في الأكشاك هذا الأسبوع
ميشيل بيكولي في فيلم "لاطانطا" يمثل دور الجنرال أوفقير، وبنبركة معتقل إلى اليسار يقول لأوفقير: إنك قوي.. وسيظهر من هو أقوى منك.

الحـقــيقة الضـائعة | حذار من العودة إلى عهود الرجال الأقوياء

   

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

في الشريط السينمائي عن اختطاف الزعيم بنبركة، وعنوانه: “لاطانطا”، وكان فيه النجم السينمائي الفرنسي “ميشيل بيكولي” يلعب دور الجنرال أوفقير، وأثناء مقابلة حصلت بين أوفقير والمهدي بنبركة، يظهر المهدي وكأنه يهمس في أذن أوفقير قائلا: ((إنك قد تصل إلى أعلى القمة في القوة، لكنك بعد ذلك، ستجد رجلا أقوى منك، وسيبصق الناس عليك، بعد أن كانوا يصفقون لك)).

وهذه قصة القوة، طبق ما سطرها القرآن الكريم، في حق كل الأقوياء، الذين قال عنهم في سورة الروم: ((ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة)).

وقصة المغاربة مع الرجال الأقوياء، لا ترجع فقط إلى عهد الحسن الثاني، الذي جعل من أوفقير أقوى رجل في المغرب، وجعل من إدريس البصري أقوى من أوفقير، طوال سنوات، كانت فيها زوجة أوفقير وأولاده وبناته، يتصيدون القمل بأنامل بعضهم في رؤوس بعضهم، وهم مرميون في غيران صحراوية، محاطون بالأفاعي والعقارب، وإنما ترجع ذكريات المغاربة، عن الرجال الأقوياء، إلى عصور قديمة، بليت فيها الأحداث، وتناثرت مع الأزمان، ليستمر الدرس إلى العصور الحاضرة، حيث ترتاح صدور الناس، وهم يشهدون، مرددين قوله تعالى: ((كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة)) (سورة فاطر).

فلم يكن مجديا، بالنسبة لصحفيينا، وكثير منهم مبتدئون(…) أن يربطوا الثقة التي وضعها الملك محمد السادس في المواطن عبد اللطيف الحموشي، ليجمع بين إدارة الأمن، وإدارة حماية التراب الوطني، وكثير من هؤلاء الكتبة، تصوروا أن القرار يعني القوة، بل يفهم من بعض الكتابات أننا أمام ظاهرة الرجل القوي الجديد، وما هو من القوة في شيء، خصوصا وأننا خرجنا – بالرغم من الكثيرين – من زمن القوة، ولم يبق بالمغرب ولا حتى بالعالم، مكان للرجل القوي.

لقد كان تعيين الحموشي مديرا للأمن، والفضل في التعيين يرجع إلى الحكمة الملكية، مثلما الظروف الموحية بهذا التعيين، ترجع إلى الأخطار المحيقة بالمغرب، وقد حولت الحياة في كثير من الدول إلى جحيم، تفاقمت، عندما أصبح العالم كله، يرى ويسمع عجز القوات العالمية، وآلة الجحيم الأمريكي، عن التغلب على القوة المهاجمة، قوة داعش، التي احتلت ضعفي المناطق التي كانت تحتلها شهورا قليلة، بعد انطلاق الهجمات الأمريكية على داعش، بعد هجمات لم تجد شيئا(…)، وهو الخطر الحقيقي الذي يهدد المغرب بالتأكيد، والدرس في الانفجار الانتحاري الذي حصل هذا الأسبوع في السعودية وقتل ثلاثين من المصلين الأبرياء، ويضخم مسؤولية المدير الجديد القوي، للأمن ولحماية التراب الوطني، لأنه مهما كانت قوة المدير الجديد، فإنها لن تكون أقوى من قوة الرئيس أوباما، الذي فقد على شاشة التلفزيون، عنفوانه، وهو يعلق على احتلال داعش، لنصف التراب السوري، ووقوفهم على مشارف بغداد على مرأى ومسمع من الأقمار الاصطناعية.

فقوة أي قوي كان، لا تقارن إلا بالنتائج التي ينجزها، وحذار من أسباب الضعف بعد القوة، كما حصل وشاهدنا في حالة أقطاب، كانوا أقوى من الحموشي، وأقوى من سلفه على إدارة التراب الوطني، الجنرال العنيكري، ولازالت أسباب أفول نجمه لم تظهر، ولا مبرراتها، إن كنتم تذكرون.

