان هناك بوحمارة الذي ضرب “محلة أخيه مولاي عبد العزيز، يوم الجمعة 15 شعبان، وقطع منها رؤوسا، وتفرقت في القبائل ووصلت إلى وجدة وبقي من الموتى من لم يقطع رأسه الكثير، ولم يفلت منهم طابور الزمراني واحد، وغنم غياتة أكثر من مئتي كلاطة (يعني بندقية) وإن امرأة واحدة من فرقة نكاصة منهم نهبت اثنين وثلاثين بوصفرة (نوع من البنادق..).

في زمن بوحمارة، كانت أبواب التمرد مفتوحة على مصراعيها(..) ومن ذلك الزمن يمكن أن نقرأ قصة “بوحصيرة” و”اسمه الحقيقي عبد القادر العتكي من قبيلة بني عتق، فرع من بني يجناسن، سمع بأبي حمارة فرحل إليه، ولعله اتفق على فعلة فعلها، وهي أنه ذهب إلى محل يقال له المقام بالظهراء بقبيلة يقال لها أولاد سيدي محمد بن أحمد، وهل تأتينا الرزايا إلا من الزوايا وأولاد سيدي خلاف ومولاي فلان، وذلك أنه ذهب داعيا بين الفساد، فاجتمع عليه جماعتهم ليلا فسألهم عن مولاي عبد العزيز أين هو؟ وأين هي أمه؟ فقالوا له، نسمع أنه بفاس وأمه هي رقية التركية سمعنا أنها ماتت، وقال له بعضهم إن هذا الرجل الثائر يزعم أن ماكلين الإنجليزي جعل مولاي عبد العزيز في صندوق خوفا عليه ووجه به إلى لوندرة، فأظهر “بوحصيرة” أن به جنونا ورعدة وتشنجا وسار يبكي وينتحب، فقيل له في ذلك، فقال أبكي على أمي مسكينة وليس عندي خبر بموتها غير أني لما جعلني القائد ماكلين في الصندوق ووصلت إلى لوندرة هربت منها إلى بيت الله الحرام فحجيت وغفرت ذنوبي، فقالوا له وهل أنت مولاي عبد العزيز؟ فقال لهم أفي الله شك، أنا عبد العزيز والثائر هو أخي مولاي أحمد والآن قوموا معي لاسترجاع ملكي من بين يدي ماكلين النصراني، فكان بكاؤه معجزة تصدقه في أحلامهم العصفورية فتبعوه، وجمع أوباشا من أولاد عمرو وبني بوزكو وحتى احمادة ازكافايت تبعه من كونه صاحب زاوية(..) (المصدر: كتاب انتحار المغرب الأقصى على يد ثواره).

وما أشبه الأمس باليوم، فعندما يغيب التواصل مع السلطة المركزية يمكن أن يحدث ما لم يكن في الحسبان، فمن يدري فقد يساهم زمن التعتيم والتلاعب الإعلامي، في ظهور “بوحمارة أو “بوحصيرة” جديد، طالما أن الجهل متفش والأوضاع الاجتماعية والثقافية متردية والحالة الاقتصادية مهزوزة تماما كما كان يحصل مع بداية القرن 19، عندما ظهرت إرهاصات مشروع دستور.

كل ما سبق هو جزء من مذكرات الحجوي، وهي نموذج للكتابات السياسية في مطلع القرن العشرين، ولعله من مكر التاريخ أن تتشابه كتابات الحجوي القديمة مع كتابات الصحفيين في السنوات الأخيرة، في ما يتعلق بدق ناقوس الخطر.. الحجوي كتب عن زمن السلطان مولاي عبد العزيز، لكن الصحفيين في زمن الملك محمد السادس وكتاباتهم بمثابة شهادات، كتبوا ما يشبه كلام الحجوي تحت عنوان “بوادر ثورة”: “إنها حقا سابقة، ففي يوم 11 أبريل، اعتصم ما بين 5 و10 آلاف مزارع للكيف بمدينة باب برد الصغيرة، وسط جبال الريف قرب عاصمة الحشيش كتامة.. يوما قبل ذلك، حاول مجموعة من الدركيين مداهمة بيت أحد المزارعين بحثا عن أكياس زريعة الكيف، لكن الرجل تمرد ومنعهم من الدخول، قبل أن يلتحق به المئات من جيرانه، ويجبروا رجال الدرك على الانسحاب، لم تمر 21 ساعة حتى انتشر الخبر بين الجبال المجاورة، فنزل آلاف المزارعين المتمردين ليجتمعوا في باب برد، ملي شافو راسهم كثار حسو بقوتهم، فتحول الاعتصام إلى مظاهرة.. الكاميوات ديال العسكر والجضارمية جاو طايرين من الشاون ماداو منهم والو، وخا شي وحدين منهم تيراو فالسما، باش يخلعو الناس.. ثوار باب برد، حتى وإن كانوا متحدين لم يقدموا مطالب واضحة، اللهم ذاك الذي ظهر من خلال الشعار الذي رددوه يوم 11 أبريل: هادا عار هادا عار المخزن دخل للدار” (مقال أحمد بنشمسي: بوادر الثورة، مجلة نيشان، عدد 28 أبريل 2010).

