في الأكشاك هذا الأسبوع
صورة تكرس موضوع ارتباط العقيدة الداعشية(...) بتاريخ معركة الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة. وهذا الشاب 14 سنة، واسمه الجهادي أبو الحسن الشامي، وقد فجر نفسه بالقنابل التي تظهر في صورته يوم الجمعة الماضي بمدينة سامراء التي تحتلها داعش بالعراق، وقد كتبت الأجهزة الإعلامية بداعش، فوق صورته أنه ينتمي للجماعة التي تنتقم للسيدة عائشة، زوجة الرسول. والتي يتوسع هذا الموضوع في تاريخ ارتباطها بانطلاق ظاهرة الشيعة والسنة.

الحقيقة الضائعة | العلويون والأدارسة شيعة والمغاربة مرتبطون بمعركة الجمل

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

لم ينتظر القطب الصالح، الشيخ المرحوم، عبد السلام يس، طويلا، بعد أن أصدر الملك محمد السادس، في نونبر 1999، قرارا بإبعاد الوزير القوي، إدريس البصري، ليعبر كسائر المغاربة، عن صحة الرؤيا الملكية، بطي الصفحة التنكيلية، والتنكيل نوع من الهمجية، فأصدر الشيخ يس، بتاريخ 14 نونبر 1999، مذكرته (إلى من يهمه الأمر) عبارة عن رسالة مفتوحة إلى الملك الجديد، يسجل بين سطورها: ((كسب الملك الشاب في بداية هذا الشهر نونبر 1999، الجولة الأولى في معركته مع هذه الإمبراطورية، حين طرد الوزير المنفذ)) قبل أن يهدي الملك باقة من الاعتراف، حيث كتب ((يبدو أن العاهل الشاب ينتمي إلى هذه الطينة التي يأرق جفنها، لتعاسة الفقراء، بدليل انحنائه المؤثر، المتأثر على الصغير المعاق، ليقبله، وعطفه على المحرومين المصطفين المغمورين بعطائه ورعايته)).

وإن كان من المؤكد، أن الضاربين للحصار على هذا الملك(…) لم يقدموا له نسخة من الرسالة الموجهة إليه، من قطب جماعة العدل والإحسان، فلحرصهم على الاحتفاظ بجماعة العدل والإحسان، في صفوف الأعداء الذين يخيفون بهم المؤسسة الملكية، كمبرر لصرف المقادير الضخمة من الميزانيات، ولكن الشيخ يس، ولابد سيأتي يوم لإقامة نصب تكريمي  لعظمته، خلف للملك، وللشعب فقرة توجز الأخطار الحقيقية المحدقة بالمغرب، بنظرة العارف المطلع المجرب، فحذر في رسالته “إلى من يهمه الأمر”، من ((المشاغبين المعكرين لصفو الأمة، هم أعداء الشعب، الممقوتون، أهل اليسار البارحة(…) وهم اليوم الملتحون، والمحجبات من أهل الإسلام)).

وكأن الشيخ يس، كتب هذا الحكم الصارم، وهو يعرف أنه حكم لن يرويه عنه، لا اقطاب حكومة اليوم، ولا هياكل المعارضة غدا.

وليس التعاطف المنطقي، مع أفكار الشيخ يس، هو الذي يحتم الاعتراف، بالخطإ الجسيم في حقه، ذلك الخطأ الموروث(…) من عهد النظام القوي، للأسباب المعروفة، ولكن ها هي الأجهزة الأمنية، وهي ترى المغرب مهددا بالأخطار الحقيقية، وترى الآلاف من شباب المغرب، ونسائه يقطعون آلاف الكيلومترات للالتحاق بصفوف الحركة الإرهابية داعش، وفيهم من يرفقون معهم أطفالهم، الذين – كما قال مدير الشرطة القضائية الخيام – سيرجعون للمغرب لضرب أمنه الداخلي، فالخطر إذن، ليس هو جماعة العدل والإحسان، بل ربما كانت الأطروحة السياسية للعدل والإحسان، الذي لم يفكر في أدراجه مع المسيرة الوطنية، لا الفاسي(…) ولا بن كيران، أطروحة دينية تسهم في توعية المغاربة، بهذا الخطر، الذي أصبح يهز العالم العربي والإسلامي، من المغرب إلى الباكستان.

