في الأكشاك هذا الأسبوع
الضابط المتقاعد عبد الله القادري الذي حكم عليه بـ 400 مليون تعويضا للمستشار فؤاد الهمة

الحـقــيقة الضــــائعة | الحكم لفائدة الهمة.. خطر على حرية الصحافة

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

سأل مذيع التلفزة يوما، المستشار الملكي المرحوم عبد الهادي بوطالب، عن مدلول لقب المستشار الملكي، فأجاب: ((المعنى الاصطلاحي يعني رجل دولة، تتوفر فيه كفاءات وتكون خلفه تجارب واسعة، ويستعمله الملك حين يشاء)) (نصف قرن في السياسة. عبد الهادي بوطالب).

بينما ها نحن نتتبع مع الرأي العام وحشود الصحفيين، مخلفات الحكم بحوالي نصف مليار، وبالتحديد 400 مليون، تعويضا للمستشار الملكي فؤاد الهمة، وهو العقاب الذي جعل الصحفيين ومديري الصحف، يكادون يفرضون على صحفييهم، كلما ذكروا اسم المستشار فؤاد الهمة، أن يضيفوا إليه عبارات التبجيل، والتعظيم، واستعمال الاصطلاحات التي كانت تستعمل في القرون الوسطى من طرف الراغبين في الرضى(…)، والخائفين من الغضب، والذين كان أغلبهم يكتبون مثلا بعد ذكر اسم المخاف منه: ((كتب الله لكم رسوخ القدم، وسبوغ النعم، وزاد مقامكم تحصينا وتحسينا)).

ذلك أن ذلك السي فؤاد.. الذي عرفناه شابا ظريفا لطيفا يجمع حوله كل المتطلعين إلى دعم النظام الجديد، ويستشيرهم مهما كانت ألوانهم السياسية، وحتى عندما قرر الابتعاد عن نفوذ وزارة الداخلية، وقرر خوض غمار السياسة بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، فإنه أصبح الزعيم السياسي، الذي يرفض أن يقال عنه: أنه أسس حزبه بوسائل الدولة.. أو أنه استغل وسائل الدولة لتقوية حزبه.

وعندما اكتشف أن السياسة والسياسيين في المغرب، زبالة كما قال محمد مجيد، مجال لا يستحق أن يخسر عليه المرء جزءا من حياته، تحلى بشجاعة كبرى، وتنازل – حسبما يظهر – عن شؤون هذا الحزب، وقالوا إنه قطع تلفوناته، وأصبح لا يرد حتى على بعض الأقطاب الذين أرادوا أن يجعلوا منه، مطية لتحقيق أغراضهم، أو الذين كان تشكيل حكومة بن كيران، كارثة عليهم.

وأصبح السي فؤاد مستشارا في الديوان الملكي، يضع خبراته رهن إشارة سيده، قبل أن تهيمن صداقته مع ملك البلاد على دوره الاستشاري، وأصبحت هذه الصداقة، أمرا مقضيا، قبل أن يعيدها إلى بساط الدرس، رجل الأعمال عيوش الذي صرح بعربية فصحى(…) أمام ملايين المتفرجين أنه هو أيضا(…) صديق الملك، ليوسع دائرة أصحاب الملك.. ولماذا لا.. فالقرآن نفسه أعطى للأصحاب مكانة مرموقة في آياته، فتحدث – جل جلاله – عن أصحاب الكهف، وأصحاب السراط السوي ومن اهتدى، وأصحاب مدين، وأصحاب الرسّ، كما في سورة الفرقان، وأصحاب موسى، وأصحاب الميمنة، بعد أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وحتى أصحاب الفيل، وأصحاب القبور، وأصحاب الأخدود.. كما حدثنا القرآن، عن أصحاب السعير، وأصحاب المشأمة، وأصحاب الأيكة الظالمين، ليحكي القرآن، حكايات طويلة عن الأصحاب، ومصائر الصحبة، حتى حكى لنا في سورة الكهف: ((فقال له صاحبه، وهو يحاوره، أنا أكثر منك مالا)).

والحق، أن المستشار الهمة، عمل بنصائح الفقهاء وأصبح فعلا يتقمص شخصية المستشار الملكي، رغم أنه يعرف، أن لا وجود في الدستور، لمهمة مستشار.

