في الأكشاك هذا الأسبوع
عثمان بنجلون

ملف الاسبوع | حكاية جريمة القتل المنسية التي تلاحق الملياردير عثمان بنجلون

الأسبوع – سعيد الريحاني

دخل اللصوص المدججون بالأسلحة فجأة إلى أحد الأبناء بغرض السطو، لكن هم كانوا أكثر ذكاء من أن يرتكبوا أي جريمة بالموازاة مع فعل السرقة، فقد صرخ أحدهم موجها كلامه إلى الزبناء الموجودين داخل البنك: “لا تتحركوا المال ملك للدولة وحياتكم ملك لكم”.

فأقنع الجميع على الاستلقاء فوق الأرض بكل هدوء.. وهذا ما يسمى “مفهوم تغيير التفكير”. وعندما عاد اللصوص إلى مقرهم.. قال اللص الأصغر عمرا “والذي يحمل شهادة ماستر في إدارة الأعمال” لزعيم اللصوص، وكان أكبرهم سنا وقد أنهى 6 سنوات تعليم في المدرسة الابتدائية: يا زعيم دعنا نحصي كم من الأموال سرقنا.

فقام الزعيم بنهره وقال له: “أنت غبي جدا! هذه كمية كبيرة من الأموال، وستأخذ منا وقتا طويلا لعدها.. الليلة سوف نعرف من نشرات الأخبار كم سرقنا من الأموال!

وهذا ما يسمى “الخبرة”.

بالموازاة مع هذه التطورات وبينما غادر اللصوص البنك، قال مدير البنك لمدير الفرع، اتصل بالشرطة بسرعة، ولكن مدير الفرع قال له: “انتظر دعنا نأخذ 10 ملايين دولار ونحتفظ بها لأنفسنا ونضيفها إلى الـ70 مليون دولار التي قمنا باختلاسها سابقا!

وهذا ما يسمى “السباحة مع التيار”.

في اليوم التالي، ذكرت وكالات الأخبار أن 100 مليون دولار تمت سرقتها من البنك، فقام اللصوص بعد النقو، عدة مرات، وفي كل مرة كانوا يجدون أن المبلغ هو 20 مليون دولار فقط، فغضب اللصوص كثيرا، وقالوا نحن خاطرنا بحياتنا من أجل 20 مليون دولار، ومدير البنك حصل على 80 مليون دولار من دون أن تتسخ ملابسه… وفي تلك الأثناء كان مدير البنك يبتسم سعيدا لأن خسائره في سوق الأسهم تمت تغطيتها بهذه السرقة (المصدر: الحكاية كما هي منشورة في مئات المواقع).

بغض النظر عما إذا كانت هذه الحكاية المتداولة على نطاق واسع حقيقية أم مزيفة، وبغض النظر عما إذا كانت قد وقعت في الصين فعلا، خلال عملية سطو في كوانغتشو، فإنها تعطينا فكرة على ضرورة التمييز بين أنواع اللصوص، فاللصوص الحقيقيون قد يكونون هم أولئك الأشخاص الأنيقين الذين نلتقيهم، أو نتعامل معهم كل يوم، في المؤسسات(..).

في المغرب أيضا حكاية لا تقل تشويقا عن مسلسلات رمضان أو أفلام الأكشن الأمريكية، وهي حكاية زبون من العيار الثقيل، قتله مدير البنك المغربي للتجارة الخارجية في مكناس سنة 1990، بهدف الاستيلاء على ملاييره، وهو البنك الذي يوجد على رأسه الملياردير المغربي عثمان بنجلون، الذي تصنفه كبريات الصحف العالمية المتخصصة في الاقتصاد، ضمن المراتب الأولى لأغنى أغنياء إفريقيا باعتباره الفاعل الأول في المملكة في قطاع التأمين والأبناك بثروة صافية حجمها 3.1 مليار دولار، إلى جانب كل من النيجيري “أليكو دانغوتي” بثروة صافية تقدر بـ16.1 مليار دولار جمعها بالأساس من استثماراته في قطاع الإسمنت والسكر والدقيق، والمصري ناصف ساويرس أحد أهم المستثمرين في قطاع البناء بثروة قدرها 6.5 ملايير دولار..

المرحوم أوكريد ابراهيم

المرحوم أوكريد ابراهيم

هي جريمة قتل منسية، لكن “الأسبوع الصحفي” كانت الجريدة الوحيدة التي واكبتها منذ بدايتها، لذلك لا يحتاج المرء أكثر من العودة إلى الأرشيف لتركيب القصة التي لا شك في أنها تقلق راحة عثمان بنجلون، الذي ظلت تطارده روح الضحية “إبراهيم أوكريد”.

تعود قصة الملياردير الفكيكي إلى ما يناهز 26 سنة، عندما أبدع مدير فرع البنك المغربي للتجارة الخارجية بمكناس، واسمه عبد المجيد بنسودة، سيناريو متكاملا لعملية اغتيال بشعة لزبونه، بحيث استدرجه إلى إحدى الشقق ثم أطلق عليه الرصاص غير آبه بآخر الكلمات التي كان ينطقها وهي “العار”، ولأن الجريمة كانت مرعبة بحق فإن تفاصيل المحاكمة التي شهدتها مدينة الدار البيضاء، كشفت جوانب خطيرة وخفية مرتبطة بعملية الاغتيال.

