في الأكشاك هذا الأسبوع

أيها المغاربة خذوا الدرس من اليمن

         ورث مغاربة محمد السادس، عن مغاربة الحسن الثاني، خطئا فادحا يجعلهم مطمئنين في دار غفلون، إلى أن الدنيا بخير في الجنوب، وما نضربوا ما نهربوا، ما نئدوا على فتنة(…) في الشمال، رغم أن القرآن ونذكره في شهر رمضان خلف لنا درسا، جاءت الشهور الأخيرة لتفسره لنا، عبر التجربة التي يعيشها العالم شرقا وغربا، ولا يسكت عنها ولا التعليق عليها ولا الاهتمام بها، إلا المغاربة سبحان الله وهي تجربة اليمن، ولم يتكلم المغاربة عنها إلا عندما مات ياسين بحثي ربان الطائرة العسكرية المغربية، الذي كان يقصف ما تبقى من حضارة اليمن، في إطار التحاق المغرب، بالتكتل العسكري الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وهي تعمل بنصيحة مؤسسها الملك عبد العزيز آل سعود الذي قال مرة وكان حكيما -: ((إذا أردتم الاستقرار فاتركوا مصر حليفكم، أما اليمن فاتركوه ضعيفا)).

         وإذا كان المغاربة ينسون أنهم متأصلون من اليمن، عربا وبربرا، منذ أيام الأوس والخزرج، وأيام الملك، سيف بن ذي يزن، وطبعا منذ الأيام التي خلفها لنا القرآن الكريم في عدة سور، واقرؤوا الحاقة ما الحاقة، لتفهموا الدرس الذي لقنته الإرادة الربانية لشعب اليمن، بعد أن كان أسعد شعب في الدنيا، ((جنتان عن يمين وشمال)) (سورة سبأ) ((أولئك لهم جنات عدن(…) تجري من تحتهم الأنهار)) (سورة النحل) ((جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير)) (سورة فاطر) وهم الذين بنوا ((ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)) ((وتمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد(…))) (سورة الفجر).

لنفهم من الدرس الذي خلده لنا القرآن عن اليمن، وربما توسع القرآن في حقها أكثر من غيرها، أن الطغيان والجبروت، لابد أن يعرض مقترفيه لغضب الله. الله الذي نبه الغافلين، وربما غير الحافظين أو المتذكرين لسور تحذيراته، إلى ((الذين سعوا في آياتنا معجزين، أولئك لهم عذاب من رجز أليم)) (سورة سبأ).

       وقد بصم المؤرخ الجاد، ابن خلدون، بأسلوبه المتقن، وكتب: ((إن اليمن في أيام حمير، كانت أترف، وأبذخ وأعلى يدا))، وهو ما اتفق عليه الطبري والمسعودي وابن حزم الذين توسعوا في ظاهرة الذكاء البربري(…) واليهودي لسكان اليمن، وقد كانوا أول الهاربين، بعد أن أنزل الله سخطه على جنة عدن، فتولى أحد ملوك اليمن، أفريقش ابن أبرهة، وهو الذي ألغى الاسم البربري، لمدينة أوالوسماها صنعاء(…) قبل أن يسوق البربر من أرض كنعان، في اتجاه الشمال الإفريقي، ليترك فيها قبائل حمير وصنهاجة، وكتامة، الذين تغلب بهم النبي سليمان على الأحباش المهاجمين من الأفارقة الذين كانوا يريدون، هم أيضا، احتلال اليمن.

وتبقى الكارثة اليمنية، أيام الملكة بلقيس التي تزوجت زرعة بن سبأ، كما هي مسطرة في القرآن، حينما كان أول وأعظم سد في الدنيا، سد مأرب، قد أصيب بـسيل العرمأكبر طوفان في الدنيا، فأعرضوا وتمادوا في غيهم، فقال القرآن: أرسلنا عليهم سيل العرموالذين تذكروا سورة الحاقة فقالوا: ((ربنا باعد بين أسفارنا، وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث، ومزقناهم كل ممزق)) فباعد الله بأطراف كبرى من ساكنة اليمن، ليأتوا إلى الشمال الإفريقي.

وكان العقاب الإلهي لسكان هذه الجنات المحيطة بسد مأرب، حين سلط عليهم سيل العرميشكل درسا لكل من ينسيهم الترف، ذكر الله، الذي لمح في سورة سبأ، إلى المجموعات الأخرى، التي هربت من الطوفان، إلى ما أسماه القرآن: “القرى المباركة، ويقصد الشام. ليحتار العلماء والباحثون والمفكرون منذ أكثر من آلاف السنين (الطوفان وانهيار سد مأرب كان في القرن الثامن قبل الميلاد) في عظمة الخالق، الذي سلط الفئران، على أعظم سد في الدنيا، لتقضم جذوره، وينهار، وتنهار معه الدول الحميرية، والدول السبئية، هربوا كلهم في رحلة الشتاء والصيفقبل أن تعود الرحمة من جديد، مع الملك اليمني سيف بن ذي يزن الذي استقدم الفرس، أجداد الإيرانيين(…) لإعادة ثقة الحياة إلى اليمن، عبر مجيء جد الرسول، عبد المطلب الذي أكد ابن خلدون، أنه اجتمع بسيف بن ذي يزن.

