في الأكشاك هذا الأسبوع
إدريس جطو وعبد الإله بن كيران.. من منهما يعلم الآخر؟

الحـقــيقة الضــــائعة | مسؤول كبير يقترح إعلان حالة استثناء

 

 

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

يقول كاتب “المختصر في أخبار البشر” “الشيخ ابن الوردي”، بأن سقوط الدولة العلوية من حكم المشرق، وانهزامها أمام الدولة العباسية، كان بسبب لسعة عقرب، دون أن يفسر، إذا ما كان السلطان العلوي العاضد(…) لسع فعلا، أم أن الأمر مجرد حلم رآه في المنام، والعياذ بالله من لسعة العقرب، وهي التي يكون تعبير بعض الكلمات، أقسى منها، وأكثر خطرا.

وقد يكون القراء المغاربة، أقل الناس إحساسا بخطورة الكلمات التي هي في الواقع أخطر من لسعات العقارب، لأن المغاربة تعودوا على سماع الكلام البذيء فيما بين قليلي الأدب من بينهم(…) وعلى سب الدين والملة، ليس من خلال المناقشات الدائرة(…) بين بن كيران، وشباط، والاشكر، وإنما المغاربة، أكلوا وشربوا منذ قرون، على سماع كلام الصعاليك، لنفهم، لماذا كانوا يعيشون الحروب الدائمة بين القبائل، والعيش تحت رحمة قطاع الطرق، والاحتماء بميلشيات “الزطاطة” لمرافقتهم في أسفارهم، ورغم ذلك، لم يكن لهم برلمان ولا ديمقراطية، وها نحن نندم على البرلمان، وعلى الديمقراطية، وقد فشلا في التغلب على التقاليد الصعلوكية(…)، وها هو أحد الصحفيين يصف المجمع الذي يتناظر فيه المنتخبون من أقطابهم يا حسرة يعني البرلمان، بأنه: ((يرتفع فيه الضجيج، والنعيق)) (الدامون. المساء). والنعيق هو ما قد تبحثون عن تفسيره في القاموس اللغوي، لتفهموا إلى أي حد تدهورت الأمور، وسقط المستوى.

وقد يشمئز من هذا الكلام، المحتفظون في ذاكرتهم بالمشرف من النماذج البشرية في الماضي، لكنهم لن ينكروا أن الصراع الكلامي، هو الذي يتطور إلى النزاع العقائدي، الفصل الأول في الحرب الأهلية، النموذج الذي أسقط الدولة المرابطية بعد أن ((اختفى زعماء التيار المعتدل، وصفا الجو نهائيا للتيار المتطرف الذي أعلن الثورة سنة 1730م، حين بدأت أعناق الفقهاء، ورؤساء الجند(…) تشرئب نحو الانفصال عن الحكم المركزي)) (المغرب والأندلس. إبراهيم القادري بوتشيش).

وقد يتساءل متعمق عن تفاصيل دور الكلمات، التي هي أسوأ من لسع العقارب في إسقاط الأنظمة، فقد بلغ صراع الألسن حد استغلال التعطش الصحفي، قبل عصرنا الحاضر بقرن من الزمان، حين كتب أحد الفاعلين السياسيين في زمن السلطان مولاي عبد العزيز، مقالا بدون إمضاء(…) في إحدى صحف زمانه: ((قد لاح لي، أن بعض الجهال(…) الذين لا يعرفون الكوع من البوع، أمثال الماكرين، والحمالين، والمطربين، والهمجيين(…) من البادية القاصية يحاولون أن يخوضوا في بحر السياسة(…) زاعمين أنهم بجودة رأيهم، ينتقدون انتقادا مصيبا، قائلين إن الأمر الفلاني خطأ، ولو كان كذا لأنتج كذا، وهكذا نراهم يصوبون الخطأ، ويخطئون الصواب، فلا حول ولا…)) (جريدة لسان المغرب. 19 أبريل 1907).

ولم يكن السلطان مولاي عبد العزيز، وقتها يتمتع بميزة التريث مثل الملك محمد السادس، الذي لا نفهم مدلول الإشارة التمجيدية الماجدة(…) التي خصه بها الصحفي الفرنسي، فرانسوا سودان، الذي كتب مؤخرا: ((لا يوجد منافس، لمحمد السادس، ولا مرشح ضده، مثلما هو الحال، عند سلطان سويسزيلاند ماسواتي، والرئيس ليتسي في لوسوطو، ورئيس كينيا أوهولا كينياتا الذي أعيد انتخابه دائما(…) منذ 34 عاما)) (جون أفريك. 8 أبريل 2015).

