في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبـوع | وثائق اتهام عمدة مراكش بربح الملايير على حساب الجماعة

إعداد: سعيد الريحاني

          “أكدت مصادر مهتمة بالشأن المحلي بمراكش أن فاطمة الزهراء المنصوري عن حزب الأصالة والمعاصرة قدمت رسالة إلى والي مراكش.. يوم الخميس المنصرم تعلن فيها استقالتها من مهمة رئاسة المجلس الجماعي للمدينة، وأوضحت مصادر متطابقة أن هذا القرار المفاجئ سيتلوه قرار آخر مماثل للمنصوري لمغادرة صفوف حزب الأصالة والمعاصرة التي خاضت باسمه الاستحقاقات الجماعية الأخيرة كوكيلة للائحة الإضافية بمقاطعة المنارة، وإذا كانت الأسباب والدوافع الحقيقية لإقدام عمدة مراكش على اتخاذ قرارها تبقى طي الرسالة التي رفعتها للوالي، فإن جهات ترجعها في مقام أول للخلاف الدائر بينها وبين حميد نرجس المنسق الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة..”.

الفقرة أعلاه عبارة مقتطف من مقال صحفي نشر بجريدة “العلم” الناطقة باسم حزب الاستقلال بتاريخ 8 يوليوز 2011، وهو واحد من الأخبار التي تكلف الزمن بإقبارها، ونفيها، كما أن الزمن نفسه هو الذي أكد منذ ذلك التاريخ وجود تصفية تنظيمية لكل المقربين من المستشارين الهمة، بدأت بخاله حميد نرجس في مراكش، وانتهت قبل شهور في الدار البيضاء(..).

ويتداول بعض المراكشيين بسخريتهم المعهودة، حكاية تلك المرأة التي انتخبوها، لتساهم في تسيير الشأن العام، فلم تنتبه وهي منجرفة في تيار السياسة إلى زوجها، لتقول ذات يوم وسط جمع من الرجال، بلهجة مراكشية: “بقيط طاباعكم حتى مشا ليا الراجل”، والواقع أن هذه المرأة المعجبة بالدفاع عن حقوق النساء، كانت قد اصطدمت بواقع لا علاقة له بما تكتبه بعض الحركات النسائية، فوجدت نفسها مطلقة، ليقول المراكشي الذي حكى لـ”الأسبوع” هذه الحكاية: “السياسة والزواج لا يجتمعان”، ولعله يؤكد بعفويته التوجه الجديد الذي يضع الترقي السياسي للمرأة كما لو أنه يوجد في حالة تنافٍ مع الزواج، كما حصل مع سمية بنخلدون الوزيرة المقالة، ويقال إن وزيرة أخرى تسير على نفس الطريق.

الحكايات في مراكش لا تنتهي، ويكفي قضاء ليلة واحدة في ساحة جامع الفنا ليعرف الزائر أنه يتجول في مدينة غير عادية، غير حكايات “الغول” أو “السلطان” ومستملحات “الأزلية” التي كانت تشكل موادا لفن الحلقة، لم تعد مغرية للتتبع، بقدر ما يفرض الواقع الجديد الإنصات لحكايات من قلب الواقع الحالي تفوق الخيال، فإذا كانت المدينة الحمراء قد لقبت بمدينة “الرجال السبعة” والمقصود بهم الفقهاء والقضاة والمتصوفة: يوسف بن علي الصنهاجي، والقاضي عياض، والإمام السهيلي، وأبو العباس السبتي، ومحمد بن سليمان الجزولي، وسيدي عبد العزيز التباع، وسيدي عبد الله الغزواني، والذين يجتمعون في زهدهم في هذه الدنيا، فإن مراكش أصبحت اليوم قبلة لأصحاب النفوذ، وعنوانا لصراع طاحن بين أصحاب الملايير(..).

وقد دار الزمان دورته العادية لتجد فاطمة الزهراء المنصوري، التي فرشت الأرض بالورد حتى تتمكن من الفوز بعمودية مراكش، نفسها وسط دوامة الاتهامات، بدأت بمساءلتها عن طريق صرف منح الجمعيات، ليجد وزير الداخلية محمد حصاد الوالي السابق في مراكش نفسه أمام شكايات تبعته للرباط عندما أصبح وزيرا للداخلية، تقول إن المجلس الجماعي لمراكش ينتهج منطقا سياسويا، وذلك لتوزيع المنح الخاصة بالجمعيات الفاعلة في مختلف القطاعات الاجتماعية” (موقع كود، بتاريخ 30 دجنبر 2013).

