في الأكشاك هذا الأسبوع

الخطوات القادمة  مدرسة الصيام

د. يوسف الكتاني

       من لطائف المنن بأتباع هذا الدين الحنيف، ومن مظاهر الرحمة بالمؤمنين به أن جعل لهم مواسم للطاعات، ومناسبات للاعتبار وأعياد للاستذكار.

فهناك موسم الحج الأكبر الذي يجتمع فيه المسلمون من كل حدب وصوب للطواف والسعي والوقوف بعرفة في مكان واحد، وتلبية واحدة، وقصد واحد، تعلما وتدريبا وتأكيدا على وحدة المعبود ووحدة الدين ووحدة الوجهة والهدف.

 وهناك فريضة الزكاة مرة كل سنة، وهي مظهر آخر لوحدة المسلمين وتضامنهم وتكافلهم وتآزرهم.

        ويأتي بعد هذا شهر رمضان ليكون المحطة السنوية التي يقف عندها المسلمون، ويؤكدوا صلتهم بربهم، وليراجعوا سلوكهم وسيرتهم، وليتشبهوا فترة من أيامهم بالملائكة فينقطعوا عن المأكل والمشرب والمنكح في نهارهم، ليتعلموا من كل ذلك معاني الإيثار لغيرهم، والتفكر في أحوال إخوانهم، وليشاركوا في ما هم فيه من نعمة وخير وفضل فتتحقق لمجتمعه معاني التعاون والتآزر والوحدة والبر، مما يدفع المسلمين في رمضان لتعلم معاني سامية كثيرة منها:

الصبر على الجوع والعطش: وما معناه طوال نهارهم، تعويدا لهم ودفعا لإحساسهم بأحوال إخوانهم الفقراء والمحتاجين، وقضاء على أنانية الغنى في نفوسهم، فيشاركوهم طعامهم وشرابهم ولباسهم وما ينعمون به من خير وفضل، وهذا المعنى الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم، والصيام نصف الصبر“.

كما يعلمهم الصوم والصبر على النزغات الشيطانية والخواطر الظلمانية من كذب وغيبة ونميمة وحسد وغيرها، حيث يمنعهم صومهم من كل ذلك لأنه مدعاة لإفساده وجعله بدون معنى، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، وقوله: “إن الشيطان ليجري من آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع“.

         الكرم والبذل: وهو الخلق الثاني الذي يعودنا عليه رمضان من جراء إحساسنا بجوعة الفقراء وحاجة المساكين، حيث يقوي فينا عاطفة الرحمة بإخواننا المحتاجين، ومشاركتنا لهم في عيشنا وطعامنا وهو ما كان عليه الرسول الكريم في حياته، وبالأخص في رمضان حيث كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حيث يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة كرما وفضلا، وصداقة وبرا، وهو ما حرص على ترغيبنا فيه، وتحبيبه إلينا بقوله: “هو شهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه، من أفطر صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء“.

تزكية النفس وتطهيرها: وهذا المعنى من أجل المعاني التي تعودنا عليها مدرسة الصيام وهو المعنى المقصود منه، وهذا هو ما أكدته آية الصيام التي حصرت غايته في التقوى في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقونوهو ما بينه الرسول الكريم بقوله: “الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائموهو أيضا ما عنى (المعنى) الإمام الغزالي بقوله: “الصوم زكاة النفس، ورياضة الجسم، وداعٍ للبر، فهو للإنسان وقاية، وللجماعة صيانة، وفي جوع الإنسان صفاء وإبقاء القريحة، واتقاد البصيرة، لأن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب“.

          فهل آن للمسلمين أن يحسنوا الدخول في مدرسة الصيام، ويجتهدوا للحصول منها على أكبر النتائج، ويحققوا في أنفسهم ومجتمعاتهم المعاني السامية التي فرض من أجلها رمضان، فيستقبلوه بنية صالحة وتوبة صادقة، وأعمال خاصة، تائبين مقلعين عن المعاصي عازمين على إصلاح القلوب والأعمال والأحوال لنحظى ببركاته، ونسعد بأسراره، ونحيي بأنواره مصداقا لقول الشاعر:

إذا كنت ذا قلب من النور والطهر ولم يك قلبا من حديد ولا صخر

فصم جميع العام شهرا تذق به من الجوع والحرمان معنى من الصبر

عساك إذا ما جعت ترحم جائعا يبيت على هم ويصبح في فقر

ألم تر أن العام يمضي وكله على البائس المحروم صوم بلا فطر

بدا رمضان فلتضئ في هلاله سجا الهدى والجود والعطف والبر

صم الشهر عن زاد الحياة جميعه وكن دون أعراض الورى صائم الدهر

إذا كنت في ترك المباح تطيعه أطعمه بترك الإثم والغي والشر

إذا صمت إيمانا وأفطرت طائعا عرفت صنوف العيش في الحلو والمر

ففي الثوم ترضي الله بالصبر والتقى وفي الفطر ترضي الله بالحمد والشكر

error: Content is protected !!