الصحفي نفسه، تساءل وقتها بالدارجة: “واش خاص الثورة تنوض نيت بصح، واش خاص ينوض التهراس والقرطاس ويموتو عباد الله، عاد باش يفهمو أصحاب الرباط أن القمع بوحدو، ما مخرج حد، ما بقا لينا غير ندعيو..”.

كل ما سبق حدث في باب برد سنة 2010، أي سنة واحدة قبل انطلاق الربيع العربي، ويعلم الله ماذا كان سيحصل لو تزامن الحدث مع الزلزال الذي ضرب العالم العربي، ولكن باب برد احتضنت خلال سنة 2014، لقاءً ضم المئات من مزارعي الحشيش والهاربين من العدالة والمبحوث عنهم، جمعهم حزب الأصالة والمعاصرة، ليطلق حملته الرامية لتقنين زراعة القنب الهندي، لكن بعض القياديين في الحزب رفعوا من منسوب الجرعة، خلال الأيام الأخيرة لنسمع العربي المحارشي يقول وسط حشد جماهيري، بكامل الثقة، وهو يتوعد رجال الدرك والسلطة المحلية، ما يلي: “عندي فيديوهات ديال التهديد.. الدولة كاملة عارفة كاين الكيف هنا (يقصد وزان والنواحي)، واش الدولة قادرة تتحمل مسؤوليتها؟ واش عندنا الطريق بحال الرباط والدار البيضاء باش منديروش الكيف؟ واش ولادنا خدامين؟ واش عندنا السبيطار باش منديروش الكيف؟ واش عندنا الما؟ واش عندنا الأسواق؟ أشنو بغيتو تديرو لا مدرتوش الكيف؟

لم يكتف المحرشي، وهو برلماني، ولاعب أساسي اليوم في قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، من خلال احتضانه لأنشطة عديدة(..) بذلك، بل أضاف مهددا: “معمرني كنت باغي ندير مشكل وطني (هنا المقصود وزان) ولكن أنا مستاعد نديرو على حسابكم..”.

كيف يمكن تفسير كلام المحرشي، المتحدث باسم حزب الأصالة والمعاصرة في لقاء جماهيري، ماذا لو تطورت الأمور إلى مواجهات؟ الجواب جاء متأخرا، في بلاغ للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، وبعد أسابيع، كما لو أن الأمر يتعلق بانتظار إشارة معينة(..) ويحذر البيان: مما ينتج عن هذا الكلام من تبخيس للجهود التي تقوم بها الدولة لتنمية هذه المناطق”. المصدر نفسه أضاف دون إشارة للأسماء بأنه “لا يمكن تسويغ تجارة المخدرات تحت أي مُبرِر واستغلال ضعف التكافؤ في التنمية المجالية التي تعاني منها المناطق القروية في المغرب، وعلى رأسها مناطق الريف وجبالة”.

وحذرت الأمانة العامة من “خطورة تسرب أموال تجارة المخدرات إلى عالم السياسة وتوظيف المال الحرام لشراء أصوات الناخبين، وهو ما يهدد نزاهة العملية الانتخابية وصدقيتها”.

عزيز الرباح

عزيز الرباح

يمكن اعتبار جواب حزب العدالة والتنمية جوابا سياسيا على كلام المحرشي، لكن الجواب الميداني هو ذلك الذي قدمه الوزير عزيز الرباح، فبينما كان صدى كلمات المحرشي يتردد في أطراف وزان، كان وزير التجهيز والنقل قد أطلق سلسلة تصريحات خطيرة على أطراف مدينة القنيطرة، فقد أكد من خلال كلامه وجود مخطط خطير يسعى إلى تشكيل تحالف بين بعض الأحزاب وتجار المخدرات، بهدف الفوز في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وتعطيل مسيرة الإصلاح التي اقتحمت معاقل المفسدين وناهبي المال العام، وهددت مصالح الكثير ممن ألفوا العيش في بحبوحة الريع بكل أشكاله، على حد تعبيره (المساء، عدد 16 يونيو 2015).

