في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبـــوع | ملامح مغرب الحسن الثالث

إعداد – سعيد الريحاني

لم يكن الملك الراحل الحسن الثاني يجد أدنى حرج في التباهي بصرامته، أمام الشعب، حتى لو تطلب الأمر استعمال لغة الوعد والوعيد، فالنسبة له وطالما أنه حاصل على المشروعية، فإنه لن يتردد في “تصفية” خصومه، ما دام هناك 800 ألف من أصل مليون شخص يهتفون: “يحيى الملك”، وكان هذا هو الجواب الذي قدمه لوالده الملك محمد الخامس، حسب ما حكاه في خطابه الشهير، الذي تحدث فيه عن “الأوباش” سنة 1984.

غير أن المتغيرات العالمية لم تعد تسمح بظهور خطابات “زنكة زنكة” في التلفزيون، ومن تم بات مفروضا على الملوك أخذ كل الاحتياطات والعمل بواجب “التحفظ” في أقصى درجاته للحيلولة دون الوقوع في”سوء الفهم”، فالملك لا يفترض فيه حماية عرشه فقط، بل يفترض فيه حماية شعبه أيضا، حسب ما يفرضه المنطق الدولي الجديد (ليس حبا في الشعب)، وهي العملية التي يدبرها مهندسون كبار لا يخرجون في الغالب للعلن(..).

ولي العهد مولاي الحسن الثالث بين نظرتين.. نظرة من أحد أقطاب المخزن القديم بنهاشم ونظرة الوزير عزيز أخنوش

ولي العهد مولاي الحسن الثالث بين نظرتين.. نظرة من أحد أقطاب المخزن القديم بنهاشم ونظرة الوزير عزيز أخنوش

الحديث عن الحسن الثاني حديث دون شجون بل إنه لم يرحل إلى حدود اليوم، رغم مرور أزيد من 15 سنة، بدليل أن صوره مازالت معلقة في كل مكان، بل إن بعض الصحف مازلت تستلهم مواضيعها من طريقة حياته، هناك من يتحدث عن مطبخ الحسن الثاني، وهناك من يتحدث عن الموسيقى التي يحب، وهناك من يتحدث عن هواياته وطرائفه، وهناك من يتحدث عن نسائه(..) بل إن البعض يجاهرون بالحنين إلى تلك الأيام، التي كان يوصف فيها الملك بالرياضي الأول؛ الأول في كل شيء.

الحديث عن الحسن الثاني، جزء الماضي، لكن الحديث عن الملك المقبل، الحسن الثالث جزء من المستقبل، وقد باتت العيون تراقب تصرفات هذا الملك المستقبلي، الذي بات يفتتح الأنشطة الكبرى مثله مثل والده الملك محمد السادس، بل إن مهندسي الخرجات الملكية ارتأوا خلال الأيام الأخيرة، ترويج صورته وهو يدشن معرض الفلاحة بمكناس عبر تذوق زيت الزيتون لتكتب الصحف “مولاي الحسن يغمس الخبز في زيت العود”، بالتزامن مع احتفالات القصر الملكي بالذكرى 12 لميلاده.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن تهييء الأجواء لاستمرار الحكم الملكي لا يقتصر على المغرب، فمولاي الحسن ليس سوى واحدا من أطفال اليوم وملوك المستقبل، شأنه شأن “كيت ميدلتون” وهو وريث العرش البريطاني، والأمير “هيساهيتو” في اليابان، رغم أن هذا الأخير ليس الوريث المباشر للإمبراطور “أكيهيتو” ولكنه ابن الأميرة “إيكو” حفيدة “أكيهيتو” التي لا يمكن توليها بعد والدها الأمير “ناروهيتو”.. وبما أن انتقال الحكم في إطار المُلك لا ينتقل بالضرورة من مَلك إلى مَلك، فإن المجال مفتوح للحديث عن ملكات المستقبل مثل الأميرة “أماليا” في هولندا، والأميرة “إنغريد” في النرويج، والأميرة “إستيلا” في السويد، والأميرة “إليزابيث” في بلجيكا.
ولكل دولة تقاليدها وأعرافها في ما يخص طريقة انتقال الحكم، وفي الدستور المغربي يقول الفصل 43: “إن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية جلالة الملك محمد السادس، ثم إلى ابنه الأكبر سنا وهكذا ما تعاقبوا، ما عدا إذا عَيَّنَ الملك، قيد حياته، خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا، فإن لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك، فالمُلك ينتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور، ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر”.

mapوفي تكملة الموضوع، يقول الفصل 44: “يعتبر الملك غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة الثامنة عشرة من عمره. وإلى أن يبلغ سن الرشد، يمارس مجلس الوصاية اختصاصات العرش وحقوقه الدستورية باستثناء ما يتعلق منها بمراجعة الدستور. ويعمل مجلس الوصاية كهيئة استشارية بجانب الملك حتى يدرك تمام السنة العشرين من عمره”.