هذا الدرس الإلهي في حق الدولة التي كانت بها جنتان، تجري من تحتها الأنهار، انظروا إليها اليوم وقد خربت، وعادت وكأن طوفانا جديدا، لم تكن أسبابه الفيران، كما في عهد سبأ، وإنما واحد من أحفاد اسلاف الطريقة الزيدية، التي وصلت هي أيضا إلى الشمال الإفريقي، وأصبحت اليوم تسمى في الجزائر، الأباظية، وهذا الحوثي الذي يتزعم الميليشيات، هو أيضا حفيد إمام اليمن، يحيى، الذي كان يحكم اليمن، قبل أن تغير ثورة جمال عبد الناصر، هويته القبلية، بينما الرئيس السابق صالح لم يقنع بحوالي أربعين سنة من حكم اليمن، وها هو يعرض اليمن كلها لطوفان آخر، بينما هذا الحوثي، يعمل لصالح التدخل الإيراني، الفارسي مرة أخرى، كما كان أيام سيف بن ذي يزن، الأيام التي كان أقوى رجل يسمى كسرى أنو شروان (575 قبل الميلاد) ليستهدف الحوثي، الذي درس أيام شبابه في قم، غير بعيد من قبر الإمام الخميني، ويسعى إذن، إلى تحويل اليمن إلى ولاية فارسية كما كانت بعد سيل العرم.

وإذا كان الزمن يعيد نفسه، تحت أنظارنا، وفي إطار المناورات العالمية الحديثة، فهل لنا نحن المغاربة، وأغلبية سكان المغرب متأصلون من اليمن، منذ الهروب من الطوفان، أن نستفيد من درس الماضي، مثلما استفاد اليمنيون الذين كانت نخبتهم ولازالت، نموذجية في الاستفادة من الدروس الإلهية، مثلما استفاد اليمني(…) أبو موسى الأشعري، والطبراني، الذي خلف استفادة اليمنيين من الدرس الإلهي، في نموذج المقولة الثورية عن الأوضاع التقليدية للجزيرة العربية، المعروفة بإبلها، فكتب الطبري أن أهل اليمن هم أهل الغنم، حين علق عليهم مسلم، وكتب عنهم: ((هم أرق أفئدة وقلوبهم أقرب إلى الإيمان، فليسوا هم أهل إبل)).

فالسراغنة والشاوية والرحامنة، وكلهم متأصلون من الهاربين أيام طوفان سد العرم، خليق بهم أن يعطونا من نماذج قال عنها عمرو بن العاص في رسالة كتبها إلى معاوية بن أبي سفيان، بأن أعظم القضاة في الدنيا هو يمنيون، فقال معاوية: لا نولي شؤون القضاء والمال في مصر، إلا للحضارمة، المتأصلون من حضرموت اليمن.. ومنذ أيام معاوية إلى اليوم لازال عظماء القضاء في مصر كلهم يمنيون لأنهم أهل الأمانة.. ولذلك نجد في القاهرة الآن مقبرة القضاة الحضارم، وكتب الشيخ علي بن سالم العميري، اليمني، كتابا عن علماء الحضارم في جدة(…) لأن بناة الأهرام، أيضا، هم قوم عدن، بعد أن أمرهم فرعون ببناء صرح لعلي إطلع إلى إله موسى“.

وحتى بعيدا عن العبقرية القضائية عند اليمنيين، هناك الواقع الذي كنا نعيشه في سنين قليلة خلت، حينما كانت عدن، هاته التي تستغيث اليوم بحثا عن المأكل والماء، وتستنجد بالدعم الدولي، ثاني عاصمة في الدنيا، مطار طوكيو في سنة 1962 يستقبل ألف وستين طائرة، ومطار عدن يستقبل ألف وأربعين طائرة وأكبر ساعة في الدنيا بعد بيغ بينفي لندن، كانت في عدن، فلم يخلف لنا التاريخ اليمني، فقط، عناصر الفرقة وعقائد الزيدية (شيعة متأصلون من زيد ابن الإمام علي) ولا خلفوا لنا فقط الطائفة الهلالية، بنو هلال، أحفاد الأمير أبو زيد الهيلالي، وكان الموحدون المغاربة، قد فشلوا في وقف غزوهم العقائدي للمغرب، ومعارضتهم لنفوذ الخليفة الفاطمي في مصر، وأعلنوا عنه استقلالهم في المغرب، واذكروا أن العقيدة السياسية للزيديين، منطلقة من معارضة كل إمام ظالم، بينما الهلاليون لخصوا(…) اختياراتهم، فألف شعراؤهم قصيدة شعرية من ألف بيت من الشعر، سموها ((تغريبة قبيلة بني هلال، من نجد، إلى الشام وصولا إلى شمال إفريقيا)).

أيها المغاربة إذن، راجعوا دروسكم وتاريخ اليمن، واستفيدوا من تاريخ سبأ، ومن نفوذه الراسخ اليوم في منطقتنا، واستفيدوا من العقاب الإلهي لمن طغوا وتجبروا، فنحن إذن، في بلادنا مياه تجري، ومناطق تشبه جنة عدن، ومجتمعنا أيضا، غارق في إسورة الذهب واللؤلؤ، وكثير منا يلبس الحرير، كما قالت سورة فاطر عن اليمنيين.

واذكروا أن الزيدية الشيعية(…) التي تحاربها داعش اليوم في دولة العراق والشام، قد وصلت إلى ليبيا واحتلت شواطئها، لنفهم أنه ربما كان تاريخ شعوبنا المشترك مع اليمن، سيلاحقنا نحن المهددون في داخل منطقتنا، بتخريب فئران البوليساريو، الذي أصبحت بوادر تحالفه المستقبلي مع مخططات داعش، تهدد منطقتنا.

error: Content is protected !!