في الأكشاك هذا الأسبوع

المنبر الحر | الحج بالقرعة أو بضربة الحظ‎؟


قال إدريس الخوري في حوار له مع إحدى الجرائد اليومية، إنه لم يكن يتوقع أن تقع قرعة الحج عليه حينما كان يشتغل في صحيفة الاتحاد الاشتراكي. وأضاف: “كيف لي أن أصبح حاجا وأنا أوجد خارج المنظومة الرسمية للمجتمع”، لذلك تنازل لإبراهيم فرحان، والذي كان يعمل “شاوشا” في مكتب الجريدة بالرباط، ولكن ما شدّ انتباهي هو قوله: “شخصيا لست مخلوقا للحج ولا لغيره من الطقوس الدينية التي لا أؤمن بها مطلقا”، جرأة وصراحة من طرف صحفي محنك وقاصّ بصم الحقل الأدبي بأعمال متميزة منها: “حزن في الرأس والقلب” (1973)، و”ظـلال” (1977)، و”البدايات” (1980)، و”الأيام والليالي” (1980)، و”مدينة التراب” (1988)، و”فضـاءات” (1989)، هذه المقولة ذكرتني بجاري “الحاج الهنتاني” (اسم مستعار) الذي يعتبر في دربنا من الناس الذين يحالفهم الحظ حتى فيما لا يرضي الله؛ عربيد من الدرجة الأولى، ماجن بامتياز، إلاّ أن حظه كسبه أن تقع عليه قُرعة الحج في الشركة التي يعمل بها، ومن حسن الصدف فاز كذلك في القرعة على صعيد الجماعة المحلية، كانت قصة تؤجج غضب الحاقدين وفي نفس الوقت حسد بعض الذين يعرفون عنه حبه للخمر والميسر، والبعض رأى في هذه القضية علامة الهداية من العلي القدير. ففي فجر ذو طقس دافئ رغم أننا في شهر أكتوبر، خرجت في اتجاه المسجد لكي أصلي الفجر، أسرعت بعض الشيء كي أصل قبل إقامة الصلاة، وأنا أهرول أثار انتباهي وجود جثة جاثمة في آخر الزقاق، كان الفضول طبيعيا، خصوصا والشخص الذي يفترش الأرض هو جاري “الحاج الهنتاني”، رجل رغم أنه قام بزيارة الديار المقدسة للقيام بشعائر الحج كان مبتليا بشرب الخمر، لم يقو “الحاج الهنتاني” على فراق الحانات وظلمات الأزقة إلا المدة التي امتدت بين الاستعدادات للحج واستقبال الأهل والأصدقاء حين الرجوع، ورجعت حليمة إلى عادتها القديمة،  تقدمت خطوات نحوه ومددت يداي كي أساعده على النهوض – لا يمكن أن أتركه في هذه الحالة فخطر الاعتداء عليه وارد، ولن أغفر لنفسي لو وقع له مكروه – كانت تفوح منه رائحة كريهة خليط بين الخمر والسيجارة، كان يتفوه بكلمات جمعت بين النقد والاحتجاج :

– “كلشي زادو فيه، بغاونا نموتو، ماشي معقول”.

لم أعر للموضوع عناية وجذبته كي يقف ليتأبط ذراعي، عليّ أن أسرع للوصول به إلى منزله والرجوع إلى المسجد، حدّق في لحظة ثم قال، وكأنه يقرأ في مخيلتي :”غير خلني نمشي وحدي للدار راني وصلت، راه غادي يفوت عليك وقت الصلاة”.

تبسمت وأجبته :”ما عليهش غير يالله نمشيو”، قلتها وأنا أتساءل مع نفسي كيف يمكن لرجل مثل “الحاج الهنتاني” أن يصل إلى هذا الحضيض؟ كان له من فضل الإله أن اكتمل فرائض الإسلام، مُدّت له طوق النجاة كي ينجو من بحور الحرام ويبحر في دنيا الحلال، كيف يرجع بنفسه إلى الوراء ويعود إلى العربدة والسهر؟

وكأنني تكلمت بأعلى صوت ليسمعني، إذا به يقول لي :”الدنيا غدارة، وما يوصلك غير اللي مكتاب عليك، إنّ النفس لأمّارة بالسوء، أنا ماشي سكران، كنت غير عند صحابي ونشطنا شي شوي”.

كلامه جعلني أنتبه إلى قسمات وجهه وإلى حالته، لم يسأله أحد ولم يكن مطالبا بتبرير تصرفاته، خصوصا في هذا الوقت من الفجر، فليس هناك من شاهد عن وضعه إلا أنا، أوصلته إلى باب منزله وتركته لأهله وعالمه، هل الحاج الذي أحمل بين يدي من الذين خُلقوا للحج؟ أم أن القُرعة أخطأت في الشخص؟

 لن أقول إن إدريس الخوري قد عمل صالحا عندما رفض الحج، لكن وبكلّ تأكيد فجاري الحاج الهنتاني أخطأ وهو يقبل ما كسبه من حظه.

بوسنين مصطفى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!