في الأكشاك هذا الأسبوع
مضاهرة ضد الاجهاض

المنبر الحر | الإذاعة الوطنية والإجهاض

بقلم: الأستاذ عبد الواحد بنمسعود

الحدث الذي يشغل بال المجتمع والتفكير في حل معضلاته، هو ما يروج في موضوع تقنين الإجهاض بعدما استفحل خطر الإجهاض، وذكرت الصحف إحصائية مهولة تتمثل في كون عمليات الإجهاض تتراوح ما بين 600 و800 عملية في اليوم.

ولكن ما علاقة الإذاعة الوطنية بموضوع الإجهاض؟ إنها مجرد ذكرى من الذكريات، ويتلخص موضوعها في كون الإذاعة الوطنية وقبل أن تتحول إلى شركة، كان من ضمن برامجها برنامج اسمه “مع الأسرة” وكان يذاع كل صباح في حوالي الساعة الثامنة، مرة واحدة كل أسبوع، وتشرف عليه وتنشطه السيدة ليلى أطال الله في عمرها.

كانت مدونة الأحوال الشخصية هي المطبقة في ذلك الوقت على المنازعات المتعلقة بالأسرة وبالزواج وما يترتب عليه، واستضافتني السيدة ليلى في عدة حلقات من ذلك البرنامج وكان الاتصال مباشرة بواسطة الهاتف مع المستمعين، وكنا نتلقى أسئلة عبر الهاتف ويتم الإجابة عليها مباشرة وكانت الإجابات تراعي أحكام الشريعة الإسلامية، وما يجرى به العمل في الفقه المالكي وما يجرى به العرف في بعض المناطق، مع الإشارة إلى الاجتهادات القضائية المتعلقة بكل المنازعات التي لها علاقة بالأسرة.

تطرقنا في هذا البرنامج، وخلال عدة جلسات لمواضيع الخطبة، والزواج، ومتاع البيت، والولاية، والنسب، والحضانة، والنفقة، والحجر، وأنواع الطلاق، ومسطرة إثبات الزوجية، وبعبارة أخرى لكل ما ورد في تلك المدونة ما عدا ما له صلة بالإرث وأحكامه.

ولما أشرفنا على الانتهاء من مناقشة بعض ما نصت عليه مدونة الأحوال الشخصية، طلبت مني السيدة ليلى أن أقترح عليها بعض الموضوعات التي تكون محلا للمناقشة في برنامج “مع الأسرة” فاقترحت عليها موضوع الإجهاض، وعلى الفور استحسنت الاقتراح ولكن لاحظت علامات التردد بادية على وجهها، وقالت: “موضوع مهم، ولكن طرحه ومناقشته بواسطة الإذاعة يحتاج إلى استشارة وموافقة من الجهة المكلفة بمراقبة ما يذاع”.

هذه ذكريات ترجع إلى ما يقرب من 15 سنة، والمهم أنه بعد أسبوعين تقريبا اتصلت السيدة ليلى وأخبرتني بأنها حصلت على الموافقة والإذن بمناقشة موضوع الإجهاض عبر برنامجها “مع الأسرة”، الذي كان يذاع مباشرة من استوديو الإذاعة الوطنية مرة في الأسبوع كما ذكرت.

وبعد تحضير العناصر الأساسية المتعلقة بمناقشة موضوع الإجهاض، حل موعد البرنامج، وخلال المدة التي كان يستغرقها هذا البرنامج وكانت المدة محصورة في ساعة واحدة، طرح موضوع الإجهاض للمناقشة، ودار حوار مباشر مع المستمعين، وطرحت أسئلة في غاية الدقة، وكان محور النقاش يدور حول:

  • حكم الشريعة الإسلامية في موضوع الإجهاض.
  • الحالات التي يجوز فيها الإجهاض.
  • موقف القانون الجنائي من الإجهاض.
  • موقف القضاء وأحكامه من ارتكاب جرائم الإجهاض السري.

المهم، أن الإذاعة الوطنية في ذلك الوقت كانت شجاعة ولم تشعر بأي حرج وهي تقبل على مناقشة موضوع الإجهاض وتطرحه للنقاش عبر الأثير، بحيث العالم كله يمكن أن يستمع لذلك البرنامج، وإن أرشيف الإذاعة ليحتفظ ولا شك بالتسجيل الكامل لهذه الحلقة وما راج فيها.

ونظرا للاهتمام الذي كنت أوليه لهذا الموضوع، كتبت قصة وسيناريو حول الإجهاض، وهذا السيناريو اهتم به الفنان المخرج حكيم النوري، وجعل منه شريطا كان عنوانه “الإجهاض” إلا أنه وقع تغيير العنوان واستبدل بآخر يحمل اسم بطلة الشريط وأصبح عنوان الشريط “نورا”، وعرضت القناة الثانية هذا الشريط عدة مرات نظرا لأهمية موضوعه وإقبال المشاهدين عليه.

تعرض الشريط للإغراءات التي تقع ضحيتها فتيات ينقصهن النضج والرزانة، وفضح الشريط الأساليب الدنيئة التي يلجأ إليها بعض الشباب الطائش للإيقاع بالفتيات واغتصابهن اغتصابا يترتب عليه الحمل، وكون الفتاة تحتفظ بهذا السر وتحاول حل المشكلة مع المتسبب فيه، والالتجاء لعملية الإجهاض السرية بواسطة “القابلة”، والوفاة التي تترتب على هذه العمليات بسبب تناول المخدر وفي غياب الطبيب المختص، ولم يغب عن الشريط فضح المشاركين في جرائم الإجهاض، وبالأخص تجار المخدرات، ولصوص سرقة حقن التخدير من مخزونات المستشفيات.