ولا شك في أن المتتبعين ينتبهون إلى هذا الاختصار الشديد في ما يتعلق بتنظيم انتقال المُلك من مَلك إلى مَلك، بل إن هذين الفصلين يؤكدان وجود سكوت كبير عن التفاصيل، لماذا: “ربما لاعتبار العرش متوارثا وغير قابل للتداول خارج الأسرة المالكة، ولا يمكن تصور إمكانات أخرى للانتقال من داخل النظام نفسه، خصوصا بعد اجتياز المرحلة التأسيسية لدستور 1962، أو لأن  حق الاستخلاف هو من نصيب أحد الأبناء الذي يرث منصب وأملاك أبيه، حسب بعض المذاهب الكلاسيكية، وأن الأخلاق الحميدة تنتقل بالضرورة من الآباء إلى أبنائهم عن طريق الوراثة سيما أن الإسلام الشعبي والسياسي لم يجد بدا من تزكية هذه الفكرة ويحافظ عليها، وأن عملية الاستخلاف مرتبطة بالجينالوجيا الملكية المنتشرة في زمنية تعود إلى أصل نبوي، وما لها من امتدادات دينية وكذا سياسية (محمد مونشيح، كلية الحقوق بطنجة).

وكان صاحب الكلام المدون أعلاه، قد تحدث عن “الممكن والمستبعد في القانون التنظيمي المرتقب لمجلس الوصاية..”، غير أن نقاشا من هذا النوع لم يجد له مكانا في النقاش السياسي بسبب انشغال البرلمان بـ”السفاهة”، وقد تكون لبعض النواب أجندتهم الخاصة(..) التي قد لا تكون لها علاقة بالضرورة مع استقرار المغرب في المستقبل(..)، لذلك لم نسمع نقاشا من هذا النوع رغم الشح الدستوري في هذا المجال، فـ”الدستور المغربي ومن خلال فصلين يتيمين (الفصلان 43 و44) سعى باقتصاد كبير، وبكل ما يلزم من الاحتياط والحذر إلى تدبير الانتقال الملكي أو بالأحرى الاحتضار الملكي تدبيرا خاصا، لذلك جاء عمل هندسة الدستور ومن خلاله هندسة المقتضيات الخاصة بالملكية وتشكيلها كمكان “مملوء” عوض وصف “كلودلوفور”للديمقراطية كـ”مكان فارغ”، فالجالس على العرش مطمئن على موقعه وهوية من سيخلفه، علما أن الفرق بين حكومة متحكمة وأخرى ديمقراطية، حسب “ناتان بروان” لا يتم اعتمادا على السيادة الشعبية، ولكن بشكل آخر على اللايقينية المؤسساتية للنتائج السياسية… لذلك عمل الدستور المغربي لسنة 2011 وكغيره من الدساتير السابقة في إطار الوفاء لاستغلاقية اللغة الدستورية في هذا الموضوع بانسجام مع اشتغال العرش وفق مجازات تفند حتمية فناء الجسد المادي بالرهان على آلية التوارث التي تؤمن أبدية الملوك (المصدر نفسه).

بغض النظر عن النقاش الدستور، فإن الإعداد لملك المستقبل يخضع لترتيب خاص وصرامة كبيرة، تؤكدها طريقة ظهور مولاي الحسن في الأنشطة، والخطأ هنا مرفوض، فقد كانت دهشة منظمي مونديال كأس العالم للأندية في المغرب كبيرة جدا، وهم يشاهدون مولاي الحسن وهو يرفض التوقيع على كرة، كما كان مدهشا للبعض وقوفه بثبات أمام “كريستيانو رونالدو”، وكيف تم إرغامه على احترام الطقوس الملكية، وكيف أن مولاي الحسن كان يجلس بثقة كاملة إلى جانب “رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “جوزيف بلاتير”.

لعل ما يعطي لشخصية مولاي الحسن، مظهرها الصارم في الخرجات البروتوكولية لدرجة أن البعض بات يشبهه بالحسن الثاني، هو الإشراف الملكي المباشر على تربيته والدور المحتمل للالة سلمى(..) حيث إن صداقاته مقتصرة على بضعة أشخاص أولهم مولاي رشيد، الأمر الذي يؤكده الانسجام بينهما، أما “خارج دائرة الأسرة الملكية، فقد نسج الأمير مولاي الحسن أولى علاقاته بشخصين اثنين هما: مربيته المكلفة بكل ما يهم ولي العهد منذ صغره، وهي المنتقاة من بين عشرات المربيات وفق شروط خاصة للسهر على إعداد وتكوين ولي العهد.. ثم حارسه الشخصي الذي من خلاله يحظى الأمير ولي العهد بحراسة لصيقة، حيث يشرف حارس الأمير على مجموعة من الحراس الخاصين يتراوح عددهم ما بين 4 و6 حراس، يتناوبون على حماية وحراسة وتنقلات الأمير (الأحداث المغربية، عدد 2 ماي 2015).

