في الأكشاك هذا الأسبوع
الهمة رفقة العروسين ليلى وعمر

ملف الأسبـوع | هل تنجح سياسة المصاهرة في حل قضية الصحراء؟

إعداد: سعيد الريحاني

       قالوا ناس زمان: “بفلوسك، بنت السلطان عروسك”، وقالوا أيضا: “مسكين خذا مسكينة، وتهنات لمدينة”، وبعيدا عن لغة الحسابات قالوا: “زواج ليلة تدبيره عام”، والواقع أن المغرب شهد في الفترة الأخيرة أعراس عديدة بالمعنى السلطاني للكلمة، وإذا كان تدبير عرس يحتاج إلى سنة، فإن فهم دلالات ومغزى الأعراس الأخيرة قد يحتاج إلى سنة من أجل الفهم، في هذا الصدد يمكن الحديث عن حفلات المصاهرة الأخيرة بين أقطاب الصحراء.

واحد من هذه الأعراس التي شهدتها الفترة الأخيرة هو حفل الزفاف الذي جمع بين عائلتين كبيرتين في الصحراء، وهما عائلة القطب الصحراوي حسن الدرهم، وعائلة خليهن ولد الرشيد رئيس المجلس الاستشاري لشؤون الصحراء، وأخ حمدي ولد الرشيد الذي بات يسير شيئا فشيئا نحو إحكام قبضته على حزب الاستقلال، بحكم عضويته في اللجنة التنفيذية.

وكانت “الأسبوع” قد نقلت عن الشرقي اضريس الوزير المنتدب في وزارة الداخلية والمدير العام السابق للأمن الوطني، والذي لم يتأثر بالزلزال الأمني الذي شهدته المملكة في الفترة الأخيرة، قوله للصهرين حسن الدرهم وخليهن، لقد حققتم المعجزة، وأنجزتم الوحدة التي كانت قضية الصحراء تبحث عنها (الأسبوع، عدد 14 ماي 2015).

هكذا يمكن القول إن الفرحة في مناسبة كهذه كانت فرحتين؛ فرحة بالزفاف وفرحة بتوحيد صفوف الصحراويين، بعدما كانت جل التقارير الصحفية تؤكد وجود عداوة ثابتة في الجانب السياسي بين العائلتين، فبينما ينتمي حسن الدرهم إلى حزب الاتحاد الاشتراكي، ينتمي خليهن ولد الرشيد لحزب الاستقلال، والذين يعرفون الصحراء معنى المعارك السياسية الطاحنة(..) التي تشهدها كل منافسة انتخابية.

وانظروا لقيمة حفلات الزفاف عند آل الدرهم، فرغم أنه لم تمر سوى أيام على هذا الحفل الكبير، إلا أن الصحافة كانت قد شرعت منذ مدة في الحديث عن عرس آخر مرتقب ينتظر أن يجمع هذه العائلة مع أحفاد القطب الصحراوي الراحل سعيد الجماني، من خلال إحدى حفيداته.

لمعرفة القيمة الحقيقية لعرس من هذا النوع، يكفي إلقاء نظرة على نوعية الحضور الذي يجسده المستشار الهمة، كمبعوث من طرف الملك محمد السادس، والذي حمل هدايا ملكية للعروسين، كما يمكن أن نقرأ من خلال الحضور دائما دلالات وأبعاد حضور عدد كبير من الوزراء، والمسؤولين، ورجال الأعمال، والنافذين.. ويمكن أن نقرأ أيضا إشارة سياسية أخرى أكدها غياب الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي وعراب حزب الأصالة والمعاصرة، وربما اقتضت الوحدة الصحراوية في العرس إبعاد بعض الرموز لتجنب التشويش أو سوء الفهم، إذ لا يعقل مثلا ألا يتم استدعاء إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي من لدن الاتحادي حسن الدرهم(..).

وقد كان لافتا للانتباه المجهود الذي بذله الصحراويون وهم يحاولون المزج بين التقاليد العريقة في العرس الصحراوي، والانفتاح على شكل الأعراس الأخرى التي تنظم في سائر أرجاء التراب الوطني، فالكل يعرف أن العروس الصحراوية لا تكشف وجهها أمام الحضور، كما يعرفون أن الصحراويين لا يحتفلون بـ”العمارية”(..).

