في الأكشاك هذا الأسبوع
باشا زعير محمد بن بوعمر لحظة وفاة والده القائد بوعمر بن رحو بحضور المقيم العام الفرنسي

إدارة الأملاك المخزنية تعارض تنفيذ وصايا الحسن الثاني

الرباط – سعيد الريحاني

    عندما نال المغرب استقلاله سنة 1956، كان أول إجراء تم اتخاذه هو جرد لوائح “الخونة”، وكان الغرض من ذلك هو “تتريكهم” وتجريدهم من ممتلكاتهم بل إن بعض “المحميين” من طرف الاستعمار كانت نهايتهم بشعة في ذلك الزمن الذي لم يكن فيه لا “فيسبوك” ولا “يوتوب”، ولكن شهود تلك المرحلة يؤكدون وجود مجازر تندرج في إطار ما يسميه البعض “الوجه الآخر لجيش التحرير”.

كان من ملامح تلك المرحلة صدور ظهير شريف بتاريخ 27 مارس 1958 يقضي بتجريد عائلات كبيرة في ذلك الوقت من ممتلكاتها، حسب ما يتذكره، “عسو بن محمد بن بوعمر”، وهو حفيد قائد زعير “بوعمر بن رحو”، ووالده هو “باشا زعير امحمد بن بوعمر”، هذا الأخير طرق أبواب “الأسبوع” ليحكي معاناته مع إدارة الأملاك المخزنية التي تسيطر على ممتلكات العائلة، والتي تضم مئات الهكتارات في نواحي الرماني وعدد من العقارات في العاصمة الرباط.

كان ظهير 1958 واضحا من حيث تحديد الأسماء التي يجب تجريدها من الممتلكات، وتشمل اللائحة “رحو بوكرين قائد فاس، والمختار بنحمو باشا مكناس، والعربي بن عبد السلام اليازغي قائد بني يازغة.. وباعدي ولد موحا أو حمو قائد أيت بوحدو.. وأحمد بالمدني باشا أكادير، ومحمد بن بوعمر باشا زعير .. واللائحة طويلة، كما يحددها الظهير.

يتذكر عسو أن والده باشا زعير، محمد بوعمر، أصبح لاجئا سياسيا في فرنسا منذ سنة 1956، في ما اختار ابنه من الزوجة الأولى البقاء في المغرب، لكن مصيره كان هو القتل على يد جيش التحرير باعتباره “ابن خائن”، وكان ذلك مجرد مقدمة لاستباحة كل الأملاك والأراضي والماشية..، حسب ما يحكيه عسو، بلغة يغلب عليها التأثر، علما أن الأراضي كانت تبلغ مساحتها وقتها 1800 هكتار.

يؤكد عسو أنه كان طفلا صغيرا عندما صدر ظهير آخر يلغي الظهير الأول، تم من خلاله العفو على المحكوم عليهم بالتتريك في 8 نونبر سنة 1963 بمناسبة ميلاد ولي العهد وقتها “الملك محمد السادس”، ويتضمن الظهير الأخير الذي تتوفر “الأسبوع” على نسخة منه، أسماء عديدة تم العفو عنها ويتعلق الأمر بـ: باشا مراكش التهامي الكلاوي، وقدور بن حميدة البازاري قائد تيسة، ومحمد ولد أمهروق قائد خنيفرة، ومحمد شماعو مدير جريدة “الوداد” في سلا، والفاطمي بن أحمد بلبشير باشا تيزنيت.. بالإضافة إلى أسماء أخرى.

لم يكن اسم الباشا محمد بن بوعمر مدرجا في لائحة المعفى عنهم، لكنه رجع إلى البلاد وشرع في استغلال أرضه عن طريق عقد كراء من المحكمة، ويتعلق الأمر بالمحكمة الابتدائية في الرباط قبل أن تدركه الوفاة سنة 1969، وقتها كان “عسو” وإخوته مجرد أطفال صغار في فرنسا حسب ما يحكيه لـ”الأسبوع”، فانطلقت ما يسميها “فصول نهب جديد للممتلكات”، من طرف بعض المترامين… غير أن الأبناء عادوا إلى وطنهم في فترة الثمانينيات، وشرعوا في استغلال الأراضي التي تركها والدهم بناء على عقد مع المحكمة، بعد أن حل محل والدهم في العقود.

تبعا لما سبق، وبعد أن وصل الملف إلى وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، شرع ورثة محمد بن بوعمر في استغلال 1800 هكتار، بناء على عقد كراء مع إدارة الأملاك المخزنية يرجع تاريخه إلى سنة 1987، وكان هذا العقد حسب ما يحكيه “عسو” مجرد حل مؤقت في انتظار استرجاع الممتلكات، التي أمر الحسن الثاني بإرجاعها إلى أصحابها.

