في الأكشاك هذا الأسبوع

الدول التي اعتمدت على استراتيجية التعتيم انهارت… ألغاز ثورة “ويكيليكس” التي تتربص بالمغرب

الاسبوع – سعيد الريحاني

في وقت غير متوقع، نشر موقع “ويكيليكس” يوم الجمعة 19 يونيو الجاري، أكثر من 60 ألف وثيقة مسربة من الخارجية السعودية، وشملت التسريبات حتى الآن حسب ما هو متداول إعلاميا، عدة وثائق تكشف: 1- كيفية تنفيذ الرياض لسياستها في ملفات إقليمية ودولية عبر استخدام الأموال والعامل الديني، 2- تمويل السعودية لوسائل إعلام عربية بغية محاربة خصوم المملكة ومواجهة إيران، 3- دفع مبالغ نقدية لأحزاب وشخصيات سياسية تنتمي لعدة الدول، علما أن مجموعة من الوثائق لها علاقة بالمغرب في بعض الحالات، طالما أن التسريبات شملت أيضا مراسلات دبجها القائمون على مقر سفارة السعودية في الرباط.

لذلك لم يكن غريبا أن نقرأ خلال الأيام القليلة الماضية أخبارا من قبيل: وشاية المغرب للسعودية بأن روسيا وإيران وراء حملة إعلامية ممنهجة ضدها، أغلبية الوثائق المخصصة للمغرب عبارة عن طلبات زواج من مغربيات، المغنية أسماء لمنور في وثائق ويكيليكس، المغرب علم بوجود اليد اليمنى للقذافي فوق ترابه وتغاضى عنه..

بغض النظر عن السعودية والمغرب فإن جزءا من غموض وخطورة موقع “ويكيليكس” مرتبط بالأحداث التي واكبت التسريبات خلال السنوات الأخيرة في إطار ما عرف بالربيع العربي، كما أن جزءا من الغموض مرتبط بشخصية “وليان أسانج” الهاكر الصحفي والناشط ومبرمج الأنترنيت، بحيث: “يعصى على الصحافيين العاملين مع جوليان أسانغ فهمه، لأنه يرفض الرضوخ للأدوار التي يتوقعون منه أن يؤديها، فهو مصدر تسريب متى ناسبه الأمر، ويتقنع بالسخرية كناشر وكنقابي صحافي حين يكون ذلك لمصلحته، ومثله مثل وكيل علاقات عامة، فإنه يتلاعب بالمؤسسات الصحافية لمضاعفة الدعاية لـ”زبنائه”، وحين يجد نفسه مضطرا ماكرا لا يهدأ، ومفاوض قلب، يعنى دائما بتغيير بنود الاتفاق” (كتاب ظاهرة ويكيليكس/ عن المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية).

ما هو هدف موقع “ويكيليكس”؟ وهل المستهدف السعودية وحدها؟ هل نحن أمام موجة ثانية من الثورات؟ وهل جاء ذكر المغرب اعتباطا؟ كلها أسئلة تطرح بالتزامن مع نشر التسريبات الجديدة، حيث يقول بعض الصحافيين في تغطياتهم: “لقد حان الدور على السعودية لتنال حظها”.

“في تاريخ 27 نونبر 2010، بدأ موقع ويكيليكس الذي يدعي أن من أهدافه العمل على تسريب أكبر قدر من المعلومات المخفية عن الجمهور، بالاشتراك مع صحف عالمية معروفة مثل الغارديان في بريطانيا، ودير شبيغل في ألمانيا، والباييس في إسبانيا، ولوموند في فرنسا، ونيويورك تايمز في الولايات المتحدة الأمريكية.. نشر الدفعة الأولى من أصل أزيد من 250 ألف برقية جرى تسريبها، وهي عبارة عن مراسلات بين 274 سفارة أمريكية في العالم ووزارة الخارجية الأمريكية، وكانت نسبة 7 في المائة من هذه البرقيات مصنفة تحت خانة سري جدا، ونسبة 40 في المئة تحت خانة سري للغاية، ونسبة 54 في المائة غير مصنف، وقد نقل هذا الكم الهائل من التسريب موقع ويكيليكس إلى أضواء الشهرة الإعلامية، بعد أن كان إلى ذلك حين موقعا مغمورا انطلق على صفحات الأنترنيت عام 2007، فحقق سبقين؛ أولهما: الكم الهائل من الأوراق المسربة والسهولة النسبية لعملية التسريب، ثانيهما: هو أن ويكيليكس قدم هدف التسريب على أسس مبدئية” (المصدر نفسه).

