في الأكشاك هذا الأسبوع
بن كيران رئيس الحكومة الذي وصف خصومه بالسفهاء

ملف الأسبوع | ماذا بقي بعد موت المخزن والأحزاب السياسية و”السفاهة”؟

إعداد: سعيد الريحاني

بعيدا عن ذلك التساؤل العقيم: من يسبق الدجاجة أم البيضة؟ هل سألتم أنفسكم يوما إلى أين يسير هذا العالم المحتقن، بدجاجه وبيضه؟ قد يبدو أن طرح سؤال من هذا النوع أمر مقلق للغاية لكنه ليس مقلقا أكثر من الجواب الذي يقدمه المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” الذي يتحدث عن إصرار هذا العالم على الانحدار نحو الهاوية، فيقول: “إننا نسرع نحو الهاوية، مصممون على السقوط نحو العدم، وهذا يقلل كثيرا من احتمالات البقاء على قيد الحياة بشكل لائق..”، وهنا يطرح سؤال: ماذا يقصد “تشومسكي” بالهاوية، فيجيبنا هو نفسه: “في الواقع هناك هاويتان؛ كارثة بيئية باتت وشيكة، لم يعد لدينا الكثير من الوقت للحد منها، إننا نسير في الطريق الخاطئ. والثانية تعود إلى 70 عاما، كان هناك خطر الحرب النووية الذي لا يزال ينمو.. إذا نظرتم إلى هذا الملف، فقد بقينا على قيد الحياة بمعجزة” (جريدة المساء، عدد: 25 أبريل 2015، نقلا عن قناة يورو نيوز).

إذا كان هذا هو مصير العالم فلا يسعنا سوى أن نقول: “إذا عمت هانت”، فالمؤكد أن بلدا مثل المغرب لن يكون من صناع النهاية(..) لكن إلى أين يسير المغرب؟ سؤال مثل هذا طرح على وزير سابق، مؤخرا في الرباط، فوضع يده على خديه وشرع في البكاء (نعم البكاء)، ورغم أنه يمارس السياسة ويحرص على إلقاء خطب باهرة أمام الجماهير، إلا أنه قال لأصدقائه في لحظة اعتراف وانهيار: “أعرف أننا نسير في الطريق الخطإ، ولكن معندي مندير.. بغيت نمشي غير نرتاح فالدار ومقدرتش”.

وقد كان واضحا من كلام هذا الوزير السابق الذي ينتمي لحزب سقط، مثل بعض الأحزاب الأخرى(..) الموجودة بين أيدي “مجموعة انتهازية” أنه يخضع لضغط مريب(..) لم يحدد نوعية الضغط الذي يتعرض له لكن سرعان ما استرجع بعض علامات التفاؤل عندما قال له محدثه(..) اطمئن، فهذا الوضع لن يستمر طويلا، عندها جفت دموع الوزير فجأة وهو يتساءل: هل سيتوقف ذلك قبل الانتخابات أم بعد إجرائها؟ فسكت الرجلان فجأة وقاما بتغيير الموضوع عندما لاحظا اقتراب النادل منهما حيث كان يجلسان في مقهى فاخر.

ماذا يجري داخل الأحزاب السياسية؟ يقول الأستاذ الجامعي رضوان زهرو: “كل الأحزاب الانتخابوية تعيش أزمة تنظيم وبرامج وكذا أزمة في طرح البدائل وفي القادة والزعماء، حيث نسجل اليوم أزمة كاريزما لدى كل القيادات الحزبية، بدون استثناء، وهو تجسيد لأزمة الخلف، باعتبار مستوى الزعماء السياسيين الذين شغلوا الحياة السياسية إلى زمن قريب جدا، فالعديد من الأحزاب اليوم شاخت وتحتاج إلى تجديد وإعادة البناء على أسس صحيحة ومرجعيات حديثة، بسبب مأزق اللامشروعية الذي تعانيه.. نلاحظ أن معظم هذه التنظيمات تعاني ارتدادا في القول والفعل، وتفتقد للقوة الاقتراحية، ولا تقدم حلولا واقعية، أحزاب عاجزة عن التشبيب وعن تأهيل الكفاءات وإفراز نخب جديدة ومجددة تتبنى خطابات تزرع اليأس، بينما أحزاب أخرى همها الوحيد الكراسي والمقاعد وتكرس جهدها كله للظفر بالانتخابات باعتبارها غاية في حد ذاتها، الأمر الذي ينفر المواطن من الشأن السياسي بشكل عام..” (الأحداث المغربية، عدد 25 أبريل 2015).