ويكشف النبش في تفاصيل الماضي أن اغتيال الملياردير إبراهيم أوكريد وسائقه الخاص، المواطن إدريس أفريض، سنة 1991، لم يكن جريمة عادية بل إن الجاني الذي لم يكن سوى صديقا غادرا، وهو مدير الوكالة البنكية التابعة للبنك المغربي للتجارة الخارجية التي دأب أوكريد على إيداع أمواله فيها (تقدر بالملايير وليس الملايين)، وهو نفسه من تولى تصفية زبونه من أجل المال واستعان بشريكين هما: جمال وأحمد، وضعا جثتي القتيلين في أكياس بلاستيكية بكل برود، بعد أن نظفا مسرح الجريمة بالتيد وجافيل (الأسبوع الصحفي، عدد الخميس 2 ماي 2013).

وأخطر من هذا كله، أولئك الرجال الثلاثة الذين استحضرتهم العصابة مقابل مأتي درهم للواحد ليحفروا القبرين داخل فيلا بحي الوازيس بمدينة الدار البيضاء، ويدفنان جثتين في الساعة الثانية عشرة ليلا، ويصبون عليهما الإسمنت، ثم يغسلون أيديهم، ويقبضون مأتي درهم، دون أن يستيقظ لدى أي واحد منهم حس من ضمير أو خوف من الله (الأسبوع الصحفي السياسي، عدد 10 ماي 1991).

Controle PDF 843

ليس هذا فحسب، بل إن “الأسبوع” أكدت في وقت سابق على أن القاتل عبد المجيد بنسودة، لجأ إلى خبير في شؤون الاغتيالات، والأسلحة المغربي ذائع الصيت الذي كان يقيم في بيروت، مقابل عمولة تقدر بنصف مليار سنتيم (الأسبوع الصحف، عدد 17 ماي 1991).

لا يقف المسلسل المغربي في هذه الحالة، بل إن ما حدث بعدها يكاد يشبه السيناريو المكتوب لغرض سينمائي، وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى مسار عائلة أوكريد (الورثة) داخل دهاليز المحاكم، وما تكبدوه من سنوات ضائعة وملايين السنتيمات المهدورة في إطار “الرسوم القضائية وتدحرجهم من محكمة لأخرى، ومن قاض إلى قاض، ومن محام إلى محام لمدة 20 سنة، يجعل التساؤل حول خبايا ما يجري ويدور سؤال وجيها ومشروعا.

“فقد طرقت العائلة أبواب المحكمة مند سنة 1991  من أجل استرجاع ما يزيد عن 7 ملايير ونصف كانت موضوعة لدى البنك في شكل سندات الصندوق وسندات الخزينة ومختلفات تركها الهالك غير أنها – الأسرة – اصطدمت منذ البداية بدهاء محاميي عثمان بنجلون الذين استطاعوا أن يضمنوا بقاء ملايير أوكريد في حسابات البنك… كان واضحا أن استرجاع أموال الوالد مهمة صعبة منذ بداية القضية بعد شكاية تقدم بها البنك المذكور في مواجهة مستخدمه عبد المجيد بنسودة، يتهمه فيها بخيانة الأمانة والنصب، وهذه التخريجة القانونية التي زكاها المجلس بتاريخ 9 دجنبر 1993 تعني بكل بساطة أن أموال الورثة ذهبت مع أدراج الرياح.. أمام هذا المعطى الجديد، وبعد رفض قبول الطعن بالنقض الذي تقدم به الطيب الناصري عندما كان محاميا اتجه الورثة صوب المحكمة الابتدائية بأنفا وتكبدوا عناء أداء رسوم قضائية بلغت 707.910.00 درهم +75.000، وذلك من أجل فتح باب جديد للأمل وهو ما تأتى لهم فعلا بعد أن أمر القضاء بإجراء خبرة حسابية أسندت للخبير “عبد العالي الخدير”، حسب حكم تمهيدي صدر بتاريخ 14 نونبر 1997 أي بعد 6 سنوات من “الطلوع والهبوط”.

هذا الخبير أعد تقريرا أكد من خلاله أن البنك المغربي للتجارة الخارجية مدين بودائع وصلت في مجموعها إلى ما يزيد عن 7 ملايير ونصف (75.792.000.00 درهم)، فضلا عن الفوائد البنكية غير المحتسبة قضت المحكمة بإرجاعه كاملة مع احتساب الفوائد البنكية منذ 1989 (المصدر: أرشيف الأسبوع).