إلا أن الحكم الصادر مؤخرا، بطلب من المستشار الهمة(…) بأن يؤدي المتقاعد عبد الله القادري، أربعمائة مليون عقابا له على تصريح أدلى به، رغم ما نشر قبل هذه المحاكمة من اعتذاره، وجرى ورغب وترجى، أن يتنازل السي فؤاد عن دعواه، فإن سكوت الصحافيين عن التعليق على هذا الحكم المخيف، ليس تنازلا عن هذا الضابط المتقاعد، الذي لا أظن أن الكثيرين يتضامنون معه، أو أن أصحاب فؤاد الهمة، أكثر من أصحابه، لأن سكوت الصحفيين، كان من باب الخوف، والرعشة.. خصوصا بعد أن سارع محامي الهمة، الأستاذ محمد الطيب عمر، إلى الإمساك بصيغة هذا الحكم، الذي صدر في استعجال أمام المحكمة، لم يسبق له نظير(…) وحول المحامي هذا الحكم إلى سوط، في وجه الصحفيين، ليفهموا(…) الغاية من هذا الحكم الأول من نوعه في تاريخ الصحافة، ويقول المحامي وكأنه لا يقنع بالأربعمائة مليون: ((إن المغرب يقضي بتعويضات مناسبة مقارنة بنظيره في دول كثيرة)) ونحن نذكر أن الملك الحسن الثاني العظيم، طلب عندما رفع قضية ضد جريدة لوموند: بدرهم رمزي، ولكن الأستاذ الطيب عمر، يصر على توجيه الميساج(…) إلى الصحفيين المغاربة، وربما كان القادري مجرد استهلال.. ومن يدري مجرد مقدمة.

((الإعلام مسؤول عندما ينسب واقعة غير صحيحة من شأنها أن تمس بشرف أو اعتبار مسؤول سياسي(…) أو قضائي أو إداري، لأن تراكم الادعاءات الشائنة المنسوبة إلى القائمين على الشأن العام(…) يوما بعد يوم، وواقعة بعد أخرى، يخلق لدى الرأي العام فكرة أن من يتولون شأن التسيير العام(…) غير صالحين. الأمر الذي، إن كان ينتقص من مكانتهم، فإن له انعكاسا خطيرا على مستقبل الأمن(…) والاستقرار، إن على المدى المتوسط أو البعيد(…))) (الطيب عمر. الصباح عدد 7 دجنبر 2013).

الذين تتبعوا استجوابات الثرثار(…)، عبد الله القادري، يجزمون بأن ما أثار الغضب عليه: إما الحديث عن خبايا موت الجنرال الدليمي(…) أو الحديث عن ظروف تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، وحتى نص الشكاية لم يشر لا من قريب ولا من بعيد، إلى هاته العناصر التي سطرها المحامي الطيب، حدودا فاصلة بين الخبر والتعليق، رغم أن الملك محمد الخامس قال: الخبر مقدس والتعليق حر، وتحليل سليم لتصريحات القادري، يكشف أن الأمر مجرد أخبار.

ولم يثبت في تاريخ العباسيين، المرصع بالرؤوس المقطوعة على أطراف القصور، أن هارون الرشيد قطع رأس المواطن الذي أمضى إليه رسالة كلها أخبار.. يقول فيها للملك العظيم: ((يا هارون، جلست على السرير، ولبست الحرير، واسبلت سترا دون بابك، وتشبهت بالحجبة لرب العالمين ثم أقعدت أجناسا الظلمة دون ستر، يظلمون الناس ولا ينصفون، يزنون ويحدون الزاني، ويشربون الخمر ويحدون شاربها، ويسرقون، ويقطعون يد السارق، أفلا كانت هذه الأحكام عليك)) (تاريخ العباسيين. ابن وادران).