ويبقى أخطر ما قاله الرباح أمام حشد كبير من أنصاره في مهرجان خطابي، نظمته المنظمة المغربية للرائدات بـ”قصبة المهدية” أحواز القنيطرة، “إن البلاد مهددة في قيمها وأخلاقها ودينها بسبب أحزاب لا تريد الديمقراطية والانتخابات النزيهة، وتعمل ليل نهار للإطاحة بحزب العدالة والتنمية، ولا تجد أدنى حرج في وضع أيدهيا في يد مافيا الحشيش والكيف لتحقيق ذلك والوصول إلى المجالس” (المصدر نفسه).

بين الجواب السياسي، لحزب العدالة والتنمية والجواب الميداني لعزيز الرباح، نشرت الصحف مقالات لم تحظ بكثير من الاهتمام وبشكل محتشم، تتحدث عن “لائحة للممنوعين من الترشح للانتخابات”، ويزعم أصحاب هذه الأخبار التي لم تكذبها وزارة الداخلية مما يرجح صحتها، أن ((أمناء عامين لأحزاب سياسية فتحوا أحزابهم مبكرا لبعض الأسماء “المشبوهة” من أجل خوض الاستحقاقات المقبلة، توصلوا بتعليمات صارمة من جهات حكومية، تدعوهم إلى عدم تزكية كل من تشتم فيه رائحة تجارة المخدرات الخبر جاء في الصفحة الأولى من جريدة الصباح)).

وزير الداخلية رفقة الشرقي اضريس ومصطفى الخلفي

وزير الداخلية رفقة الشرقي اضريس ومصطفى الخلفي

الجريدة نفسها، قالت إن التحذير المبكر جاء مباشرة بعد المصادقة على مشاريع القوانين التي ستؤطر الانتخابات المقبلة، حتى لا تتفاجأ قيادات الأحزاب المعنية بقرار “المنع” في اللحظات الأخيرة، لتضيف بأن القرار الذي تلقاه بعض زعماء الأحزاب من طرف مسؤول حكومي بارز أربك حسابات بعض الجهات التي كانت تراهن على “المشبوهين”، ورتبت معهم كل شيء من أجل تحقيق مكاسب انتخابوية لفائدة الأحزاب التي تلقوا منها الضوء للترشح باسمها في الاستحقاقات المقبلة، بدءا بالانتخابات الجماعية وانتهاء بالتشريعية (موقع 360، بتاريخ 23 يونيو 2015).

الخبر أعلاه لم يؤكده أحد، لكن وزارة الداخلية لم تنفيه، وهو يعيد إلى الأذهان، لائحة كانت قد أعدتها وزارة الداخلية في زمن إدريس البصري، عندما تدخلت وزارة لتمنع ترشح أقطاب الحشيش في مدن الشمال، فسقطوا سقوطا مدويا(..).

من الناحية القانونية، لا وجود لسند يمكن الحديث من خلاله عن لائحة للممنوعين من الترشح بسبب شبهة الانتخابات، فالمتهم بريء حتى أن تثبت إدانته، وإذا كانت وزارة الداخلية على علم بقوائم تجار المخدرات، فهذا يجعلها في مصاف “الشريك”، ثم إن الزمن لم يعد هو الزمن ولعل ما يثير الانتباه في الشهور الأخيرة هو الغزوات التي يعلن عنها كل يوم مكتب التحقيقات المركزي التابع للمخابرات (مديرية مراقبة التراب الوطني) وهو يعلن عن تفكيك العصابة تلو الأخرى لمافيا المخدرات، وهو جهاز تابع عمليا لوزارة الداخلية، مما يعني أن الحرب المقبلة حول الانتخابات هي حرب بين التجار ووزارة الداخلية ومكاتب المخابرات رغم أن الأيام أكدت بكون بعض تجار المخدرات تفوق إمكانياتهم إمكانيات الدولة في بعض الحالات، كما تؤكد ذلك لائحة أشهر تجار المخدرات منذ الاستقلال إلى اليوم (موضوع الحلقة الثانية في العدد المقبل).

 

error: Content is protected !!