في هذا العقد الموقع بين إدارة الأملاك المخزنية في شخص رئيس دائرة الأملاك المراني محمد، وورثة محمد بن بوعمر، يمكن أن نقرأ مجموعة من الفصول من بينها: أن المكتري ملزم بصيانة الآبار وتخميل الوادي.. ويمنع عليه قطع الأشجار سواء كانت حية أو يابسة، وجني الثمار يكون باليد لا بالعصا.. إن جميع الضرائب والأداءات كيفما كانت سواء الموجودة منها، أو التي ستحدث ستكون على المكري.

عقد كراء الذي "تنكرت" له إدارة الأملاك المخزنية

عقد كراء الذي “تنكرت” له إدارة الأملاك المخزنية

الكراء وكيفما كان الحال يبقى رمزيا، والورثة ظلوا يعتبرون منذ سنوات، أن هذا الكراء كان مجرد حل ودي مع الأملاك المخزنية، في انتظار تنفيذ وصية الحسن الثاني، الذي أمر بإرجاع الأملاك إلى أصحابها، لكن عسو يؤكد أن إدارة الأملاك المخزنية، لم تعد تمسك مقابلا عن الكراء خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، مما يرجع، حسب قوله، فرضيات مريبة(..)، يؤكدها وجود جرافات تتحرك بعين المكان دون أن يعرف أحد سبب وجودها، حسب ما يؤكده عسو.

يشرح عسو بأن “تماطل” الأملاك المخزنية في تحصيل مقابل الكراء، هو الذي دفع عائلة بوعمر إلى مراسلة الملك محمد السادس، حيث استغلوا زيارته لواشنطن سنة 2013، فأوصلوا رسالتهم التي جاء فيها أن: “.. جلالة الملك الحسن الثاني، أعطى تعليماته السامية سنة 1986 بإرجاع كل ممتلكاتنا، وفي انتظار ذلك أمر بتمكيننا من كرائها، لكننا لحد الساعة لم نحظ بتنفيذ فعلي لهذا الشرف الكريم، ومازلنا في وضعية صعبة ماديا ومعنويا تثير العطف والرحمة والشفقة.. إننا نتوجه إلى جلالتكم، بعد أن سدت الأبواب في وجوهنا.. علما أننا كنا ضحايا ظروف خارجة عن إرادتنا ونحن إذ ذاك مازلنا أطفالا ولا علاقة لنا بما حصل لنا في الماضي..”.

لا تقف معاناة عسو وعائلته، حسب ما يحكيه، عند حدود الأرض بل تجاوزتها إلى العقارات الموجودة في الرباط التي لم تسلم بدورها من “التطاول”، ذلك أن إحدى التعاونيات السكنية المحسوبة على الأملاك المخزنية دخلت في صراع من أجل “انتزاع” عقار من ورثة محمد بن بوعمر وهو العقار الذي يحمل الرقم 4266/ر، “وقد تبين لهم أن الدولة فوتت العقار إلى التعاونية السكنية شالة، بمقتضى عقد مؤرخ في 25 يونيو 1999 وهذا العقد حدد شروطا لإتمام البيع لم تلتزم بها المشترية، لذلك التمسوا معاينة فسخ عقد البيع المبرم بين الدولة والتعاونية والتشطيب عليه من الرسم العقاري عدد 4266/ر.

ويطرح موضوع النزاع بين ورثة باشا زعير، وجمعية محسوبة على الأملاك المخزنية، عدة أسئلة من حيث طريقة التصرف في هاته الأملاك، خصوصا أن الأملاك المخزنية مطالبة بالحفاظ على أملاك الدولة بالدرجة الأولى وليس التصرف فيها.. في انتظار انتهاء المسطرة القضائية.

جدير بالذكر، أن محمد بن بوعمر باشا زعير كان رجلا قويا في المنطقة ومازالت منزلته وسط الرماني شاهدة على تلك الحقبة، ومما يحكى في هذا الصدد كونه كان الوحيد الذي قام بإخفاء جثة المقاوم علال بنعبد الله، الذي حاول قتل بنعرفة، الذي كان الاستعمار يحاول تنصيبه سلطانا على المغرب، وكان قد أخفاه في ضيعته الخاصة، قبل أن تتأكد لجنة خاصة من وجوده بعين المكان ليتم نقله إلى مقبرة الشهداء بعد التعرف على جثته.. وقد كتب “جلفير كرنفال” وهو أول مقيم عام فرنسي في أحد كتبه ما يلي: “إن السند الوحيد الذي استطعت أن أواجه به الكلاوي هو القائد بوعمر، الذي كان أكثر تفتحا من بقية القياد..”.

وكان عسو، ابن باشا زعير والذي طرق أبواب “الأسبوع”، مؤخرا، وعلامات الإحباط بادية عليه، قد صرح بأنه لن يبقى في المغرب إذا استمر الحال على ما هو عليه في مواجهة إدارة الأملاك المخزنية.

error: Content is protected !!