وإذا كان المستشار فؤاد الهمة، ليس عمليا قائما على الشأن العام، وليس مسؤولا سياسيا، ولا قضائيا، ولا إداريا، ولم تنشر يوما في حقه أية ادعاءات شائنة، فلماذا التلميح في حق الكتابات الصحفية، في حق الآخرين، بأنها تشكل خطرا على مستقبل الأمن(…) والاستقرار(…)، إلا إذا كان الأمر يتعلق بتنبيه، شيء به(…) أن يكون تدشينا لعهد صحفي، نعود فيه إلى الأيام الخوالي، التي كان يرمى بها في السجون، كل من يعبر عن رأيه.. بتهمة المس بالأمن العام، ولم ينس قراء التاريخ، عهد مستشار الملك لويس السادس عشر سنة 1775، الجبار “روبيير” الذي ((أصدر قانون التشكيك بعد أن أصبح الرجل الأول بعد الثورة، وهو قانون ينص على أن الإعدام يطال الناس إما بتصرفاتهم(…) أو علاقاتهم(…) أو كلماتهم(…) أو كتاباتهم(…))) (تاريخ الثورة الفرنسية. مجدي كامل).

أم أن وزير الاتصال الخلفي في حكومة الدستور الديمقراطي، مطالب بأن يدرج في مقررات المعهد العالي للصحافة، تاريخ ابن المقفع، الذي بعد أن ضربه الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد العباسيين، ضربه على يديه التي تكتب حتى تقفعت(…) فسمي ابن المقفع، لأنه كتب: ((السلطان يجب أن يجعل في حاشيته أهل الدين والمروءة، ولا يفرط في الغضب، ولا يسرع في الرضى)) فاضطر ابن المقفع إلى التوقف عن الكتابة، لكنه اختار كتابا هنديا للفيلسوف بيدبا وترجمه بعنوان “كليلة ودمنة”، ليجعل الحيوانات تتكلم نيابة عن البشر، الممنوعين من الكتابة.

وعندما يقول محامي المستشار الهمة، بأن الدول الأخرى، تحكم في مثل هذه الحالات، بتعويضات أكبر من أربعمائة مليون، فإنه ربما ينسى، أن موكله سي فؤاد، كان من بين الموافقين على تخصيص دعم مالي سنوي للصحافة لأنه يعرف أن رقم أربعمائة مليون، ربحها محام الدعوى في نقاش أمام المحكمة دام ثلاث ساعات – حسب تصريح المحامي – فإن القاضي الذي نطق بهذا الحكم، هو وحده يعرف خبايا المبررات، وهو الذي كان من بين الذين وصلتهم بعد تعميمها تعليمات الوزير السابق في العدل المرحوم محمد الناصري، الذي وضع حدا لهذه التجاوزات المليونية في قضايا الصحف، وأوصى بأن لا تتعدى العقوبات الخمسة ملايين سنتيم في أعلاها، مادام الاستمرار في هذه الأساليب، أو الرجوع إليها، يؤكد لهفة المشتكين، بصيغة لهفة الجائعين، أو تطلعاتهم إلى التصرف بأساليب كانت في القرون الوسطى، تعرف بالرغبة في الاستغناء الحرام، على طريقة البرامكة الذين استغنوا حتى أصبح جعفر البرمكي بحكم سلبه لأموال الناس، أغنى من هارون الرشيد نفسه الذي أملى على كاتبه: ((أو يشكي جعفر البرمكي الضعف، وهو الذي اختار المال والجاه وشيد القصور والضياع، حتى كنت لا أمر بضيعة أو بستان، إلا قيل لي: هذا لجعفر البرمكي.. وقد كنت أنا الملك أحتاج لقليل من المال، طلبت مرة من جعفر البرمكي عشرة آلاف درهم فاعتذر لي)) (كتاب هارون الرشيد. محمد أبو رحمة).

لعل الناس يعرفون مصير جعفر البرمكي، ويعرفون مقولة الشاعر:

وإذا بدت للنمل أجنحة          حتى يطير .. فقد دنا عطبه

3 تعليقات

  1. الله يعطيك الصحة

  2. من اجمل ما قرأت
    كل من قرا لمصطفى العلوي يتعلم بطريقة غير مباشرة الوطنية الحقيقية والغيرة على بلده، اضافة للمحتوى التاريخي الرائع،المنهول بحجج وعبر من امهات الكتب.

  3. ta7iyiati lik ostadona,
    j’Aime lire tes articles, mais tu parle toujours des princes, des hommes forts des regimes mais jamais des , peoples, la masse 3lachd,

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!