في الأكشاك هذا الأسبوع
نموذج للانفلات الذي قد تتسبب فيه وزارة التربية الوطنية.. الأمن الوطني يحاول تطويق مظاهرة للتلاميذ

رئيس الحكومة يتحدث عن عمل مدبر وخيانة للوطن.. فمن يسمعه؟

الاسبوع – سعيد الريحاني

طرح “روبرت دال” في سنة 1952، وهو أستاذ أمريكي في العلوم السياسية سؤال: من يحكم الولايات المتحدة الأمريكية، فتوصل إلى خلاصة مفادها أن من يحكم ليس هو الدستور ولا هو الرئيس ولا هو الكونغرس ولا هي المحكمة الفيدرالية، بل مجموعات المصالح هي الحاكم الحقيقي، حسب ما يؤكده الأستاذ الجامعي محمد غالي.

في المغرب، يمكن أن نطرح هذا السؤال على هامش فضيحة تسريب امتحانات البكالوريا، وربما تكون نتيجة الجواب أسوأ مما تم التوصل إليه في أمريكا، فقد قال رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران ولا شك في أنه يعي ما يقول، وربما يملك معلومات خطيرة بحكم وظيفته ما يلي: “إن تسريب أسئلة امتحان بالبكالوريا يتجاوز مسألة المخالفة البسيطة، إلى حد اعتباره أنه عمل يصل إلى درجة خيانة الوطن”.

وأضاف بن كيران الذي كان يتحدث خلال مجلس حكومي وليس في تظاهرة شعبية(..) إن “الخائن لن نتسامح معه، لأن التسامح الذي تعيشه البلاد ليس ارتخاء، والدولة ستكون صارمة غاية الصرامة في تطبيق القانون” (المصدر: موقع العربي الجديد، بتاريخ 11 يونيو 2015)، ويظهر أن رئيس الحكومة لم يفضل الحديث عن حالات الغش، كما هو معمول به في دول مشابهة وفي حالات مشابهة، بل فضل إعطاءه أبعادا أخرى، ليطرح تساؤل: من هم هؤلاء الخونة الذين يعيشون بيننا والذين يمتلكون قنوات الوصول إلى المعلومات السرية، حتى يتم نشرها، ببساطة للعموم.

فقد “شكلت دورة يونيو 2015 لامتحانات البكالوريا لهاته السنة، استثناء في تاريخ هذه المحطة، بالنظر إلى تطور أشكال الغش التي اتخذت صيغا أخرى، لا تقف عند حدود تعميم المواد التي يمتحن فيها المترشحون والمترشحات، بعد لحظات من انطلاق الامتحان، بل امتدت لتنشر اختبارا كما هو الشأن بالنسبة لمادة الرياضيات ساعات قبل موعده، ضد كل التصريحات الرسمية لوزارة التربية الوطنية والإجراءات والتدابير التي أعلنت عن اتخاذها، من أجل محاربة الغش ضمانا لتكافؤ الفرص بين المترشحات والمترشحين، الأمر الذي يعتبر فضيحة بكل المقاييس تعكس واقع التعليم المغربي الذي يحتل المراتب الدنيا في سلم ترتيب باقي الدول” (جريدة الاتحاد الاشتراكي الناطقة باسم حزب الاتحاد الاشتراكي).

يمكن القول إن الفقرة أعلاه تعبر عن رأي الحزب الاتحادي الذي يوجد في المعارضة، وهو موقف لا يقل من حيث الانتقاد للحكومة عن موقف الحزب الآخر الذي يعزف منذ أيام على نفس الوتر، حيث يقول حزب الاستقلال في بيان رسمي يؤكد خطورة موضوع تسريب امتحانات البكالوريا ما يلي: أولا، تحميل المسؤولية الكاملة للحكومة في ما يمكن أن تسير إليه موجة الغضب التلاميذي التي تعرفها مجموعة من المدن المغربية، بعد إصرار وزارة التربية الوطنية على اعتماد الأسئلة التي تم تسريبها ليلة يومه الأربعاء، وهو ما يجعل الوزير الوصي مسؤولا مسؤولية جسيمة، ثانيا: “مطالبة وزير التربية الوطنية بتقديم استقالته فورا.. وفتح تحقيق قضائي مع كل الجهات التي تتحمل مسؤولية وضع الأسئلة وتأمينها من التسريب”.