من حيث الشق النظري، حيث يبدو الورثة منتصرين من الناحية القانونية والقضائية على البنك، بل إن الصحف كتبت في كثير من الأحيان أن أملاك عثمان بنجلون المرتبطة بالبنك تعرضت للحجز، “ففي تطور مثير لملف راح ضحيته ملياردير معروف قتله مدير مركزي بالبنك المغربي للتجارة الخارجية طمعا في ثروته، انتقلت القوات العمومية مرفوقة بمفوض قضائي، مؤخرا، إلى المقر الرئيسي للبنك المغربي للتجارة الخارجية من أجل الحجز على دين بذمته لورثة رجل الأعمال الذي كان يملك سلسلة فنادق وشركات صناعية معروفة.. وعلمت الجريدة من مصادر متطابقة أن الحجز لم يستهدف فقط المقر الرئيسي للبنك بشارع الحسن الثاني بالدار البيضاء، بل شمل 5 وكالات بنكية، إذ حرص المفوض القضائي على حجز أزيد من 480 حاسوبا وأكثر من 470 طابعة، إضافة إلى 483 مكتبا و369 خزانة وعددا كبيرا من الكراسي، غير أن عملية الحجز توقفت في آخر لحظة بعد اتصالات هاتفية تلقاها المفوض القضائي، الذي التقى مسؤولين بالبنك المغربي للتجارة الخارجية لإيجاد تسوية للموضوع وتسلم المفوض شيكا بنكيا يتضمن 3 ملايين درهم، هي جزء من الدين في انتظار تسوية باقي المبلغ الذي يفوق 17 مليار سنتيم (المصدر: جريدة المساء).

هذا من حيث الصحافة، يبدو عثمان بنجلون وكأنه على حافة إفلاس كبير، أما من حيث الواقع فكل ما تتوفر عليه العائلة هو ركام من الأحكام حائزة لقوة الشيء المقضي به وغير منفذة، كما تؤكد ذلك رسالة رفعتها المحامية زينب الصنهاجي لوزير العدل.

بن جلون رفقة بن كيران وجطو ٠٠٠هل تتحرك الحكومة بعد ان  وصلها الملف

بن جلون رفقة بن كيران وجطو ٠٠٠هل تتحرك الحكومة بعد ان وصلها الملف.”.

تقول المحامية الصنهاجي: “إن المرحوم أوكريد ابراهيم، يعتبر من ضمن المواطنين الذين جاهدو لفائدة الاستقلال، وبعد ذلك جاهدوا وفقا لما أكده المرحوم جلالة الملك محمد الخامس على ضرورة المرور من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، أي المرور من الاستقلال السياسي أو المدني إلى الاستقلال الاقتصادي بالعمل، والاستثمار والمثابرة، فإن الهالك إبراهيم أوكريد تفاني في ذلك بالاستثمار على الخصوص في الميادين التي لها أثار مباشرة، على خلق مناصب الشغل ونمو الاقتصاد الوطني وجلب العملة الأجنبية.. وأنه في إطار الادخار الذي تنادي به السلطات العليا بالبلاد، قام بإيداع مبالغ مادية ضخمة تناهز 100 مليار.. لكنه فوجئ بالاستيلاء على أهم جزء من المبالغ إلم تكن بكاملها، واتضح أن ذلك تم تدبيره من وإنجازه من طرف مدير الفرع الذي تتواجد به أموال وحسابات الهالك بمكناس، وفور مطالبته للمدير المذكور بمراجعة حساباته والأموال المدخرة، عمل هذا الأخير بشكل احتيالي على إقناع الهالك بزيارته في مقر إقامته في يونيو 1990، وفور وصول الهالك إلى المنزل فلح نفس الشخص في تنفيذ جريمة قتل في حق أوكريد وسائقه..”.

تؤكد نفس المحامية: “لقد ثبت بشكل قضائي، ونهائي جريمة القتل وأسبابها، التي كانت تقتصر على الاستيلاء على أموال الهالك التي تم اختلاسها وهو ما صدر فيه قرار استئنافي جنائي… ورغم المواقف التعسفية والمحاولات اليائسة من طرف البنك المغربي للتجارة الخارجية الذي يعتبر أحد المستفيدين من الجريمة الشنعاء المقترفة في حق الهالك، فإن القضاء المغربي تصدى لكل ذلك وقضى لفائدة المنوب عنهم بتعويض مدني.. لكن ستلاحظون السيد الوزير أن البنك المغربي للتجارة الخارجية مازال يعمل جاهدا على تفعيل آليات لا أساس لها من حيث الواقع ومن حيث القانون، وكأنه هو جهاز تشريع وجهاز تنفيذ والطرف والحكم والمستفيد والمحكوم إلى عليه..”.

كل من سيقرأ رسالة المحامية، التي وجدت نفسها ولا شك في مواجهة كتيبة محاميي بنجلون، المتخصصين في الفتاوي (..)، سيتبادر إلى ذهنه سؤال: هل عثمان بنجلون رجل فوق القانون؟ ويكفي أن نقرأ في هذا الصدد صرختها بالنيابة عن العائلة: “إن المنوب عنهم، يجدون أنفسهم بشكل غريب أمام ليس الباب المسدود بل الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون، وكأن المقررات القضائية صادرة باسمهم، وكأن المستفيد من المقرر القضائي لا حق له في تنفيذه خلافا لما يعملون عليه، كلما تعلق الأمر بمصالحهم..”، فهل سيتدخل الوزير ليفتح هذا الملف؟

error: Content is protected !!