في الأكشاك هذا الأسبوع

حدث تشريعي يؤرخ له القانون الجديد للقضاء العسكري

بقلم: الأستاذ عبد الواحد بن مسعود من هيئة المحامين بالرباط

     حدث تشريعي، يجب أن يسجل على صفحات تاريخ التشريع المغربي بمداد ذهبي، ذلك أن قانون القضاء العسكري الذي صدر في 10 نونبر 1956 والذي كان يطبق أمام المحكمة العسكرية الدائمة للقوات المسلحة الملكية، وباعتبارها محكمة استثنائية وتطبق قواعد استثنائية سيما قواعد الشكل المتعلقة بإجراءات المحاكمة وضماناتها، هذا القانون تغير من ألفه إلى يائه كما يقال، بموجب القانون الذي صدر في الجريدة الرسمية عدد: 6322 بتاريخ فاتح يناير 2015، وسيدخل حيز التنفيذ مباشرة بعد مرور ستة أشهر على نشره بالجريدة الرسمية.

منذ عدة سنين وبكل تواضع نشرنا مقالا، وطالبنا بـ”تغيير” وتعديل قانون العدل لعسكري، خصوصا بعد أن دخل المغرب في عهده الدستوري، ونص دستوره الأول على المساواة بين المواطنين أمام القانون، ونبذ كل تمييز بسبب الوظيفة أو المسؤولية.

حقيقة أن المحاكم العسكرية في جميع الدول لها طابع خاص، ومميزات تنفرد بها، ولكن الضمانات التي يتمتع بها المواطن العادي خلال المحاكمة أمام المحاكم العادية، يجب أن يتمتع بها العسكري خلال محاكمته أمام المحكمة العسكرية.

والحقيقة أن المخالفات أو الجنح أو الجنايات العسكرية تختلف عن المخالفات أو الجنح أو الجنايات العادية، في بعض الأوجه نظرا لما للنظام العسكري من نهج وسلوك يسير عليه.

لكن، لا يقبل بأي حال من الأحوال أن يحرم شخص لكونه عسكري من التقاضي على درجات شأنه شأن المواطن المدني، وألا يتمتع بالمحاكمة على مختلف درجاتها من ابتدائية واستئنافية ومراقبة محكمة النقض.

ولا يعقل أن تكون الأحكام التي تصدر عن تلك المحكمة مجرد أسئلة تطرح خلال المداولة، ويقع الجواب عليها بكلمة لا أو نعم بل لا بد من تعليل الأحكام وبيان أسباب البراءة أو الإدانة، ومحكمة النقض كانت تنص في قرارتها على أن الأحكام يجب أن تعلل من حيث الوقائع ومن حيث القانون، وعدم التعليل من أسباب نقض وإبطال تلك الأحكام.

ولا يستساغ أن يحال العسكري على المحكمة العسكرية لمحاكمته أمام محكمة استئنائية بسبب مخالفات أو جنح أو جنايات بعيدة كل البعد عن الجرائم العسكرية، أو التي لها صلة بالأمن الداخلي أو الخارجي وقضايا الإرهاب.

فالعسكري كان يحاكم أمام المحكمة العسكرية لأنه أصدر شيكا بدون مؤونة، أو تجاوز حق الدفاع الشرعي، أو أنه أهمل أسرته.

هذا بالنسبة للظنين أو المتهم، أما ضحية جريمة عسكري المحال على المحكمة العسكرية، فقد كان محروما من أن يتقدم بمطالبه المدنية ليطالب بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه من الجريمة، وكان عليه أن ينتظر صدور الحكم من المحكمة العسكرية، ويصبح ذلك الحكم نهائيا، وانتهائية الحكم قد تستغرق سنوات منها: عدة سنوات أمام المحكمة العسكرية، وسنوات أمام محكمة النقض، وقد ينقض الحكم ويحال مرة أخرى على المحكمة العسكرية، ويطعن فيه بالنقض مرة ثانية، وهذه الحالة لها أمثلة لا داعي لذكرها لأن العهد الجديد للمحكمة العسكرية، وما حمله القانون الجديد قانون القضاء العسكري سيجب ما مضى وستدشن المحكمة العسكرية عهدا جديدا في ظل هذا القانون الذي سيساير ضمانات المحاكمة المنصوص عليها في الدستور، وفي قانون المسطرة الجنائية، والمواثيق الدولية.

ولقد بادر المهتمون ببيان مضامين القانون الجديد للقضاء العسكري قانون رقم 108.13، ومن ذلك ما جاء في كتيب “مجموعة القانون المغربي رقم 15”.

ومن تلك المضامنين:

ـ إعادة النظر في اختصاص المحكمة العسكرية.

ـ توضيح الطبيعة القانونية للمحكمة العسكرية وإعادة تنظيمها.

تعزيز مبدأ احترام استقلال القضاء.

ـ تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة أمام المحكمة العسكرية وتقوية حقوق المتقاضين.

إن هذا القانون يحتوي على 224 مادة، ومما أثلج صدرنا أن بعض الاقتراحات التي سبق اقتراحها أخذت بعين الاعتبار، وهي رغم قلة عددها تشكل ضمانات أساسية للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية، وتلك الاقتراحات كانت:

ـ أن تكون المحاكمة أمام المحكمة العسكرية على درجتين ابتدائية واستئنافية.

ـ أن يحال على تلك المحكمة العسكريون المتهمون بجرائم ذات طابع عسكري.

ـ أن تكون أحكام تلك المحكمة معللة تعليلا كافيا ومقنعا.

ـ أن يكون للضحية حق تقديم مطالبه المدنية.

ـ أن يتم فصل المتهم الحدث عن المتهم العسكري، ويحال الأول على المحكمة العادية ليحاكم وفق المسطرة الخاصة بالأحداث.

لا يسعنا إلا أن نهنئ النظام العسكري بقانون قضائه العسكري ونهنئ أنفسنا بهذا الحدث التشريعي، ونتمنى لتلك المحكمة التوفيق في تطبيق هذا القانون وتصدر أحكاما تراعي فيها ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة.

error: Content is protected !!