فلماذا هذه المقارنة يا مسيو سودان؟

ورغم ذلك، فإن الملك محمد السادس، لم يتدخل في هذا الصراع الكلامي، بين أقطاب نظامه، رغم أنه سجل إصابة إعلامية في مرمى الرأي العام، رغم أننا في زمان يفتقد فيه لاعبونا ميزة تسجيل الإصابات.

فبعد ضجة توريط المخزن في الحب والغرام (الحقيقة الضائعة عدد 7 ماي 2015) أعفى بتعليماته الرأي العام المغربي، من أزمة الضمير التي أصيب بها نتيجة انشغال وزير ووزيرة في الحكومة، بمشاريع تجديد الفراش(…).

ورجوعا للصراع الكلامي في سنة 1907، فإن سيدنا السلطان، مولاي عبد العزيز دخل في معمعة الصراع الكلامي، قريبا مما سماه الصحفي “نعيم كمال”، عما سمعه، أو رآه(…) بأنه تعبير أولاد الزنقة «les enfants de la rue» (كود. 8/5/2015)، ويعني به النقاش بين الاشكر وشباط، وبن كيران رئيس الحكومة.

أما سيدنا السلطان، سلطان زمان طبعا، فقد شارك المتسابين(…) سبابهم، ووضع طابعه الشريف(…) على رسالة بعثها إلى قائد مولاي بوسلهام وأهل العرائش: ((وبعد فإن الرعاع(…) من دباغة أهل فاس، وحاكتها وباعتها، قد صدر منهم طيش أدى إلى شقهم العصا، والخروج عن طاعة المخزن، وتعصبهم على ذوي المروءة، والدين من أهل البلد)) (مظاهر يقظة المغرب. محمد المنوني).

وطبعا، بقي رعاع الدباغين بفاس، واضطر السلطان مولاي عبد العزيز، الذي شتمهم، إلى مغادرة العرش، فالشتيمة لا تؤدي دائما إلا إلى السقوط، سقوط الساكتين عنها والمتفرجين عليها، والسعداء باحتدامها، والمشاركين فيها، سواء كانوا سلاطين أو رؤساء حكومات أو رؤساء أحزاب، أو غيرهم من المتحركين في الظلام.

وهو نموذج وزير العدل المصري، منذ أسبوع، حين أراد تقليد وزيرنا بن كيران في أسلوبه الانفتاحي(…) فقال الوزير المصري بأن أولاد الزبالين، لن يدخلوا لمناصب القضاء، ولكن الوزير المصري، على أية حال، كان أقل عنفا من مستوى الصراع الكلامي، البذيء(…) الذي أصبح عندنا يهيمن على المناقشات السياسية، لأنه لو تجرأ الوزير المصري على وصف رئيس حكومته بأنه من داعش، أو من النصرة، أو منتميا للموساد، كما قالوا في حق بن كيران لكان رئيس الحكومة، ملزما بأن يصدر أوامره كرئيس للحكومة، إلى مدير الأمن الوطني، باعتقال متهميه بالإرهاب.

وربما، وجب علينا التوقف، عما سماه، خالد كدار “هسبريس” بـ”حشيان الهضرة” لنتنفس الصعداء، ونمسح جباهنا من عرق الحشومة التي تخجل حاضرنا، ولماذا لا، الخوف، من استفحال ظاهرة السب، وتطورها إلى صراع عقائدي قبلي عنصري متخلف، ظهرت مؤخرا، عندما تبنى بعض المنتظرين للفرص المتاحة، للاستقواء مثل حوثيي اليمن، بسلاح الصراع الشيعي السني، كما حصل في إحدى تجمعات مراكش في يوم دراسي، حين تدخل شيخ متعقل في البرنامج المعلن: “الخصوصية المغربية” لكن لحية الشيخ المتدخل بدأت تتحول إلى لون الدم القاني، عندما اتهم في تدخله الاشكر وأحمد عصيد، بالخنازير والحشرات، وكأنه يعطي المبررات لمن يتوفرون على أساليب أعنف(…).

