في الأكشاك هذا الأسبوع

الحـقــيقة الضــــائعة | عندما اختلت الـ”موازين”

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

في إطار زيارة قام بها الوزير الأمريكي للخارجية، كيسينجر إلى طهران، ومواكبة للحرص الأمريكي، على أن تبقى إيران، قلعة الحضارة الغربية، ونموذج الدولة الإسلامية الراقية ((استدعاه رئيس الحكومة الإيرانية القوي، أمين هويدا، ذات ليلة، إلى أحد الملاهي الليلية الراقية في طهران، حيث ارتمت راقصة شرقية، في أحضان كيسينجر، ومنع مصورو جهاز المخابرات، السافاك، من تصوير المشهد)) (الرحلة الأخيرة للشاه. شوكروس).

ليحضر السفير الأمريكي، هيلمز، فيما بعد، تقريرا في عشرين صفحة ملخصة ((إن المحافظين الدينيين في إيران، ساخطون على جوانب كثيرة من عملية التحديث)) (نفس المصدر).

ولا شك أن الراقصة التي سقطت في أحضان كيسينجر، لم تكن على مستوى جمال الراقصة الأمريكية، جينيفر لوبيز، التي قدمت في إطار مهرجان موازين، لهذه السنة، مناظر خليقة في التعبير الفقهي، بالفجور، ونحن نعرف ما قاله القرآن، في حق الفجار، حين قدمت حركات، ميمية(…) خلال تواجدها بالرباط، لعرض نتائج العملية الجراحية التي أجرتها لتزين مؤخرتها بملايين الدولارات.

ورحم الله الملك العظيم، الحسن الثاني، الذي قبل وفاته، استدعى الصحفي الفرنسي إيريك لوران، وأملى عليه مذكراته التي خلفها للمغاربة، وقال فيها: ((أعتقد، أن هناك أشياء كثيرة، لا يمكن أبدا المس بها، مثل احترام التقاليد(…)، واحترام الآباء، والأساتذة، فلا يمكن في المغرب، أن يكون طفل واحد، مهما كان عمره، لا يقبل يد أبيه، وفي اليوم الذي يبدأ فيه بناء دور العجزة، ليقفل الأبناء أبوابها على آبائهم، فإني أرى في ذلك، نهاية المغرب(…) وأنا الذي سيأمر بحرقها)).

فهل كان بإمكان المشرفين على مهرجان موازين، أن يقدموا على مدى أسبوع، مهرجانا تم افتتاحه بمظاهر لا يسمح بعرضها للعموم، إلا بالمسارح المغلقة الأبواب، والتي يكتب على أبواب مواخيرها، حسب القانون الفرنسي(…) ممنوع الدخول على من لهم أقل من 18 سنة، interdit au moins de 18 ans، ويعاقب رجال الأمن، مقدمي هذه الفضائح الاجتماعية الذين يسمحون بدخول الأطفال حتى تعدى المغاربة مستوى المسخ الاجتماعي، ورأينا آباء وأمهات، يرافقون معهم أبناءهم وبناتهم لمشاهدة العرض اللاأخلاقي لجينيفر لولبيز،  وحركات مرافقيها الذين يلتصقون بها في مقاربات حيوانية(…)، والآباء يحملون بناتهم القاصرات، ليتعلموا ماذا يعملون(…) وكيف يعملون(…) وهذا هو المسخ، وقد كان بالإمكان، ألا يراه إلا قليلو الهمة، من رجال ونساء، يحرصون على تعليم الفجور لأبنائهم، وخاصة لبناتهم(…)، ممن دفعوا ميزانيات ضخمة لشراء تذاكر الدخول، ولكن الغاية التي تكشف أن الأمر مقصود، وأن العملية، هي عملية تحد وانتقام، ممن كتبوا من قبل، معارضتهم في بعض الصحف، لتنظيم موازين، فأصدروا(…) أوامرهم لقناة دوزيم، القناة الثانية التي تحظى بدعم الميزانية المغربية، لتقدم للعاجزات والمسنات، وللبؤساء والفقراء، ولمن يتزاحمون فيما بينهم في الأكواخ وبراريك مدن القصدير، ليلا لمشاهدة القناة الثانية، حيث فاجأت في ليلة الجمعة تلك، مشاهدي هذه القناة، بتلك المناظر، وقد منعتنا أخلاقنا الصحفية، من أن ننشر صورة كاملة لمشهد بورنوغرافي، ظهرت فيه لوبيز هاته، وهي شبه عارية، والمشهد مصور عبر شاشة القناة الثانية.