يمكن للأحزاب أن تختار طريق الانحطاط لكن ألا توجد دولة لوضع حد لهذه المهزلة أو لتوفير المناخ المناسب لنمو تجارب أخرى (ليس بهدف التحكم)؟ يقول محمد المعزوز أستاذ الأنتروبولوجيا السياسية: “إن سهو الدولة الجديدة عن بناء قلاع فكرية صارمة في تدبير شؤونها وسياساتها أوقعها باطراد في الارتباك وإضاعة الطريق ما بين الرجوع إلى الوراء أو التوقف أو التقدم إلى الأمام. إنها تحيى بالتكرار ثم بالعادة أو بما يعبر عنه بالاقتيات من مخزون منظوماتها التقليدية بعمق مخزني أصبح اليوم يتدثر بكثير من المرونة وقابلية التكيف، لكن هذا المخزون يخطو اليوم اضطرارا في اتجاه الشح والنضوب، ومن ثمة الأفول، ما لم تراجع الدولة منزلتها بنقد ذاتها وبقبولها لنقد الآخر” (هسبريس،  27فبراير 2014 ).

المعزوز، رغم انتمائه لحزب الأصالة والمعاصرة إلا أن ارتداءه جبة الأنثربولوجي جعله يشخص بشكل دقيق ونادر أعطاب الدولة، حيث يقول: “إن من نتائج اختيارات الدولة تبخيس أولوية الفكر والسياسة والتضييق على مبدإ الاختلاف والتعددية ونقض الديمقراطية بتسفيه المرجعيات الإيديولوجية والمشاريع السياسية المتنافسة في اتجاه التداول بالاستحقاق على السلطة”، ثم يضيف، وهنا بيت القصيد: “لقد تلازم هذا الخطأ بخطإ أفدح منه وهو اجتهاد الدولة الجديدة في دعم صعود فئة من الماكرين السياسيين الذين يحسنون بلغة بروديل الالتفاف على نتف الأفكار والمواقف ويتفننون في تصريفها، ويدعون إزاء ذلك امتلاك ناصية الفكر وقواعد النظر في السياسة وشؤونها.
إن صعود هذه الفئة حدث بتدرج من إطارات مختلفة أهمها إطار الأحزاب في بلادنا.. وبمراكمتها لتجربة المناورة ورغبتها في الانجذاب الطوعي إلى السلطة قبلت بلعب مختلف الأدوار والاجتهاد في أدائها بما في ذلك لعب دور الوسيط ما بين الشيطان والشيطان” (المصدر نفسه).

إلى هنا يطرح سؤال: ما العيب في لجوء الدولة إلى خدمات الوسطاء، الجواب على لسان المعزوز، كما استقاه من الباحث “Luc Rouban”: “قد يبدو ظهور هذه الشريحة من الوسطاء مسألة عادية، حاضرة في كثير من الأنظمة السياسية.. ولكن المسألة غير ذلك، بوصفها أولا منعدمة في الأنظمة الديمقراطية والشبيهة بالديمقراطية، وبكونها ثانيا قادرة على الضرب في العمق منزلة الدولة ومشاريعها السياسية، لأن دور الوساطة الذي تلعبه ما بين الدولة والمجتمع دور غير مؤسساتي، يقوم على الفردانية المتشبعة بالتضليل واستغلال قرابتها من صناع القرار للتمويه والانتفاع الذاتي.. لذلك فسيكولوجيا هذه الشريحة حسب “Luc Rouban” سكيزوفرينية تبطن ضد ما تظهره، وغير مُحرجة من ادعائها امتلاك المعلومة والمعرفة وسرعة انخراطها في المواجهات الفجة. إن تماهيها مع السلطة جعلها أكثر سلطوية وغطرسة من السلطة ذاتها.. من هنا يأتي أثرها السلبي في تمثلات المجتمع للدولة ولرجالاتها، ومن مظاهر هذه التمثلات فقدان الثقة في الدولة نفسها وحدوث العداء وتعميق الكراهية المستدعية للتطرف” (انظروا لحكمة هذا الكلام وقارنوه مع الواقع المعاش).