الجنرال العنيكري، في أعقاب هجمات الدار البيضاء، سنة 2003، حين انتهت أثار تلك الهجمات، فأفل نجم العنيكري، شافاه الله وعافاه.

وتاريخ رجال الأمن الأقوياء، حافل مخيف، في ذلك الزمان الذي لم تكن فيه وسائل الإعلام، بالانتشار الذي تعرفه اليوم، فكان الرجال الأقوياء حقا، يعيشون في ظل التعتيم الإعلامي، أيام الجنرال أوفقير، والجنرال الدليمي، وقد ماتوا وخلفوا أقطابا على رأس الديسطي من أمثال الحسين جميل، وقد أنجز من الأحداث، ما شابت له رؤوس الشبان، وها هو أيضا رغم أنهم دائما في حاجة إليه(…) يهيم في غياهب النسيان، ولا تسألوا عن علابوش الذي كان هو أيضا، المسير الحقيقي لجهاز الديسطي، نيابة عن المدير الحقيقي لهذا الجهاز، إدريس البصري، الذي سبق الحموشي، إلى الجمع بين وزارة الدولة في الداخلية والإعلام وبين إدارة الديسطي، التي تأكد بعد إزاحته منها، أنه قام بإحراق مقرها، وإتلاف وثائقها، خوفا من أن يكشف المسؤولون الجدد، خبايا مداخيلها ومصاريفها، لأن الديسطي جهاز يلتهم الميزانيات، في جميع الحالات، كما يلتهم البحر الأسماك والذكريات.

واستغرب الكثيرون، جمع الحموشي لإدارتين أمنيتين، وكأنهم يجهلون أن مؤسس الديسطي، الجنرال أوفقير، وكانت تسمى في عهده لفترة معينة، بـ “الكاب آن”، لم يكن فقط يجمع بين إدارة الأمن وجهاز المخابرات، ولنرجع إلى وثيقة كتبها أوفقير بنفسه، بعد أن أصبح الرجل القوي فعلا، أولا كمسؤول عن المخابرات، لم يقنع بها، كما لا يقنع أي مدير للمخابرات، عندما أصبح وزيرا للداخلية، فأضاف إلى وزارته وإشرافه المباشر على أجهزة القوات المسلحة الملكية، إدارة الدرك الملكي، وإدارة القوات المساعدة، وإدارة الأراضي المخزنية والمسترجعة، وإدارة التنمية القروية، وأسس كتابعة لوزارته، وزارة قدماء المحاربين، ليكتب ذات مساء، وبخط يده، رسالة إلى زوجته القوية هي أيضا، فاطمة، رسالة مرفوقة بإكليل من الورود، يقول فيها: ((عزيزتي.. آسف لعدم المجيء إلى البيت، لأني اليوم، سأتسلم وزارة السكنى والتعمير، وهي وزارة بالمعنى الكبير، وغدا سأتوجه إلى أكادير لأترأس مجلسها البلدي، وأتمنى أن أرجع الأحد المقبل، إني مشتاق لرؤيتك وبعدك عني يحزنني بعد أن أصبحت كل شيء في حياتي، لقد تعشيت أمس في بيت الحاج أحمد، ولعله يقصد الحاج أحمد الحريزي، وكان معنا مولاي عبد الله، والجنرال إدريس وفكرت فيك كثيرا، حين جاءت فتاة شابة لتردد أغنية لأم كلثوم، فكرتني في عشقك لأغاني أم كلثوم، عندما تغنيها أنت لي، لأنك أنت هي أم كلثومي أنا، أنت أم كلثوم حياتي، أقبلك، وأتمنى أن تكون هذه الورود، معبرة لك عن حبي. محمد أوفقير)) (نص الرسالة كتاب أوفقير. ستيفان سميت).

جميل أن يكون الرجل القوي، يهتم بزوجته، وبالورود وبأغاني أم كلثوم، وهكذا كان دائما الرجال العظام، وقد كشفت هذه الرسالة عن سعادة الرجل القوي، بإضافة وزارة السكنى والتعمير، إلى مهامه الأخرى، فلم يكن ضعيفا أمام اتهاماته بأنه كان يعذب ضحايا في الكوميسارية السابعة، وفي دار المقري، ولا بالمناضل المعارض مومن الديوري، الذي سطر جرائم تعذيب أوفقير، في كتاب نشره بفرنسا بالعربية والفرنسية، بعنوان “حقائق مغربية”، كما لم يكن الرجل القوي أوفقير، مهتما بالمعارض المغربي الكبير، السرفاتي، الذي كان في ذلك الزمن، بصدد تأسيس الحركة الثورية إلى الأمام.