في هذا الصدد، سجل المتتبعون انتفاضة الجمعيات الحقوقية ضد العمدة فاطمة الزهراء المنصوري، فقد طالبت هيئة حماية المال العام المغرب فرع مراكش من رئيسة المجلس الجماعي لذات المدينة توضيح كل الظروف والملابسات التي أحاطت بعملية توزيع الدعم المالي على جمعيات المجتمع المدني وخصوصا ما يتعلق بالمعايير المعتمدة في ذلك، وتساءلت الهيئة أيضا حول أثر هذا الدعم في النشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي بالمدينة، وهل كل الجمعيات والأندية والمؤسسات والتعاونيات التي حصلت على دعم مالي من المجلس الجماعي تستحق فعلا هذا الدعم أم أن للأمر علاقة بخلفيات أخرى؟ (المصدر نفسه).

ولا شك في أن وزير الداخلية محمد حصاد، قد تابع الجدل الدائر حول بعض مشاريع عائلة فاطمة الزهراء المنصوري، التي رفض هو التأشير عليها عندما كان واليا، ليؤشروا عليها في غيابه عندما أصبح وزيرا.. وفي هذا الصدد يمكن الحديث عن الترخيص الذي منحته العمدة بتوقيعها الخاص، وبخط يدها، لإقامة مشروع “سوسيو اقتصادي” يشارك فيه أخوها وبعض أقاربها رغم وجوده في مكان يمنع فيه البناء، ورغم رفضه من طرف المفتشية الجهوية للمحافظة على المباني التاريخية بمراكش، ليطرح السؤال عن سبب سكوت وزارة الثقافة عن هذا الخرق المعماري المرفوض بمقتضى القانون.

مقتطف من الرخصة

مقتطف من الرخصة

وتؤكد الوثائق التي حصلت عليها “الأسبوع” أن المنصوري هي التي رخصت بإقامة هذا “المشروع العائلي” وهو عبارة عن “مركب سوسيو اقتصادي” سيتم بيع متاجره للتجار وهي العملية التي ستدر على العائلة بعملية حسابية بسيطة، ملايين الدراهم بكل بساطة، علما أن هذه الرخصة الذهبية موقعة بتاريخ 22 فبراير 2014.

هل يحق لمسؤول جماعي أن يرخص لعائلته بإقامة مشاريع ذات مدخول مرتفع؟ ولماذا لم تحرص العمدة على الحصول على موافقة المجلس الجماعي قبل الترخيص، لماذا تفادت هذه المسطرة؟ ولماذا تم السكوت عن هذا الخرق القانوني الواقع على المِلك المسمى “دار البارود”، والذي تتجاوز مساحته ثلاثة هكتارات؟

ونقرأ في شهادة المِلكية الخاصة بهذه الأرض أن المِلكية يشترك فيها كل من “سعد المنصوري، وزهير المنصوري، وعائشة ميدرة..”، وأن هذه الأرض توجد تحت رهن رسمي مقيد بتاريخ 29 أبريل 2015، ضمانا لسلف مبلغه 28 مليون درهم، وهو ما يعني أن العائلة لجأت إلى البنك لتمويل مشروع لم يكن ليخرج إلى حيز الوجود على أرض لا تساوي شيئا من الناحية العقارية (لأنها غير صالحة للبناء)، ولكن توقيع العمدة كان حاسما للحصول على التمويل وباقي الرخص.

ولعله من غرائب الأمور، أن يتم تصنيف “فاطمة الزهراء المنصوري” كأقوى امرأة في إفريقيا من طرف مجلة “فوربيس” الأمريكية، وهذا هو ما دفع أحد المواقع الإلكترونية التي أبدت رأيها في الموضوع إلى كتابة ما يلي: “نحن نحترم السيدة المنصوري ونعتز بها كأول امرأة مغربية تجاوزت الرجل إلى كرسي العُمودية، وإن كنا نعرف جيدا أن لا يد لها في الوصول إلى هذا المنصب الهام، وأنه يوجد إلى جانبها من يساعدها على تدبير المدينة، لكن الجميع يعرف أيضا أن سجلها السياسي فارغ في لوحة التاريخ المغربي القريب أو البعيد” (موقع هبة بريس، بتاريخ 12 دجنبر 2014).

