في الأكشاك هذا الأسبوع

الــرأي | الصحافة وأزمة القراءة والكتابة وما بينهما

بقلم. إدريس أبايا

    من المؤسف أن تتراجع همة قراءة الكتب وبالتالي اقتناؤها، وحتى لا يكون لما أوردته إذلاقا لا استثناء له فإنني أحصره في نوعية ما يقرأ والهدف منه بالاقتناء.. ويأتي هَمُّ القراء متفاوتا بين من يقرأ للتثقيف والتسلية، أو لقتل الوقت والإشباع والتلهية في انتظار الوصول إلى محطة طرقية أو نسيان ما يسقط القراء في هم يشبع فيه ضياعه بملء المربعات وفك ألغاز الكلمات المتقاطعة.. وما يقرأ في المقاهي من أخبار السوق وفضائحه، وأبشر “البطاين” بالنميمة في الأعراض لمن لا هم له مع جلسائه ومن وقع له أو عليه حجز أو مصادرة الأملاك، أو من في انتظار تسميته في منصب عال، ولعل ما يصدر من الجرائد الصباحية كاف لأن يشبع لروادها نهمهم وهم يتجرعون قهوة الصباح والمساء، وقلما يلتفتون إلى موضوع ثقافي أو بحث اجتماعي أو تحليل مع ما قد وقع من نشل أو قتل أو انتهاك عرض أو تصادم طرقي بأن يعمل على البحث أو تحليل الأسباب التي أدت إلى تلك المآسي اليومية.. عندما كانت تصدر الجرائد الوطنية في فترة الأربعينيات كان القراء يهتمون بشكلها ومضمونها، وبالفكرة والطريقة التي “عولجت” بها وأسلوبها، والكلمات التي اختيرت ومدى صحتها اللغوية والنحوية وكتاباتها الإملائية.. بل كان قسم التصحيح في تلك الجرائد يتلقى مكالمات وانتقادات وتصحيحات لما كان يصدر عن كتابها من أخطاء، وكانت بعض الجرائد تخصص أجوبة لكتابها الشباب في صفحات مخصصة لذلك، كانت تصدر في يوم معلوم أسبوعيا، وما يزال كبار المثقفين يذكرون كيف كانت تسند لهم مهمة تصحيح ما يرد على الجرائد اليومية فيتولى الشاعر السرغيني تصحيح ما يرد على جريدة “العلم” من مقالات قصد نشرها في صفحة (أصوات) المخصصة لكتاب المستقبل.. والمتصفح للجرائد والمجلات الصادرة في الخمسينيات والستينيات سيلاحظ أن كتابها المتمرنين إذ ذاك أصبحوا مؤلفين وقصاصا وجامعيين اليوم، ومازلت أذكر ما كانت تنشره مجلة “الأطلس” التي كان يصدرها مولاي مصطفى العلوي مدير جريدة “الأسبوع” من تلك الردود والمختصرات للمقالات والقصائد التي يتلقاها من كتاب شباب أمثال: إدريس الحوزي، وعبد الجبار السحيمي رحمه الله.

وكانت تلك الكتابات بمثابة إشعاع لمن كان ينشر له فيها.. ومما أذكره في بدايات السبعينيات ما كنت أقوم به مع الشاعر آيت وارهام أحمد بلحاج، حيث كنا نقضي ليلنا في مقهى “الدرج” بمراكش متصفحين ما نشر في الجرائد ولا نكاد نفترق إلا بعد توصلنا بجريدة “العلم” لعلنا نجد فيها ما نكون قد كتبناه من بحث أو نقد أو شعره، وكثيرا ما يكون ردنا على الجريدة في عدم نشرها لما كتبناه وأرسلناه قويا فكان هناك تحرك أدبي وفكري أكثر من الاهتمام بقراءة ما ينشر في المجال السياسي.. ومما كان يثيرنا ككتاب مراكشيين أن إسماع صوت مراكشنا في المجال الثقافي لا يرقى إلى ما كان ينشر من طرف غيرنا، وهذا ما كان يحركنا ويدفعنا للحضور في ملتقى يقيمه اتحاد كتاب المغرب الموالون لمدينة فاس وكتابها إذ ذاك.. ومما أذكره مرة أن الصديق آيت وارهام ارتأى أن نكاتب الأستاذ علال الفاسي، رحمه الله، تنديدا بما كان يمارس على مثقفي مراكش من تهميش وعدم نشر مقالاتهم، فما علي إلا تولي المهمة، وفي صباح ذلك اليوم الباكر الذي لم تنشر فيه الجريدة ما كان منتظرا نشره، وجهت رسالة للزعيم علال الفاسي منددا أو محتجا.. وقد أُخْبِرت شخصيا بأن مدير الجريدة يقترح علي أن أتحمل مسؤولية المراسلة باسم الجريدة بمراكش، وكان الأمر كذلك.. ومن نضالات شباب مراكش الصحفية والإلحاح في تكثيف النشر فيها للشباب المراكشي أن مفتش الحزب بمراكش الأستاذ محمد ثابت كتب تقريره الشهري يقول فيه: “ما ذنب هذا الأباي الذي لا تنشرون مقالاته؟” إن ما عاشته الصحافة من معارك في عهد الاستعمار وما بذله رجالها في ميدان الجهر بالكلمة ومواجهة من كان يهدف إلى طمس معالمها وإسكات روادها، كل ذلك سبقته نضالات وتضحيات وهذا ما يحتاج إلى مباركة لما وقع تحقيقه في ما نحياه في وقتنا الحاضر.

error: Content is protected !!