wikileaks_101206_0020

وقد أكد عدد من الباحثين المشاركين في الدراسة الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن الموقع المذكور كظاهرة: “ظاهرة ويكيليكس، جدل الإعلام والسياسة بين الافتراضي والواقعي”، وحسب المصدر نفسه “فهذه الظاهرة لا تقتصر على ويكيليكس، بل تشمل المواقع المماثلة التي انبثقت منه، أو من خارجه. ويطرح افتراض أن ويكيليكس ظاهرة ضرورة النظر إلى عدد من الأمور: البيئة الحاضنة، والسياق التاريخي، والمعنى الاجتماعي والسياسي”.

الباحثون أنفسهم يؤكدون أنه يصعب تناول “ويكيليكس” باعتباره ظاهرة، من دون رؤيته في إطار علاقات جدلية (تأثير وتأثر) مع المؤسسات الصحافية السائدة التي أدت دور الوسيط للوثائق المسربة بين المصدر والويكيليكسي والجمهور، ومع السلطة، وهي علاقات تعطي “ويكيليكس” معناه الاجتماعي والسياسي..

ولمعرفة خطورة “ويكيليكس” على استمرار بعض الأنظمة، يكفي إلقاء نظرة على قصة الثورة التونسية على سبيل المثال، كما ورد في الدراسة السالفة الذكر: ففي نهاية شهر نونبر من سنة 2010، تداولت وسائل الإعلام العالمية والعربية الوثائق التي نشرتها منظمة ويكيليكس، وتضمنت عدة معطيات في شأن النظام التونسي، وعلى الرغم من تعتيم الإعلام على هذه الوثائق إلا أن التونسيين تمكنوا من الاطلاع عليها بواسطة الصحافة الإلكترونية، والمدونات، وصفحات “الفيسبوك”، والقنوات الفضائية (الجزيرة على الخصوص)، هكذا ساهمت تسريبات ويكيليكس، بشكل ما، في إفساد صورة النظام التونسي، لأنها أكدت ما كان يعلمه التونسيون عبر الإشاعة عن استشراء الفساد. إن عملية المساهمة في تخريب صورة النظام هي التأثير الأهم لـ”ويكيليكس” الذي لا يمكن الاعتراض عليه، على عكس ما ادعاه بعض المطلعين من أن وثائقه قامت بدور مباشر في إطاحة النظام.. وبعد أسابيع قليلة من هذه التسريبات، انطلقت الاحتجاجات في الولايات الداخلية (سيدي بوزيد والقصرين) بعد أن أضرم محمد البوعزيزي النار في نفسه، وكان الشباب المحتج يواجه في آن واحد قوات الأمن في الشارع، ومنظومة الإعلام السلطوي التي كانت تعتم على الاحتجاجات من خلال نفيها إعلاميا.

ولعل التعتيم كما يظهر من خلال هذه القصة هو أكبر خطإ ارتكبه الإعلام الرسمي التونسي، “فقد وظفت الاستراتيجية الإعلامية المضادة التي اتبعها المحتجون أدوات الاتصال اليومي (الهاتف الجوال) لتصوير الاحتجاجات ثم نشرها على شبكة الفيسبوك، في إطار مجموعات افتراضية تشكلت لغرض إخبار التونسيين والعالم بما يعمل الإعلام الرسمي على نفيه، وعندما لاحقها النظام بالحجب أو التخريب اعتمدت هذه المجموعات طرقا بديلة لإتاحة صفحاتها، ومع تطور الاحتجاجات بدأ يتناقل التونسيون هذه الفيديوهات الممنوعة من خلال تقاسمها خصوصا عبر خدمة البريد، وبالتوازي مع كل هذا اعتمدت القنوات الفضائية العربية والعالمية (الجزيرة خصوصا) هذه الفيديوهات كمادة إعلامية تعالج من خلالها الاحتجاجات الميدانية، ما سمح للتونسيين بالاطلاع على ما كان يخفيه الإعلام الرسمي.. على هذا النحو ساهمت الميديا الجديدة، في عملية التمثيل الإعلامي للأحداث، فتجلى العنف الفظ الذي كان يستخدمه النظام لمواجهة الشباب المحتج.. هكذا تكون الميديا الجديدة قد خربت استراتيجية التعتيم التي كان يعتمدها الإعلام الرسمي.