ومرة أخرى نقول إن القناة الفضائية الثانية كانت هي الأخرى شجاعة لما قبلت عرض الشريط عدة مرات.

لقد مر على إثارة موضوع الإجهاض ما يزيد على15  سنة، ولو كانت هناك آذان صاغية وعيون واعية لتصدينا منذ ذلك العهد لمعالجة المشكل، وتلافينا الأضرار وأنقذنا الضحايا، ولكن من سوء سلوكنا أننا نغض الطرف عن المشكل عند حدوثه ونتراخى في علاجه، ولما يتعقد المشكل ويتشعب نجد أنفسنا شبه عاجزين عن حله وندخل في مناقشات وتجاذبات بل وحتى في صراعات، ويضاف إلى ذلك أننا لا نحسن فن الحوار والاستماع لمختلف الآراء باحترام، ويسود الغضب والتشنج، وينقلب الأمر إلى معركة ويغرق المشكل في معركة تصفية الحسابات ومحاولات كسب قصبة السبق في حل المشكل.

إن القانون الجنائي يعاقب على الإجهاض في الفصول من449  إلى 458، وتصل العقوبة إلى 20 سنة سجنا نافذا إذا نتج عن الإجهاض موت المرأة، والفصل 453 هو الذي يبين حالة الإعفاء من العقاب وذلك بقوله: “لا عقاب على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة المحافظة على صحة الأم متى قام به علانية طبيب جراح بإذن من الزوج-  ولا يطالب بهذا الإذن إذا ارتأى الطبيب أن حياة الأم في خطر، غير أنه يجب عليه أن يشعر بذلك الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم – عند عدم وجود الزوج أو إذا امتنع عن إعطاء موافقته أو عاقه عن ذلك عائق، فإنه لا يسوغ للطبيب أو الجراح أن يقوم بالعملية الجراحية أو يستعمل علاجا يمكن أن يترتب عليه الإجهاض إلا بعد شهادة مكتوبة من الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم، يصرح فيها بأن صحة الأم لا يمكن المحافظة عليها إلا باستعمال مثل هذا العلاج”.

ويلاحظ على ما ورد في تلك الفصول:

أن الفصل 449 من القانون الجنائي يتحدث عن المرأة التي ستكون عرضة للإجهاض، دون أن يشير إلى وضعيتها العائلية، هل هي متزوجة أو غير متزوجة، ويفهم من سياق النص أنه يمنع منعا قطعيا القيام بعملية إجهاض لامرأة غير متزوجة، فما هي الحكمة من ذلك في اعتقادنا؟

أن تلك المرأة غير المتزوجة ترغب في الإجهاض خوفا من الفضيحة، ولكن يمكن لتلك المرأة أن تلتجئ للطرق الودية ثم الطرق القانونية لإجبار المتسبب في الحمل على الاعتراف به ولها أن تثبت بجميع وسائل الإثبات معاشرة المتسبب في الحمل، أو إثباته بواسطة الخبرة الجينية، لما في ذلك من إنقاذ لحياة الأم وحياة من في رحمها.

بل يمكن بواسطة المشرفات الاجتماعيات أن نصل إلى حل يرضي الطرفين، فباب اليأس مازالت لم يوصد بصفة نهائية، والله سبحانه أوصى الذين أسرفوا على أنفسهم بألا يقنطوا من رحمة الله.

إن شروط القيام بعملة الإجهاض قصد إنقاذ حياة الأم محاطة بقيود صارمة، وتلك الشروط قد لا تتوفر لظروف قاهرة قد تذهب معها حياة الأم.

إن الفصل 453 من القانون الجنائي يتحدث عن شروط إجهاض المرأة المتزوجة، وللقيام بعملية إجهاض المرأة المتزوجة لابد من توفر ما يلي:

  • أن تتم العملية جهرا أي في مستشفى أو عيادة عمومية يلجها المرضى والزوار، ولا تجرى العملية سرا وفي الأماكن البعيدة عن المراقبة، وذات الأبواب المغلقة.
  • أن يقوم بالعملية طبيب جراح أي من أهله القانون للقيام بعلاج المرضى بحسب مؤهلاته وترخيص بممارسة مهنة الطب.
  • أن يتوفر الطبيب قبل إجراء عملية الإجهاض على الإذن الكتابي من طرف الزوج، لكون ما برحم زوجته هو من نسله وصلبه.
  • يعفى الطبيب من الحصول على إذن الزوج إذا وجد بعد الكشف على الأم أن حياتها في خطر، ولكن عليه أن يشعر الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم، وهذه الفقرة تحتمها ضرورة تدخل الطبيب للعلاج في حالة الخطر، وإلا عُدَّ ممتنعا عن تقديم المساعدة لمن هو في خطر، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي من جهة، والامتناع عن تقديم العلاج يتنافى مع أخلاقية المهنة والقسم الذي أداه الطبيب.

 

من هيئة المحامين بالرباط

 

error: Content is protected !!