فالملايين من الهلعين، عربا ومسلمين، يتتبعون عبر الوسائل الإعلامية، هذه المجازر التي تجري، تارة في شكل حروب مفتوحة بالطائرات النفاثة والدبابات، وتارات في شكل القنابل والألغام، في المواقع الحساسة، لقتل النساء والأطفال، وهي ليست احتمالات، ولا توقعات، بقدر ما هي أحداث دامية ألفنا تتبعها كل يوم في نشرات الأخبار.

ذلك أن خطورة هذا الواقع الفتنوي(…) تنطلق من إرث رهيب، لحرب تدور رحاها منذ قرابة خمسة عشر قرنا، منذ ذلك اليوم الذي ((وضع فيه معاوية، على المنبر، قميص عثمان مخضبا بدمه وأصابع زوجته نائلة معلقة فيه))، عثمان هو الخليفة الثالث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعاوية هو بطل معركة الجمل، وافتحوا جميع كتب التاريخ بجميع اللغات، لتكتشفوا أن معركة الجمل، واسمها بالفرنسية كما كتبها طيراس، صاحب “تاريخ المغرب” «la Bataille du Chameau» حصلت في السنة الميلادية 656، ونحن في 2015، نعيش استمرارها، في معارك كربلاء بالعراق، هذه الأيام، بين نفس المتقاتلين ونفس الفرقاء.

فالحرب بين السنة والشيعة، ونحن نسمع عنها، والكثير لا يعرف مغزاها(…) انطلقت من تعليق قميص الخليفة عثمان المقتول الذي أعقبته مباشرة، معركة الجمل، بين جيوش الإمام علي، أب الحسن والحسين، بعد أن عبرت جيوش الصحابيين، طلحة والزبير، مدن الكوفة، التي يقول العراقيون اليوم بأنهم حرروها من داعش، والرقة، التي لازال داعش يحتلها اليوم، لمواجهة جيوش معاوية، الذي أعلن تشبثه بالسنة، وأعلن الحرب على الخليفة علي، الذي أسس الغاضبون معه “شيعة علي”.

كانت أم المؤمنين، عائشة رضي الله عنها، وهي إحدى أرامل الرسول عليه السلام، تركب جملا، وهي تتقدم جيوشا أتباع الخليفة علي ابن أبي طالب، ولم يكن بعيدا عنها، في حرب هذه أسبابها ((بمقتل الخليفة عثمان انقسم الإسلام(…) إلى فئتين، حزب علي، وحزب معاوية، والحزب يطلق عليه في العربية، اسم الشيعة(…) فكانت شيعة علي في مقابل شيعة معاوية، ولما تولى معاوية الملك في دولة الإسلام كلها، أصبح استعمال لفظة الشيعة مقصورا على أتباع علي)) (الشيعة في موكب التاريخ. جعفر السبحاني).

((وكانت جيوش الإمام علي بن أبي طالب، تسعون ألفا وسار معاوية من الشام، في خمسة وثمانين ألفا)) (تاريخ الإسلام. حسن إبراهيم).

وكان حماة جمل السيدة عائشة، يهتفون مثلما يهتف أتباع حزب الله هذه الأيام في لبنان:

نحن بنو ضبة، أصحاب الجمل

تنازل الموت إذا الموت نزل

والموت أحلى عندنا من العسل

لكن الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة، أصيب بسهم فسقط، وهلع الإمام علي وجاء عند السيدة عائشة وهو يقول لها: ((يا حميراء، هل أمرك رسول الله بهذا؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك، والله ما أنصفك الذين أخرجوك)) (مروج الذهب المسعودي).

وقد يدرج القارئ هذه التفاصيل الموثقة في حساب التاريخ المنسي، بينما الواقع، هو أن معركة الجمل بقيت مستمرة إلى الآن، في نفس المواقع، بالشام، وما أصبح يسمى العراق، لكنها توسعت، كما لم يكن يتصور علي ولا معاوية، إلى اليمن، وحتى إلى ليبيا، وأطراف تونس والجزائر.. في حرب تعلنها إيران الشيعية كواحدة من أكبر القوات العالمية.

وها هي أمريكا تقصف بطائراتها مواقع داعش، منحازة إذن لجيوش معاوية، السنية، بينما العراق، وأغلب سكانها شيعة، وقد شكلوا الميلشيات الشيعية، لضرب داعش السنية، فكشفت التنظيمات الحقوقية العالمية، أن هذه الميلشيات الشيعية، ترتكب مجازر في السنيين لم يسبق لها نظير.. استمرارا لتلك المعارك، والمجازر، التي جرت ولازالت تجرى، منذ ألف وخمسمائة سنة.