يمكن القول إن التربية التي يخضع لها مولاي الحسن شبيهة بالتربية التي خضع لها، الحسن الثاني بإشراف مباشر من لدن والده الملك محمد الخامس، يحكي محمد حدو أمزيان: ((كان لزاما على والده أن يسهر بنفسه على تربية الأمير، وتنشئته تنشئة كاملة، وفي سنة 1934م لما بلغ الأمير سن الخامسة، أقيمت بالقصر حفلات دينية حشد لها العلماء والفقهاء والقراء والمسمعين من كل جهات المغرب، فاستمروا طيلة النهار يتلون القرآن وينشدون القصائد والموشحات، وفي نهاية العشي دفع السلطان الأمير مولاي الحسن إلى الفقيه السيد محمد أقصبي الذي اختير ليعلمه القرآن، ويفقهه في الدين.. ويقول المؤرخ السابق للمملكة عبد الوهاب بن منصور:
قال لي جلالته عندما دخلنا إلى “المسيد” دخلت معنا الحسنية بنت معلمنا الفقيه أقصبي، وكانت فتاة تكبرنا سنا، وعرفت “المسيد” قبل أن نعرفه ببضع أعوام، ويوم ختمت الحسنية القرآن بكيت لأني لم أرض أن تختم هي بنت جميع القرآن، بينما أن الرجل ما أزال في حزب عَمَّ)).

رغبة الراحل الحسن الثاني في التعلم كانت كبيرة، لكنه كان يغفل عن الدراسة أحيانا (وهو أمر غير مسموح به لولي العهد الحالي)، فقد حصل على رتبة أقل من المتوسط في الامتحانات التجريبية للبكالوريا، وهو ما جعل مدير المعهد يكتب إلى السلطان رسالة يخبره فيها بالنتيجة التي آسفته، ويرجو منه أن يحوط الأمير في الأشهر الثلاثة المقبلة بعطف أكبر وعناية فائقة، ويؤكد له بأنه سيسهر هو من جهته خلالها عليه وعلى سير الدراسة (المصدر نفسه).

هل تعرفون ماذا قال الملك محمد الخامس لابنه ملك المستقبل الحسن الثاني؟ يحكي الحسن الثاني: “لما علم والدي بالنتيجة الهزيلة التي حصلت عليها في الامتحان التجريبي، استدعاني في المساء، فمشيت إليه في استحياء حتى وقفت بين يديه في عرفة الأكل، وهو يتناول طعان العشاء، فرفع – رحمه الله – لي رأسه وقال لي:
“أ سميت سيدي” هل قرأت تاريخ المغرب؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: ها تذكر ماذا فعل السلطان مولاي سليمان مع أبنائه في آخر حياته؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: احكه لي، فحكيت له كيف أمعن السلطان مولاي سليمان النظر في أبنائه، وتأمل سيرة كل واحد منهم، فلم ير فيهم من يصلح للملك، ورأى ابن أخيه مولاي عبد الرحمن بن هشام أحق منهم بالملك وأصلح له، لعلمه وعزمه وكمال عقله، وحسن أدبه، فولاه العهد دون أبنائه”.

هل تعلمون ماذا وقع بعدها؟ يقول الحسن الثاني: لما أكملت الحكاية نظر إلي قائلا: اسمع، إنك مخير بين أمرين؛ إما أن تكون الحسن بن محمد الأمير ولي العهد، وحينئذ يجب عليك أن تؤهل نفسك بالجد والاجتهاد واكتساب العلوم والتفوق فيها على الأقران، وإما أن تكوين الحسن بن محمد الأمير فقط، وفي هذه الحالة سأيسر لك جميع الأسباب لتحيى حياة طيبة سعيدة، ولكن من غير أن يكون مطمح إلى شيء آخر، وإني لا أستعجلك بالقرار بل أمهلك ثلاثة أيام لتتأمل جيدا وتدرس الأمر من جميع وجوهه، وبعدها ترجع إلي، وتخبرني بما صح عليه عزمك، ووقع عليه اختيارك (المصدر: محمد حدو أمزيان).

يمكن القول إن لكل جيل حاكمه، فقد فرضت الظروف على أن يكون للحسن الأول عرشا فوق جواده، بينما كان الحسن الثاني بطلا للمسيرة الخضراء في انتظار ظهور ملامح الدور الذي يمكن أن يلعبه “الملك الحسن الثالث مستقبلا” وهي مهمة ليست بالسهلة، طالما أن معطيات اليوم ليست هي معطيات الأمس، ولهذا فأحد أوراش الملكية التي لا ينبغي أن تتوقف هي تحديث نفسها(..).

error: Content is protected !!