وقد لا يكون عصيا على أحد ملاحظة البعد القبلي للأعراس الصحراوية إلا أن عرسا مثل عرس آل الدرهم وآل الرشيد، قد يؤكد ما كتبه منذ سنوات طويلة، بقلم الدكتور المصري، إبراهيم دسوقي أباظة، هذا الأخير كتب في كتابه تحت عنوان “وعادت الصحراء” ما يلي: “الواقع أن العنصر القبلي لم يعد الطابع المميز لهذا المجتمع بعد أن أصبحت الروح الوطنية والوازع القومي هما السائدان بين سكان الصحراء، وعلى الرغم من أن هذا المجتمع يتكون من قبائل يربطها دين واحد ولغة واحدة ووطن واحد، فأفراد هذه القبائل لا يتصفون بنزعة قبلية محضة، بل إن هذه النزعة تتضاءل كثيرا أمام النزعة الوطنية التي تربط الصحراويين بالوطن الأم، والتي تتمثل في البيعة”.

يمكن القول إن حضور الهمة في عرس كبير له دلالة خاصة لكنها لا تقل دلالة عن حضور “المخابرات الخارجية المغربية” في شخص ياسين المنصوري، مدير الدراسات والمستندات “لادجيد” في حفل الزفاف الذي أقامه قبل أيام المعارض الموريطاني المقيم في مدينة الدار البيضاء (العرس كان في الرباط)، المصطفى ولد الإمام الشافعي الذي زوج ابنته من إن عمها في المدينة ذاتها.

المنصوري في عرس المعارض الموريطاني ولد الإمام الشافعي

المنصوري في عرس المعارض الموريطاني ولد الإمام الشافعي

وبخلاف العرس الأول لم يكن العرس الثاني باذخا وربما كان ذلك متعمدا من طرف أصحابه، لأسباب خاصة(..) ولكن ما أعطاه قيمة أكبر هو حضور كل من ياسين المنصوري وصلاح الدين مزوار وزير الخارجية، وهو تأكيد على البعد الخارجي لهذا العرس، بخلاف البعد الداخلي الذي جسده حضور الهمة في عرس الدرهم.

ولا شك في أن السؤال المطروح هو: ما الدافع الذي يمكن أن يحمل ياسين المنصوري، بكل ثقله، على حضور عرس معرض موريطاني؟ الجواب كما أشارت إليه قصاصات إخبارية يكمن في كون ولد الإمام الشافعي “يوصف بالرجل القوي في منطقة الساحل والصحراء، لما يتمتع به من علاقات معقدة، مما جعل دول أوروبا تتخذه مفاوضا بينها وبين الجماعات الإرهابية في شمال إفريقيا”، حسب مصادر إعلامية، ورغم أن المغاربة يقولون: “إذا ظهر المعنى، فلا فائدة من التكرار”، إلا أنه يمكن القول إن ولد الإمام الشافعي، يعد من بين الشخصيات الأكثر إثارة للجدل في موريطانيا، ولا ينظر إليه بعين الرضى من طرف بعض الكتاب الذي يجادلون في جنسيته بين من يراه “موريطانيا، أو بوكينابيا، أو نيجيريا، أو ليبيا، أو إيفواريا.. من حيث الأصل..”.

وقد لاحظ عدد من المتتبعين هذا البعد السياسي الفجائي لأعراس عديدة انعقدت في الفترة الأخيرة، هل سمعتم مرة عن اجتماع انعقد بين عبد الإله بن كيران وعباس الفاسي وعبد الرحمن اليوسفي بوصفهم وزراء أولين؟ طبعا لا، ولكن الاجتماع حصل فعلا خلال الفترة الأخيرة بمناسبة حضورهم لحفل زفاف بنت أبت صالح رئيس البروتوكول في الوزارة الأولى سابقا.