لنقف عند ما يقوله الباحث “Luc Rouban” وبالضبط حين يصرح بأن شريحة الوسطاء السياسيين “تبطن ضد ما تظهره” أليس في هذا الأمر محاكاة لواقعنا؟ يقول خالد البوقرعي، الكاتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية: “هناك أشخاص انقلبوا على الملكية ويؤمنون بالجمهورية والآن هم يتعاملون بمنطق التقية”، ولا يقف عند هذا الحد بل إنه وصف حميد شباط، الذي لم ينتقد هذا الكلام، بالسياسي الذي يستعمل منطق العصابات “والمافيوزي”.

***********

 

البوقرعي، الذي كان يتحدث في تمارة، والذي لم يصدر في حقه لا تكذيب ولا تأنيب(..) حذر من وصفهم بـ”عقلاء الدولة” من ممارسات نموذج التحكم وبقايا الجمهوريين، الذين أرادوا الزج بأبناء العدالة والتنمية في السجون فبدؤوا بجامع المعتصم لكن قدر الله أن جاءت رياح الربيع العربي، وخروج حركة 20 فبراير التي تلاقت موضوعيا معظم شعاراتها مع مطالب حزب العدالة والتنمية الذي تصرف حين إذن بمنطق مصلحة الوطن” (المصدر نفسه).

بغض النظر عن حكاية “المافيوزي” أو “العراب” وهو المصطلح الذي يحيل على “شخصية زعيم المافيا” المعروفة لدى عشاق السينما، وهي الرواية الأكثر شعبية والتي ألفها سنة 1960 “ماريو بلوزو” عن الشخصية الخيالية لرئيس مافيا إيطالية في أمريكا اسمه “دون فيتو كوريليون”، وهي تلخص قصة رجل يتمتع بنفوذ وقوة “طاغية لكنه طيب ودود، وزعيم يترأس إمبراطورية واسعة، قاتل يعطي صداقته، ولا أحد يجرؤ على رفضها، حتى القتل ليس شيئا كثمن للعدالة، قصة شخصية يمتد تأثيرها إلى مختلف المستويات..” (جريدة المساء، عدد 3 شتنبر 2011).

في المغرب أيضا، بات يستعمل مصطلح “العراب” في الخطاب السياسي و”المافيوزي”، وكلها مصطلحات تبعث على الريبة، إذ أنها تجعل المتتبع يتساءل: هل يسير المغرب في اتجاه التحول إلى دولة للمافيا؟ لكن ماذا تعني دولة المافيا؟” المرة الأولى التي لوحظ فيها انتشار هذا المفهوم لكلمة “مافيا” كانت في النصف الأول من القرن الماضي، وبالتحديد في عام 1838 حيث وردت في تقرير قضائي رسمي صادر عن محكمة تراباني، وكان المقصود بالتعبير آنذاك إحدى الجمعيات السرية الخطيرة التي “لا تتردد في استخدام كافة السبل والوسائل لتحقيق أهدافها ومآربها” (جريدة الوسط، عدد 3 غشت 1992).. ورغم وجود عدة تعريفات لدولة المافيا إلا أن الأقرب إلى السائد هو أنها: “نظام دولة مرتبط بالجريمة المنظمة، ويشمل ذلك عندما يشارك مسؤولون حكوميون والشرطة أو الجيش في أعمال غير مشروعة..”، ومن تم ليس غريبا أن تسمع تصريحات للمسؤولين في إيطاليا، وهي أصل التجربة، يتحدثون عن دولة المافيا على هامش أحداث الشغب، فقد شن ((رئيس نادي نابولي الإيطالي أوريليو دي لورينتيس، مؤخرا، هجوما عنيفا على إيطاليا بسبب فشلها حتى الآن في تضييق الخناق على العنف الجماهيري المتصاعد في الآونة الأخيرة، واصفا هذا البلد بأنه “دولة مافيا”)).