أما الذي خلف أوفقير والدليمي في القوة، فهو إدريس البصري، الذي استعمل جهاز المخابرات، وقد استولى عليه عن طريق ما كان يسمى بالشؤون العامة، ليصبح وزيرا قويا في الداخلية، بقي الحسن الثاني يتتبع خطواته، وخباياه، لدرجة كتب عنها مرافقه الجامعي، المسمى بروكسي، إنه حضر اجتماعا مغلقا للملك الحسن الثاني مع مجموعة من مقربيه وقال لهم: ((احضيوا راسكم، راه إدريس البصري يتصنت علينا، بل إن البصري تقوى يوما، فأوقف رجل ثقة الحسن الثاني في الكولف الملكي، ليضطر الملك إلى إلغاء قرار البصري وإعادة الرئيس الذي خلعه إدريس البصري)) (لحسن بروكسي. الحسن الثاني والبصري وأنا).

الحسن الثاني، وبين قوة الجنرال أوفقير، وقوة الجنرال الدليمي، اكتشف أن الرجال الأقوياء، في المخابرات لم يعرفوا(…) ولم يمنعوا عنه الهجوم على قصره في الصخيرات، فاستخلص الدرس من أن القوة(…) لا تعني ولا تفيد شيئا، لأن ((المخزن، تنظيم مضاف، يتلخص في جيش وديوان(…) سيف وقلم(…) من يحمل هذا أو ذاك، الجندي والكاتب)) (عبد الله العروي. ديوان السياسة).

ليسمع الحسن الثاني أن الجنرال دوكول بعد موته، خلف رجل أمن قوي، يسمى “ريمون ساسيا”، كان قويا بحكمته، لا بمنصبه، فتوجه الحسن الثاني إلى باريس، واجتمع برئيس الحكومة “شابان ديلماس”، وطلب منه التوسط لدى حارس دوكول، ساسيا، بأن يأتي للمغرب، لتنظيم الحماية الأمنية للملك، واستدعى الحسن الثاني، الرجل القوي وقتها، الدليمي، وقال له، غدا، سيصل الرجل الذي اخترته لتنظيم جهاز أمني، وستذهب أنت شخصيا للمطار، لاستقباله، وقد حجزت له جناحا في فندق حسان، ولم يكن أوفقير على علم طبعا. وفي ليلة وصول ريمون ساسيا لفندق حسان أرسل إليه الحسن الثاني في الثانية صباحا(…) من يرافقه إلى القصر للاجتماع بالملك، ليقول ساسيا في مذكراته، أنه في المقابلة الأولى مع الحسن الثاني قال له: أقبل المهمة، شريطة أن تسمح لي بألا أكون منافقا معك، وأن أخبرك بالحقائق حتى ولو لم تكن تعجبك، وفرح الحسن الثاني بهذه الصراحة، فأهدى لساسيا سيارة جاكوار، وكلفه بشؤون الأمن الوطني.

ساسيا هذا، هو الذي اكتشف وهو يشكل أول دفعة للمتفوقين في استعمال السلاح، بوليسيا من مراكش، اسمه محمد المديوري، لا يخطئ طلقة رصاص واحدة، فكلفه بالحراسة الشخصية للملك.

الأحزاب الفرنسية اليسارية، والتي كانت تؤيد المخططين لإسقاط النظام المغربي، لم يكن يهمها أن يكون الحسن الثاني محاطا بالرجال الأقوياء(…) بقدر ما كانت تعرف أن الحسن الثاني اتخذ قرارا جادا باختيار رجل فرنسي جدي، فرفضت بقاء ساسيا بجانب الحسن الثاني وقدمت سؤالا في البرلمان الفرنسي، للاحتجاج على ظاهرة ساسيا في القصر الملكي بالرباط.

مرة، وفي سنة 1970، أقام الجنرال القوي(…) أوفقير عشاء في بيته على شرف ساسيا، وبين كأس للويسكي وطاجين، انحنى أوفقير على ساسيا وقال له: أنت الآن مع الملك، والملك كالشمس، لا تقترب منه كثيرا فتحترق.

حكمة فكر فيها ساسيا كثيرا، ولم يستنتج الجواب عنها، إلا عندما كان بجانب الملك في الطائرة العائدة إلى المغرب، ظهر 16 غشت 1972، وأصابت ساسيا شظية صاروخ وانفجر الدم من جسمه، قبل أن يعرف أن منظم الهجوم هو أوفقير، الذي نصحه بألا يكون قريبا من الملك الشمس، لأن الملك فعلا كالشمس، من اقترب كثيرا منه.. يحترق.

error: Content is protected !!