وبعض النظر عن دلالات الأعراس الأخيرة، فقد كانت المصاهرة، طيلة مدة طويلة من أدوات الحكم في المغرب، رغم أن دور السلطان في هذه الحالة اقتصر على تقديم الهدايا، فقد “حرص سلاطين المغرب، خلال العصر الحديث، كما جرت العادة لدى أسلافهم المتعاقبين على حكم المغرب، على الحفاظ على روابط القرابة مع بعض القبائل بواسطة مؤسسة الزواج التي شكلت على ما يبدو، دعامة أساسية لخلق تحالفات مع مجموعات بشرية، لها من الخصائص ما يمكنها من تشكيل قاعدة خفية مأمونة الجوانب.. هكذا تزوج أحمد المنصور من قبيلة “الشبانات” ثم من أسرة بوكرزية ذائعة الصيت في المنطقة الممتدة ما بين منطقتي تافيلالت وكورارة، وكان المولى إسماعيل حاضرا في تشكيلات قبلية مختلفة من خلال ارتباطاته بنساء، منها أنه تزوج من المغافرة، والرحامنة، وبني مالك، وبني سفيان، والشاوية، ودكالة، والحياينة، وزعير، وأولاد دليم، وأولاد حمامة” (محمد جادور/ أستاذ التاريخ الحديث، مجلة زمان، عدد دجنبر 2013).

وكانت طبيعة الأعراس المغربية بشكلها الملكي والسلطاني قد انتقلت من المغرب إلى موريطانيا، ورغم أن التوجه الموريطاني يبدو قريبا من توجه البوليساريو، وهو ما تعكسه الأزمات الأخيرة بين البلدين، فإن عائلة الرئيس الموريطاني اختارت الالتحاق بالطرح المغربي في الأعراس من خلال تخلي الأسرة الحاكمة على تقاليد موريطانيا، “وظهرت ابنة الرئيس محمد ولد عبد العزيز في حفل زفافها في زي مغربي في مختلف مراحل العرس، بينما ارتدى العريس جلبابا مغربيا، وأحيت العرس فرق موسيقية مغربية، كما تمت الاستعانة بمنظمي حفلات الزفاف المغربية لحمل العروس على “العمارية” طبقا للتقاليد المغربية، هكذا تحدثت الصحافة، وربما حاولوا تقليد الأعراس الملكية التي تم بثها على شاشات التلفزيون(..).

يذكر أن موضوع الزواج قد تطور كثيرا في المغرب حتى في ما يتعلق بالتقاليد الملكية: ((فمن بين العادات التي كانت متبعة داخل البيت العلوي، يوجد تقليد ينص على ألا تتزوج شريفة علوية ولا شريف علوي خارج إطار أبناء عمومتهم (تماما كما كان الحال عند أهل الصحراء) وظل التقليد جاريا إلى حدود سنة 1929، عندما صدر منشور من وزارة العدلية بعدد 12216، وبتاريخ 19 يونيو من السنة المذكورة، التي توافق عام ولادة العاهل الراحل الحسن الثاني، وجه كل قضاة الإيالة الشريفة، وهذا نصه: “.. يأمرك سيدنا، أن تأذن للعدول في عقد أنكحة الشرفاء والشريفات العلويين، مع غيرهم من الأشراف والعوام..”)).

ماذا لو كانت هناك أعراس أخرى من هذا النوع، على غرار أعراس الدرهم، وآل الرشيد، وآل الجماني؟ ماذا لو كان هناك مزيد من الأعراس بين قبائل ركيبات الساحل، وركيبات الشرق، وقبائل تكنة، وأيت لحسن، وأين تدرارين، وأولاد دليم.. ألن يكون ذلك عاملا مساعدا على حل قضية الصحراء، طالما أن عنصر المصاهرة لم يتوقف رغم الأحلام الانفصالية للبوليساريو، وغالبا ما يشاهد بعضهم وهم يتجولون في الرباط، ومدن أخرى، بدعوى أنهم أقرباء من جهة المصاهرة، لماذا لا يجتمع الشمل إذا في المغرب طالما أن الأمر يتعلق بعائلة واحدة(..).

error: Content is protected !!