قد يكون أحد عناوين تغلغل المافيا في بلد ما هو شغب جمهور كرة القدم، من هنا يطرح سؤال عن سبب شغب الجمهور في المغرب(..) سؤال مطروح على العارفين بخبايا الرياضة، لكن هل يعقل أن يكون من داخل الأحزاب المغربية من يتآمر على النظام الملكي؟ الجواب من التاريخ وعلى لسان الملك الراحل الحسن الثاني ممكن: “عندما قررت أن أرفع حالة الاستثناء فكرت في وضع دستور جديد وعرضه على الاستفتاء، ولكن كم خاب أملي وظني في الحقيقة فيمن يزعمون أنهم أطر وقادة هذا الشعب لأسباب متعددة؛ أولا: لأنهم رفضوه كلا كدستور ولم يناقشوه أبدا، اللهم إلا في بعض الفقرات، من صحفهم في ما يخص السلطة التنظيمية أو مسائل مثل هذه.. ثانيا: اندهشت كثيرا لما قيل حول هذا الدستور، وحول منبعه، وحول من وضعه، فمنهم من سماه دستور الإمبريالية، ومنهم من سماه دستور الرجعية، ولا أريد أن أزيد من ذكر الألقاب التي ألحقوها بهذا الدستور.. لأن الحكم كان إذ ذاك بكيفية مطلقة بيد الأحزاب السياسية” (من خطاب الحسن الثاني بتاريخ 1 غشت 1970).

*******************

الحسن الثاني وما أدراك ما الحسن الثاني، يتحدث عن “ظلم الأحزاب للملكية”، لماذا سينتقد الملك الراحل الحسن الثاني الأحزاب بهذه الطريقة غير المطمئنة؟ الجواب على لسانه ومن نفس الخطاب: “ليس معنى هذا أنني أرفض للأحزاب السياسية مشاركتها في الحكم، فكم يطيب لي ويلذ لي أن أحكم معها وبواسطتها وباستشارتها ومشاوراتها، ولكن هي لا تريد هذا، فهي تريد أن تعيش في الغموض.. فالذين يتقولون بأنهم لا يريدون أن ينضموا لهذا الدستور لماذا عاشوا مع محمد الخامس رحمه الله من سنة 1956 إلى سنة 1961 من غير دستور؟ لقد عاشوا إما جماعة أو منقسمين، لماذا؟ لأنه كان هناك غموض.. غموض من الناحية الدستورية والتشريعية، كان بيد الملك فقط الظهير الشريف وهو الطابع ولكن السلطة التنظيمية التي تكون بالمراسيم وما تحت المراسيم من القرارات كانت بيدهم، وبعبارة أوضح فقد كان القلم الذي يوقع على تعيين فلان في منصب، أو اتخاذ قرار في إدارة ما، أو تنظيم مكتب ما، كان بيدهم… فكلما كانوا يعيشون في الغموض، كانوا يفعلون ما يريدونه وحدهم..” (هكذا تحدث الحسن الثاني، من وجهة نظره عن خطورة الأحزاب).

ما يهم في حكاية الحسن الثاني الموثقة في خطاب رسمي، هو أنها تؤكد وجود صراع خفي بين النظام والأحزاب في بعض الحالات، وهنا يمكن أن نتساءل عن خلفيات تحرك أحزاب المعارضة التي باتت تعزف نفس النغمة تقريبا(..) لكي تطلب لقاء ملكيا من أجل رفع شكوى ضد رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، علما أن الدستور واضح، ويفتح الباب على مصراعيه من أجل الاحتكام للشعب عبر الانتخابات، وليس للملك.. وهذا التصرف لن يخرج عن أحد الأمرين؛ فإما أن أحزاب المعارضة تحاول “ابتزاز النظام” عبر آلية الشونطاج السياسي، أو أنها تجهل أبسط قواعد العمل السياسي تماما كما يحصل مع رئيس الحكومة الذي اختار وصف معارضيه بالسفهاء بهدف تفجير الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، وكانت تلك طريقته في تجنب المساءلة(..).

ألم يقولوا إن حزب العدالة والتنمية المغربي يحاول أن يحاكي تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، هذا من حيث الشعارات أما من حيث الواقع، فحزب العدالة والتنمية في تركيا حقق ما يلي: “اكتفاء ذاتي لتركيا في مجال التسلح، أصبحت تركيا ثالث دولة لإنتاج الطائرات في العالم، تصنيع قمر اصطناعي، الخامسة في بناء السفن، تحطيم أرقام قياسية في التتجير.. باختصار: لقد تبنى حزب العدالة والتنمية ضمن أهم مقولاته مفهوم الدولة الاجتماعية، ووضع خطة للصحة الاجتماعية، وتنظيم التأمين الاجتماعي ليشمل كافة أفراد الشعب..”، أما حزب العدالة والتنمية في المغرب فهو مشغول بقضية “الشوباني وسمية”، فماذا سيربح المغاربة سواء تزوجا أو تطلقا أو بقي الحال على ما هو عليه؟

error: Content is protected !!