سواء تعلق الأمر بموقف حزب الاستقلال أو موقف العدالة والتنمية الذي يتحدث عن الخونة، فإن خطورة تسريب امتحانات البكالوريا تبدو جلية من خلال الموقفين معا، فكلاهما يركزان على عواقب محتملة تتجاوز مجرد حالة غش، وتصل إلى مستوى الحديث عن “الأمن القومي المغربي”، وهذا ما يفسر دخول مكتب التحقيقات القضائية التابع للمخابرات على الخط، وهو نفسه المكتب المكلف بالتحقيق في قضايا الإرهاب.

من كان يتصور أن يعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي عن خبطة أمنية من خلال “تفكيك أخطر شبكة متكونة من خمسة أساتذة متورطين في جرائم تسريب امتحانات البكالوريا وخاصة مادة الرياضيات التي خلفت احتجاجات واسعة بمدن المملكة، بعد جمع المعطيات التقنية والمعلومات الكافية لتتبع أثر الجريمة، حيث إن هذه الشبكة التي كانت أفرادها يعملون على تسريب أوراق أسئلة امتحانات البكالوريا”، حسب ما تناقلته المواقع الإخبارية.

وتقول مصادر مطلعة، إن الوزير رشيد بلمختار، المشرف على قطاع التربية الوطنية، كان أول من وجه إليه الاستدعاء من أجل الحضور للقصر الملكي على خلفية هذه الفضيحة المقلقة(..) وكأن الزمن يعيد نفسه، فقد سبق للملك الحسن الثاني أن تدخل بشكل شخصي للحد من التسيب الذي عرفته امتحانات البكالوريا سنة 1979، عندما أمر بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الموضوع.

وهي القضية التي تفجرت في زمن حكومة المعطي بوعبيد، عندما كان عز الدين العراقي وزيرا للتربية الوطنية، وهي اللجنة التي أسندت رئاستها للبرلماني العلوي الحافيظي، وهي اللجنة التي أسندت إليها مهمة مراجعة الوثائق التالية: ملفات النيابات التعليم، ومحضر اجتماع عقد بالوزارة حول امتحانات البكالوريا، وموضوعات امتحانات البكالوريا (الدورة الأولى حسب الشعب، ولائحة المشرفين على التصحيح، ولائحة المفتشون للاختبارات الكتابية).

وقد سبق لهذه اللجنة أن طلبت موافاتها بنسخ محاضر الشرطة القضائية، وعلى ضوء هذه المعطيات شرعت في عملها الذي استغرق مدة لا تقل عن 60 ساعة مستمعة إلى 62 شاهدا، وهي أرقام تظهر مدى ضخامة الملف الذي وصل إلى يدي الملك، ويخص ثلاث جهات هي: الرباط، مراكش، فاس.

وقد خلصت تلك اللجنة التي شكلت بناء على أوامر الحسن الثاني إلى رأيين: أولهما يرى فيه: “أربعة أعضاء أنه ليس هناك تسرب بالمرة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد أعمال غش وتدليس عادية، قصد خلق جو البلبلة والأضرار بحسن سير الامتحان، ورأي آخر، اجتمع حوله سبعة عشر عضوا، ويقرون بوجود تسرب في امتحانات البكالوريا مع اختلاف في تحديد مداه.

يذكر أن البرلماني المغربي لم يفعل حتى الآن أية لجنة لتقصي الحقائق في ظل الدستور الجديد حتى الآن باستثناء لجنة فيضانات كلميم، التي ولدت ميتة، ولكن قد تكون لجنة تقصي الحقائق في موضوع البكالوريا أول لجنة حقيقية خاصة مع دخول دوائر عليا على الخط، وتحرك الملك محمد السادس للإشراف شخصيا على الموضوع، كما أكدت ذلك مصادر إعلامية.

وليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها موضوع تعليمي بشكل مريب ومثير للقلق، ماذا لو تطورت الاحتجاجات حول تسريب الامتحانات إلى مظاهرات شعبية؟ أليست هذه هي غاية المسربين؟ هل يعقل أن يكون هدف التسريب مجرد مساعدة الغشاشين؟ بالتأكيد لا يمكن الانحياز لأجوبة مطمئنة والحال أن عدد الذين سيجتازون البكالوريا يفوق عددهم نصف مليون مترشحا ومترشحة، وهو عدد هائل يزداد هولا إذا عرفنا أنت المترشحين ينتمون إلى عائلات تتكون على الأقل من أربعة أفراد، كم عدد ملايين الغاضبين في هذه الحالة، ماذا لو كانت هناك فوضى؟

وليست هذه المرة الأولى التي تندلع فيها الاحتجاجات في المدرسة المغربية، إذ سبق للوزير بلمختار أن أعلن عن اعتماد برنامج مسار في التعليم، وكاد يشعل ثورة حقيقية خلال شهر يناير من السنة الماضية، عندما اندلعت الاحتجاجات في كل المدارس وتحول الاحتجاج من المدارس إلى الشوارع لتعم المظاهرات، والفوضى(..).

ولا شك في أن الوزير بلمختار يسير على خطى وزير سابق يشبهه من حيث القرارات وهو وزير التعليم يوسف بلعباس (سنة 1965)، الذي فطن ذات يوم إلى اتخاذ قرار مفاجئ يقضي بطرد جميع التلاميذ الذين يتجاوز سنهم 16 سنة، وما أشبه الأمس باليوم، فقد تميزت تلك الفترة بقوة شوكة المعارضة حيث كان حزبا الاتحاد الاشتراكي والاستقلال يتربعان على عرش الحركات الاجتماعية، الأمر الذي كان يمنحهما القوة، بخلاف اليوم، الكافية لمقاطعة الدساتير (دستور 1962) وتقديم ملتمسات الرقابة لإسقاط الحكومة (1994).

وقد سبق الوزير السابق أحمد العراقي، أن حكى للصحافيين حكاية بلعباس مع التلاميذ، الذين تمردوا عليه، كما يلي: “اجتمع قرابة 15 ألف تلميذ بملعب كرة القدم، في ثانوية محمد الخامس، وانطلقت المسيرات في اتجاه أكاديمية التعليم الجهوية.. يوم واحد بعد ذلك سيجد التلاميذ في استقبالهم إدريس بنعمر عامل مدينة الدار البيضاء، الذي كان يحثهم على العودة إلى أقسامهم، ولكنهم خرجوا إلى الشوارع نحو درب السلطان، وباب مراكش وباب المدينة القديمة، وعدد من الشوارع الأخرى”.

في ذلك الزمن لم تكن لتقبل إدارة الأمن الوطني تصرفا مثل هذا النوع، ويمكن أن يتصور كل شخص ردة مسؤول من عيار المدير العام للأمن الوطني محمد أوفقير، خصوصا مع تسلل المرتزقة للمظاهرات التي عمت البلاد، هؤلاء المتسللون كانوا قد مهدوا الطريق لتدخل الجيش، بواسطة المدرعات، في عدة مدن بعد أن عمتها المظاهرات، ليصير التلاميذ حطبا للمواجهة مع النظام، ليقول عز الدين العراقي، بعد سنوات، إن عدد الضحايا تجاوز 5 آلاف ( انظر الأسبوع، عدد 6 فبراير 2014)، وهذا أبرز مثال على تحول احتجاج تعليمي إلى تهديد للنظام، ومثال حي على حجم الكارثة المحتملة في حالة وقوع انفلات، مع وجود الخونة الذين تحدث عنهم رئيس الحكومة بن كيران(..).

error: Content is protected !!