تقرير يؤكد عدم استخلاص واجب الاستغلال السنوي من طرف شركة الصابو سنة 2011

تقرير يؤكد عدم استخلاص واجب الاستغلال السنوي من طرف شركة الصابو سنة 2011

ولا تقف مشكلة فاطمة الزهراء المنصوري عند حدود الترخيص لمشروع كبير لعائلتها، بل إنها وجدت نفسها وسط زوبعة كبيرة، بسبب مشكلة “الصابو” التي يلفها كثير من الغموض وهي القضية المعروفة بـ”فيلمار”، فقد طالب حقوقيون ينتمون للجمعية المغربية لحماية المال العام، رئيسة المجلس الجماعي لمراكش، فاطمة الزهراء المنصوري بـالتوقف عن عقل السيارات في الأماكن العمومية، ومنع أي استخلاص للرسوم مقابل فك “الصابو” لكون ذلك يعد مخالفا للقانون ولأحكام القضاء التي يجب أن يخضع لها الجميع دون استثناء، وهي أمور تشكل جرائم بمقتضى القانون الجنائي. وفجر حقوقيون فضيحة تتمثل في قيام الشركة، وضدا على القوانين بإكراء مراكن وقوف السيارات إلى أشخاص آخرين، الذين يشتغلون في أوقات مختلفة” (جريدة المساء، عدد 23 أبريل 2015).

قد يقول قائل إن مشكلة “الصابو” تعد مشكلة وطنية على اعتبار أن القضاء يقضي بعدم قانونيته، بينما الشركات تواصل اعتقال السيارات بكل حرية كما هو الحال في الرباط، لكن الأمر في مراكش مختلف، ذلك أن السؤال المطروح هو: هل احترمت هذه الشركة دفتر التحملات، حيث يقول أصحاب الجمعية المشار إليها أعلاه أن هذه الشركة “لم تحترم إلا بندا واحدا، وهو المتعلق بوضع الصابو، واستخلاص الرسوم والغرامات بشكل مخالف للقانون، دون أن تنفذ باقي المقتضيات الأخرى من حراسة السيارات، وتدريب المستخدمين، وتشغيل اليد العاملة الكافية والمؤهلة.. إلى غير ذلك من الالتزامات الأخرى الواردة بكناش التحملات” (المصدر نفسه).

ما قصة هذه الشركة؟ الجواب من خلال تقرير صاغته في وقت سابق مصلحة شركات التنمية المحلية: “لقد تم عقد شراكة بين الجماعة الحضرية لمراكش وصندوق الإيداع والتدبير لأجل عقلنة وتحديث مرفق وقوف السيارات والدراجات بشكل يليق بالمكانة الدولية للمدينة.. إلا أنه بعد المصادقة على كناش التحملات من طرف سلطات الوصاية في منتصف شهر يناير 2010، وبدء الشروع في استغلال المرفق من طرف شركة أفيلمار لوحظت عدة مشاكل بنيوية أخلت بالسير العادي للمرفق تتعلق بمحورين أساسيين هما: المحور التنظيمي والمؤسساتي، والمحور التدبيري والمالي..”، التقرير نفسه يؤكد أن الشركة لم تكن تعمل بنظام العدادات وأنها لم تؤدِ واجب الاستغلال السنوي سنة 2011، الأمر الذي يؤكد أن الجماعة لم تستفد شيئا من عمل شركة الصابو، ليطرح السؤال عن سبب عدم فتح أبواب المحاسبة.

لماذا لم تتحرك أية جهة لمحاسبة فاطمة الزهراء المنصوري؟

لماذا لم تتحرك أية جهة لمحاسبة المجلس الجماعي لمدينة مراكش؟ ولماذا تجد كل الشكايات الأبواب موصدة أمامها؟ هذه نماذج من الأسئلة المعلقة حتى إشعار آخر، لكن المؤكد أن توقيع فاطمة الزهراء يساوي الشيء الكثير(..).

error: Content is protected !!