ونحن في المغرب، ونحن كل سنة في عاشوراء، نشارك الشيعة(…) هلعهم على مقتل الحسين بن علي في كربلاء، حيث التقليد في عاشوراء، يقضي بضرب الرؤوس بالشواقير، والأكتاف بالسلاسل، حزنا، في محاولات انتحارية، على مقتل الحسين منذ 1500 سنة، نذكر اليزيد، ولد بطل معركة الجمل، معاوية، وهو يحمل رأس الإمام الحسين بن علي، المقطوع في كربلاء، وهو يغني:

أوقر ركابي فضة وذهبا

أنا، قتلت الملك المحجبا

قتلت خير الناس، أما، وأبا..

لتأتي فيما بعد، معركة دير الجماجم، وبطلها الجبار الحجاج بن يوسف، حيث سجل التاريخ، نماذج للهمجية الدموية، بقيت محفوظة في التاريخ، من قبيل رسالة تركها واحد من أقطاب السنة زياد بن أبي سفيان الذي كتب إلى الحسن بن فاطمة بنت الرسول رضي الله عنها، يقول له ((فإن أحب لحم إلي، أن آكل منه، اللحم الذي أنت منه)) (الشيعة في موكب التاريخ. جعفر السبحاني).

وأبشع نماذج الصراع الدموي فيما بعد موقعة الجمل، تنكيل الحجاج بن يوسف، حينما اعتقل قنبر، أحد رفاق الإمام علي، فقال له ((إبرأ من دين علي، إني قاتلك، فاختر أي قتلة أحب إليك، ثم أمر به، فذبح كما تذبح الشاة)) (نفس المصدر).

لنفهم الدوافع التي جعلت المنتمين لداعش في الموصل والرقة، يكلفون بعض المغاربة الملتحقين بهم، بذبح المئات وقطع رؤوسهم.

مرة أخرى قد يقول قارئ، وما علاقتنا بالشيعة، وما علاقتنا بالسنة، وطبعا المتنورون يعرفون، أن الأدارسة والعلويون، ليسوا فقط من شيعة علي، وإنما هم أيضا أحفاد علي، لذلك لم يصدر يوما أن انتقد نظام الخميني المغرب الذي يعتبرون ملوكه من أحفاد الحسين بن علي، ولذلك يسمون بالعلويين، فالعلويون شيعة، حتى المولى إدريس الفاتح، وقد هرب من هذه المجازر في “فخ” بعد قتل كل إخوته الستة كان شيعيا، ليجد أن الشيعة، وصلت قبله إلى المغرب، وحولت قبيلة كتامة الريفية، كلها إلى منطقة شيعية، حيث ((جند عبيد الله الشيعي الجيوش لغزو سجلماسة – مهد الدولة العلوية – بدعم من وجوه كتامة، يدعون الناس إلى مذهبهم، من التفضيل لآل علي، فدخل معهم كثير من الناس وسميت دعوتهم التشريق، لأنهم يتبعون رجلا من أهل الشرق)) (البيان المغرب. المراكشي).

طبعا تشكلت جيوش سنية أخرى في المغرب، كمادة أولى للصراع العقائدي في المغرب، اتخذوا لهم الرايات والطبول، على الطريقة التي سلكتها الجماعة الحالية في منطقة العراق والشام، وتسمى النصرة، وكانت الدعوة المناهضة لحركة الشيعة، العلوية الإدريسية، بزعامة ((مخلد بن كيداد بن كرمان، حفيد بن يفرن، الذي هو أبو الكاهنة)) (نفس المصدر).

كلها جزئيات تحتم علينا في حاضرنا أن نراجع دروسنا ونعرف أن المغرب، لم يكن قديما أيام معركة الجمل، بعيدا عن المشرق، حيث تشارك الطائرات الحربية المغربية في ضرب الحوثيين الشيعة باليمن، أرض ملكة سبأ، حتى نفهم ونحن نتعمق في الماضي الشيعي لمنطقة كتامة الريفية، لماذا تكون أغلبية الملتحقين بداعش، من شباب المنطقة الغربية لكتامة، في المضيق، وتطوان.

وحذار أن ننسى التاريخ، المنطلق من قميص عثمان، ودوره الحاضر في منطقة الريف وتطوان.

error: Content is protected !!