شيء مخيف، تهابه النخبة المنشغلة بتتبع الأخبار، ولا نقصد بعض الكتاب الصحفيين الذين يظنون أن الزمن أعطاهم(…) ليكونوا متفرجين مستفيدين(…) فكثير من الصحفيين العالميين فقدوا حياتهم في الفرجة على الحروب الفوضوية، بالعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، وقد كان مصيرهم كمصير الصحفيين التونسيين والمصريين الخمسة الذين ذبحتهم داعش مؤخرا فوق رمال الشاطئ الجميل لمدينة طرابلس الليبية.

لولا أن أولئك الذين يدعون أن المغرب مصان ببركة الأولياء والصالحين، المدفونين في أطرافه، ربما كانوا صادقين، حينما بدأت بعض الأجيال المغربية، المعاصرة، تفكر في حتمية وقفة سياسية حازمة، بعد أن افتقدنا الحزم(…) في النخبة السياسية التي تحكمنا، ولو على حساب إغلاق المتجر السياسي، بالمغرب بعد أن قرأنا أن ((مسؤولا سياسيا مغربيا رفيع المستوى، دق ناقوس الخطر، من النتائج التي قد تترتب عن استمرار التوتر الحالي بين المعارضة والحكومة، وأن هذا الواقع من شأنه أن يدفع الدولة(…) نحو تبني اختيارات سياسية، لضمان السير العادي لمؤسسات الدولة، رغم أنها ستشكل انتكاسة ديمقراطية بالنسبة لمسار 2011)) (يونس دافقير. الأحداث 5 مايو 2015).

السياسي الذي يدعو حرفيا إلى ((إغلاق القوس الدستوري والحكومي، والبرلماني)) ليس على ذلك المستوى، من الشجاعة، لأنه خاف الكشف عن هويته، خوفا من ما لا يبرره الخوف.

فقد سبق هذا التلميح الصحفي، إلى هذه الحتمية السياسية، بضرورة توقيف اللعبة(…) ذلك النموذج التاريخي، للملك الحازم، الحسن الثاني، عندما أعلن حالة الاستثناء حين استفحلت بالمغرب، صراعات كانت أكثر تأدبا، وأكثر احتشاما من هذه الصراعات التي سماها أقطابها، هم أنفسهم بالسفيهة، فلم يثبت مرة في تاريخ الديمقراطية المغربية أن قيلت كلمة السفاهة في البرلمان.

وقد رأينا كيف وقف البرلمان المغربي، بجميع اتجاهاته، ومكوناته، وبمحضر غرفتيه النيابية والاستشارية، الأربعاء 6 مايو الأخير ليصفقوا بحماس منقطع النظير، للكلمة القيمة المطولة التي ألقاها مدير هيأة المحاسبة، إدريس جطو، بلغة وصراحة لم يعهدها في البرلمان الحالي، لا قبل دستور 2011، ولا بعده.

وإدريس جطو، هذا النموذج التقني المخزني، الصارم وقد كان وزيرا للتجارة والصناعة في ثلاث حكومات أيام الحسن الثاني، وكان وزيرا للداخلية في عهد محمد السادس سنة 2001، وقد اكتشف محمد السادس، ميزات هذا الرجل التقنية والسياسية فعينه وزيرا أولا سنة 2002 إلى سنة 2007، يذكرنا كلامه بالجدية، كما تذكرنا أرقام تقريره بالمصداقية، وكنا، وكان الناس جميعا يتمنون أن لو كان أحد المستشارين الحاليين للملك محمد السادس، يتمتعون بتلك النبرة السحرية التي جعلت النواب والمستشارين، ينسون مع إدريس جطو تلك التفاهات والملاسنات التي طبعت جلسات البرلمان خلال الشهور الأخيرة.

ومادام المغرب في جميع حيثياته يرفل بالنماذج البشرية التي يعتبر إدريس جطو، قطبا من أقطابها، فإن الأخطار التشتيتية التي تهدد المغرب، تحتم على المسؤولين عن مستقبله(…) أن يراجعوا دروسهم(…) ويعملوا بنصيحة المسؤول الذي لم يكشف عن اسمه في مقال “الأحداث المغربية” بإغلاق القوس الدستوري.

بعد أن أصبح الدستور المغربي المقدس، نسيا منسيا، لا يلتزم به نائب ولا مستشار ولا سياسي ولا زعيم..

بل ونحن خائفين على أن تكون الأجيال الشابة محتفظة في ذكرياتها، بهذه العبارات البذيئة التي أصبح ترديدها الشغل الشاغل، لأقطاب دولتنا، فماذا لو تهافتت النخبة المفكرة، على تحليل الأوضاع وعرض الحلول.

error: Content is protected !!