لنفهم لماذا كانت أول استجابة لفتح باب الحداثة المبالغ فيها، مسارعة فتاتين فرنسيتين من دعاة التحرر الجنسي النسوي، لتتعرين في ساحة مسجد حسان، وقد حسبن، أن المغرب أصبح جنة الفجور، وأنه سيسمح لهما في المغرب، بما لم تستطعن عمله في فرنسا، ومن حسن حظ الأخلاق، أن وكيل الملك بالرباط، قرر طردهن وإرجاعهن لبلدهن.

وكيل الملك، وهو صفة قانونية تعطى لمن يفوضه الملك، مهمة الحفاظ على احترام القانون، الذي يمثل القيم الأخلاقية في كل دولة في إطار استقلالها وظروفها الاجتماعية الخاصة، الموكول تقديرها لضمير وكيل الملك.

ووكيل الملك، يعرف، ويشهد ويرى، تلك الظاهرة التي أصبحت مواكبة للمهرجان السنوي لموازين، وهي ظاهرة الغياب الملكي عن المغرب، طيلة أيام موازين، وهذه السنة الثالثة أو الرابعة التي يختار فيها الملك محمد السادس مناسبة موازين، للقيام بزيارات خارجية، حيث تزامنت فترة تنظيم موازين في السنة الماضية بتواجده في تونس، وفي السنة التي قبلها كان الملك قد غادر المغرب في اتجاه باريس، وهو الذي غادر في هذه السنة أيضا المغرب ليلة افتتاح موازين في 20 مايو، ليرجع إلى المغرب بعد نهاية برامج موازين يوم ……. جوان، ليبقى السر، ليس سرا للدولة، وإنما اختيار ملكي، أصبح تقليدا(…) ربما يكشف عدم اتفاق الملك، وهو سر يدرجه الكثير من المهتمين في سياق الرفض الوطني المشترك بين الملك والشعب والإصرار على احترام القيم التي خلفها لنا الأب(…)، الحسن الثاني الذي جعل احترام التقاليد، من المقدسات التي لا يمكن المس بها، لأن من مس بها يتعرض للعقاب القانوني أو العقاب البشري(…) أو العقاب الإلهي.

لقد كان المغاربة دائما، يتتبعون بالكثير من الاهتمام والاعتزاز المهرجانات الثقافية للموسيقى الأصيلة في فاس، والمهرجان الموسيقي للفولكلور بمراكش، ومهرجانات ثقافية أخرى في جهات أخرى، لنفهم في إطار التجاوز، والغضب، كيف انتشرت في القنوات، أخبار توقيف المسؤولين عن القناة الثانية، وكتبت صحف أخرى ((إن نسخة موازين لهذه السنة ستكون هي الأخيرة)) معلقة: ((بعد موجة الغضب التي انفجرت بعد سهرة المغنية الأمريكية، جينيفر لوبيز، حيث تخللت السهرة، رقصات فيها إيحاءات جنسية(…))) (الأيام. عدد 10 جوان 2015).

ليكتب موقع إلكتروني، آخر، معلقا على هذا التحدي السياسي(…) وبلا لف ولا دوران: ((نحن في بلد السلطة والنفوذ، حيث الأقوياء لا يسري عليهم دستور ولا قانون، ولا يخشون لومة لائم، إن محاربة الإرهاب والجريمة، لا يمكن أن تلقى منا إلا الدعم، لكن الدولة البوليسية، ستجد منا المناهضة، وأعلى ما في خيلكم اركبوه)) (محمد نجيب كومينة. موقع أخبركم).