في هذا الإطار، يؤكد الصادق الحمامي أحد المشاركين في الدراسة (المصدر نفسه)، على ما يمكن أن نسميه الخطأ القاتل الذي ارتكبه النظام في مواجهة التسريبات، “فقبل أسبوعين من سقوط النظام، أطلقت مجموعة أنونيمس التي تدافع عن الحريات الافتراضية، حملة تونس التي تمثلت في تعطيل عدد مهم من المواقع الحكومية والإعلامية الرسمية، في نفس الأثناء تعاظمت المعالجة الإعلامية للأحداث.. أما الإعلام الرسمي فقد انتهج استراتيجية التعتيم/ استراتيجية التهوين من خلال اعتماد التأويل التقليدي، باعتبارها من صنع مجموعات مناوئة تتلاعب بمطالب مشروعة، هكذا فقد النظام تدريجيا رهان التمثيل الإعلامي للأحداث في معركة اعتمد فيها على استراتيجية التعتيم والتهوين في مواجهة استراتيجية التشهير التي اعتمدتها مجموعات شبابية دون تنسيق مركزي..”.

هكذا إذن يتضح أن قوة “ويكيليكس” تكمن في الشق الإعلامي، في إطار ما بات يعرف بالميديا الجديدة، لأجل ذلك يؤكد نفس المصدر “أن قدرة الميديا الجديدة على تخريب منظومة الإعلام السلطوي، وتشكيلها للمجال العمومي البديل ليست تأثيرا ميكانيكيا، بل هي إمكان كامن فيها يفعله السياق أو يعطله، بتعبير آخر.. إن دينامية التخريب هي نتاج للتفاعل بين المستخدمين والميديا الجديدة، وتطبيقاتها وما تتيحه من أشكال جديدة للتعبير والنفاذ للمعلومات من جهة أولى، والتنافر بين منطق منظومة الإعلام السلطوي الذي تستند إليه الإدارة السياسية ذات الطبيعة الأبوية (الجديدة) للمجتمع من جهة وحراك المجتمع من جهة ثانية، هكذا تخرب الميديا الجديدة منظومة المصدر الواحد (الزعيم السياسي، والنظام المتمركز حوله)، وتشكل عالما متعدد المصادر والأصوات والخطابات والصور، حيث للمواطنين الحق في الظهور وفق منطق فردانيتهم وتنوعهم وكثرتهم (المصدر نفسه).

يتأكد من خلال الدراسة المشار إليها أعلاه أن عودة “ويكيليكس” من أجل مهمة جديدة، بإمكانه أن يخلق الحدث من جديد وربما قد يتسبب في ثورات أخرى في إطار الموجة الثانية مما يسمى بالربيع العربي في ظل المتغيرات الراهنة، “فما كانت ظاهرة ويكيليكس لتحظى بهذا الزخم لولا تفاعلها مع ظواهر أخرى (سياسية، واقتصادية، وإعلامية، وتقنية، ورمزية.. إلخ)، مترابطة في ما بينها بعلاقات سببية دائرية، مشكلة نسقا اتصاليا، غدا العالم معه مجموعة طبقات اتصالية تغلف إحداهما الأخرى، بلا نواة، وغدا الإنسان فيه بلا داخل، محكوم كليا بالخارج، أي بالأنظمة الاتصالية الموصول بها، هذا لا نسق الاتصال، وإذا كانت تنبثق من منه باستمرار أنساق جديدة منضبطة ذاتيا محكومة بمفارقات متعددة (مستقلة، وتابعة، ومنظمة، وعالمية، ومستعملة)، إلا أنه يتميز بقدرته على مقاومة التحولات التي قد تصيبه، فهو يفرز آليات تصحيح الخلل من داخله، ويبني على الشيء مقتضاه، مستعينا بمختلف الوسائل، بما فيها نظريات الفلاسفة والمفكرين..”.. بمعنى آخر ترافقت المنظومة التكنولوجية الاتصالاتية الراهنة مع جملة تحولات طرأت على طبيعة العمل الإعلامي، وعلى طبيعة العمل السياسي، وعلى طبيعة الاقتصاد، بل على طبيعة الفرد وعلى طبيعة الإيديولوجيات عينها”، حسب ما ورد في الدراسة، الأمر الذي يجعل “ويكيليكس” ليس موقعا فحسب بل بمثابة ثورة متربصة بالدول، ليطرح السؤالان: هل استعد المغرب للموجة الثانية من تسريبات “ويكيليكس”؟ وماذا لو أصبح المغرب هدفا مباشرا؟

error: Content is protected !!