في الأكشاك هذا الأسبوع

تجاهل كلي لمأساة المستفيدين من التقاعد النسبي

     جميع الوزارات التي تعاقبت على تسيير الشأن العام المغربي تظن أن كل موظف في القطاع العام وشبه العام، استفاد من التقاعد النسبي سعيا وراء تحسين وضعيته المادية أو للتفرغ إلى ممارسة وظائف أخرى أكثر ربحا، أو لممارسة التجارة، أو للسفر إلى إحدى القارات، وهذا خطأ كبير وتصور طوباوي، إذ أن فئة من موظفي القطاع العام وشبه العام، استفادوا من التقاعد النسبي إجبارا وإكراها، بسبب إصابتهم بأمراض مزمنة، تحتاج إلى علاج أطول وإلى راحة أبدية إما بسبب الإصابة بالشلل النصفي أو لفقدان حاسة البصر أو السمع أو الكلام، أو بتر الساقين، بحيث لم يعد بإمكانهم مزاولة مهامهم في وظائفهم إلى حين وصول السن القانوني الخاص بالاستفادة من التقاعد الكامل.

من بقي على قيد الحياة من هذه الفئة المنكوبة يكابد ويعاني في صمت، بسبب معاش شهري بدريهمات لا تتعدى 2000 أو 3000 درهم، ويخصم منها واجب التغطية الصحية للتقاعد وزوجته وعياله، علما أن الضرائب أيضا تنخر من هذه الأجرة الهزيلة وهي المورد الوحيد لعائلات تتكون من عدة أفراد.

لم يستفد هؤلاء المنكوبون إطلاقا من أية زيادة في أجورهم المعاشية، حيث بقيت جامدة لأكثر من 16 أو 20 سنة، دون التفات لمأساتهم، ولا أدنى اهتمام لمعاناتهم الصحية والاجتماعية، رغم أنهم أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة الصالح العام، فهل أسقط عنهم حق المواطنة؟! وكيف يمكن أن يعيش إنسان بمعاش لا يتماشى مع ما تعرفه الأحوال المعيشية من غلاء مستمر؟ خصوصا أن هؤلاء المتقاعدين وأثناء مزاولة مهامهم لم يستطع أحد منهم ادخار ولا درهم واحد بسبب المديونية التي كانوا يلجؤون إليها للاقتراض في الأعياد، وعند كل دخول مدرسي، ومن هؤلاء من مازال يتحمل عبء أداء واجب الكراء، رغم أقدميته في هذا السكن، ويعيش في حالة ترقب قصوى خوفا من لجوء المالك العقاري إلى طلب الزيادة في واجبات الكراء أو طلب الإفراغ، مع تحمل عبء أداء الكهرباء والماء، ومصاريف التمدرس التي دفعت بعدد لا يستهان به من أبناء هؤلاء الضحايا إلى الانقطاع عن الدراسة بسبب الفقر المادي، مما يسقط أبناءهم في مخالب الانحراف والتسكع، والتعاطي للمخدرات، وحتى الانغماس في ارتكاب السرقة أو القتل.

كيف يعقل أن يقضي وزير شهورا أو سنوات قليلة ويخرج مستفيدا بمعاش قدره الملايين شهريا طول الحياة؟ وإذا ما تحمل تسيير وزارة أخرى، أو منصب سام آخر، يتقاضى أجرته مضاف إليها معاشه. وكيف يعقل أن يتقاضى برلماني حضوره شبيه بغيابه مبالغ مالية مهمة شهريا عند انتهاء ولايته، وطول حياته ويتقاضاها مضاعفة عند انتهاء كل ولاية، علما أن الانتداب ليس هو التوظيف بينما فئة قضت أكثر من 30 سنة لا تستفيد لا من زيادة في معاشها، ولا هم يحزنون.

والشهادات الطبية المصادق عليها من طرف لجن طبية خاصة ثبت عجز هذه الفئة المنكوبة عن ممارسة أي عمل بسبب الإصابات بالعاهات المستديمة، والتي بسببها استفادوا من التقاعد النسبي إجبارا وإكراها وليس اختيارا.

إن ما يحز في النفس هو التجاهل الكلي لدى الأحزاب السياسية، التي راكمت امتيازات باستبلاد واستغفال هذه الفئة، وكذا النقابات التي أسقطت من أجندتها الدفاع عن هذه الفئة المنكوبة.

أما ما يزيد الطين بلة هو إذا توفي الزوج وبقيت الأرملة المسنة والعاطلة عن العمل تعول أبناءها بنصف المعاش الشهري، وإذا ما توفيت الأرملة، سيبقى القاصرون والبالغون من الأبناء على حد سواء في مصير مجهول.

إن إصلاح التقاعد لا ينحصر ولن ينحصر في تمديد سنوات العمل، ولا في ترهيب وتخويف الكادحين بإفلاس الصندوق المغربي للتقاعد، لكي لا ترتفع أصوات الاحتجاج عن المداخيل الهزيلة لمثل هذه الفئة، بل يتطلب الأمر القيام بدراسة عميقة ومستفيضة للقيام بإصلاح شامل للتقاعد عامة وللتقاعد النسبي خاصة للتخفيف من معاناة عباد الله.

 

عبد الكبير العلوي العزيزي (البيضاء)

error: Content is protected !!