تلميح الكاتب إلى الإرهاب، وعلاقته بتحدي موازين، لا يحتاج إلى رسم تقريبي، فالعنف الإرهابي عند داعش مثلا، يعتبر المساس بالأخلاق، مبررا لما يقومون به في كل بلد يحتلونها، ثم إن الشعب المغربي المسالم، الراغب في الاستقرار والقانع بما أعطى الله(…) لا يمكنه أن يتحمل في أسبوع واحد، هجوما فجوريا شنيعا على ديانة المتدينين، وأخلاق المحافظين، ودين المسلمين، فيصدر شخص يسمى عيوش شريطا سينمائيا يعطي عن المغربيات صورة بشعة، ذكرت فيها العاهرات اللواتي لعبن أدوارهن بإتقان(…)، عبارات لا يستطيع الرجل أن ينطق بها بمحضر زوجته فأحرى بمحضر أولاده وبناته، وحتى الأروبيون المتحررون الذين سبقونا إلى عالم الفجور، يكتبون عبارات ممنوع لأقل من 18 سنة.. فتتخلل مشاهد فيلم عيوش كلمات السفاهة في كل لحظة، ثم تأتي راقصة من أمريكا، لتأخذ الملايين بالدولار، من مؤسسة ثقافية مغربية، ترغم الشركات التجارية الكبرى على تبني مخططها التبذيري(…) في إطار تشجيع افخاذ هذه الراقصة التي لو لم يكن الحصار البوليسي المفروض على مسارحها، لكانت الجماهير قد افترستها(…) كل على طريقته، ثم تأتي فتاة، تسمى بيكيش، لتقدم عرضا بورنوغرافيا، وإصبعها في فمها(…) تستعرض في حق المغاربة والمغربيات، ما يجعلنا نتساءل عما إذا كان هناك قانون مغربي أو وكيل للملك، لصيانة هيبة الدولة، وأخلاق المجتمع، من عاهرة تصف المغربيات كلهن بالـ ………

إن الأمر يتعلق، بأن الباب الذي فتحته موازين، وإشاعته متحدية(…) عبر القنوات التلفزية الخاضعة لنفوذ رجلها النافذ، يمكن بسرعة فائقة أن يكون مشجعا للمتطرفين، وحتى المعتدلين، للانتقال بالمغرب، إلى الرصيف الدموي.

مخطئ من يظن، أن المغرب طوى عهد 20 فبراير، ومظاهراته التي كانت في ذلك الزمن تعلن تبرمها من صاحب فكرة موازين، فليست 20 فبراير هي التي تقلب الأوضاع، بقدر ما تقلب الأفكار، وإنما التحدي الأخلاقي لماضي شعب متدين منذ أربعة عشر قرنا، جعل من الأخلاق الإسلامية، رصيده ومنبع استقراره، وقد كتب الصحفي المجرب الذي عاش عشرات الثورات(…) وتعمق في مبرراتها: ((إننا نتعلم لغة شعب من الشعوب لكي نستطيع أن نتكلم معه، ولكن علينا أن نتعلم تاريخه إذا كنا نريد أن نفهمه)) (مدافع آيات الله. حسنين هيكل).

وبالمناسبة، يحكي هذا الكاتب، الذي عايش شاه إيران، وتعمق في أخطائه وأخطاء المحيطين به، أن شاه إيران، كان يستهزئ من أصحاب الأفكار المناهضة لطريقته في تحديث إيران(…) ويقول لهم كلما تحدث عنهم، إنهم، الأنتيليكتوييل. وسأله حسنين هيكل مرة، هل تنوه بهم عندما تسميهم الأنتيليكتوييل، فقال له: إني أضغط وأنا أنطق بهذا التعبير على حرفي “الان” لأن “الان” باللغة الفارسية، تعني الغائط، والبقية.. بقية الشاه إذن، تعرفونها.

error: Content is protected !!