في الأكشاك هذا الأسبوع

اتفاق مغربي – مصري للنهوض بالبحث العلمي

الأسبوع – محمد بركوش

     في بداية شهر أبريل وبالضبط اليوم الثالث منه، أشرف وزيرنا في التعليم العالي والبحث العلمي السيد لحسن الداودي رفقة نظيره المصري على افتتاح أشغال الاجتماع السادس للجنة التنفيذية المصرية المغربية المشتركة للتعاون في مجال البحث العلمي، كما وقع بالمناسبة اتفاق القاهرة الذي خصص بموجبه مليون أورو “مناصفة” بين بلادنا ومصر الشقيقة، وذلك لتشجيع البحوث العلمية في مختلف المجالات التي تعاني نقصا أو خصاصا، وقد رافقه في هذه الزيارة الأستاذ أبو صلاح محمد الذي عين مؤرخا في منصب مهم بالوزارة (الرجل الثاني)، بعد رحلة ماراطونية تعرف فيها على أهم التفاصيل وأهم المشاكل التي يئن منها التعليم العالي، ولعل وجود أبو صلاح إلى جانب الوزير في أول ظهور له هو إشارة قوية إلى الانسجام الحاصل والتقارب المتجدد، والرغبة المشتركة في تجاوز العقبات والتشنجات، خاصة أن الرجل (أي أبو صلاح) يتميز كما قيل بسمعة طيبة ويتوفر على مؤهلات عالية وتجربة في المجال التدريسي والتدبيري والإداري، بحيث يستحق أن يقال عنه “الرجل المناسب في المكان المناسب”.

نظرة خاطفة على سيرة الرجل العلمية تؤكد هذا كما قال أحد المقربين منه، فهو خريج المدرسة المحمدية للمهندسين بدرجة مهندس دولة، وحاصل على دكتوراه في الهندسة المدنية من أمريكا بعد أن أكمل دراسته التهييئية بجامعة جورج واشنطن، هذه المؤهلات وغيرها مكنته عن جدارة من تقلد عدة مناصب بالمغرب كان فيها موفقا ورائدا، بشهادة كل الذين اشتغلوا معه أو بجانبه منها: مهندس دراسات وتشاور، ومستشار تقني بمديرية المشاريع التربوية بوزارة التربية، وعميد كلية العلوم والتقنيات بمراكش، وأستاذ جامعي بها وبالمدرسة المحمدية للمهندسين التي ترك فيها بصمات مازالت تشهد له بالاقتدار والتمكن والحكمة.

لقد كان أبو صلاح الذي راكم تجارب مهمة على مدى 33 سنة قضاها في التدريس الجامعي والبحث العلمي سواء في المغرب أو في فرنسا أو في أمريكا، كان مثالا للجدية والإخلاص في العمل الذي يفيد الجامعة ويطور البحث العلمي ويخلص الطلبة من السيطرة الثقيلة لبعض الجهات، كان يحب أن يصنع شيئا (بوضوح تام) للإصلاح الجامعي لأن اسمه يسير في هذا الاتجاه، إذ من شدة حرصه على قوة المؤسسة التعليمية وبناء طقوس التواصل مع الآخر، وربح ما يمكن من الإضافات أسس نموذجا فريدا، خاصة عندما كان عميدا بكلية العلوم والتقنيات بمراكش التي قضى بها فترة مهمة رغم ما كانت تحبل به الكلية آنذاك من مشاكل وما تعرفه من ضغط، نتيجة تغول جهات معينة كان سلاحها الوحيد أو شعارها على الأصح وضع العصى في العجلة، والتحريض على الإضراب والتشهير بالشخصيات التي ترفض مسايرة العبث والدخول في متاهات العصيان، كما هو حاصل اليوم لرئيس جامعة القاضي عياض بمراكش.

كان أبو صلاح “وهذا ما تأكد لنا عن قرب رغم بعض المشادات والخصومات البريئة” يسير بخطى متئدة وبإيقاع اجتماعي (إضافة إلى العلمي)، لأنه يهضم جيدا مقولة لـ”ميشو نيك”: “كلما صار الإيقاع اجتماعيا كلما اقتربنا من النظم”، يحاول في كل خطوة أن يوزع فكره وجهوده المضنية بين أزمات فاتت (وهي التي ورثها عن السلف) وأخرى قادمة أو منتظرة، وأن ينزع أخشابا كثيرة من يقين الجامعة، ويخلص اللحظة من عنصر الإفلات أو الانفلات، بفضل رزانته وتحكمه في السير وفي المسار، وتعامله بالتي هي أحسن وأفيد مع الأطراف التي كانت ترى بأنها “تجمع بين القوة الاقتراحية والعمل التشاركي والنضال”، وأيضا بفضل اندفاعه، إن صح التعبير، لبلورة “نقاش عام حول الحق في المعرفة والعدالة المعرفية”.

كان يحمل على كاهله، شأنه شأن باقي أنداده، هم الإصلاح والنهوض بالجامعة المغربية، ويشقى بكل ما في الشقاء من شقاء، كما يقال، من أجل تفكيك أسرار كل المنهجيات المتطورة لينحث الثقوب رويدا رويدا، ويتسلل منها إلى حيث تستقر المبادئ الأولى للإصلاح وتشع أسسه المتينة دون أن ينخدع بما توفر له أو تحصل، لأنه كان يكره أسلوب الإثارة وحب الظهور ككرهه لأن يكون مجرد قناة تصريف لبضاعة الآخرين الذين كان هدفهم من كل المحاولات اليائسة وضع المسؤول تحت إمرتهم وفي قبضتهم يفعلون به ما يشاؤون، لذلك اشتدت في عهده وكثرت صفحات التوتر، وأنتجت خطابات رديئة وتشعبت الكتابات في بحور الرداءة، بعد أن تأكد للجميع الصعوبة في استمالة “أرسطو الجديد” كما قالت “ماري روزا”، نظرا لواقعيته وعدم انجذابه إلى عبثية الخيال، كما أفصح عن ذلك كل أصدقائه وزملائه الذين يحترمونه.

لم ينحن الرجل صاحب القامة العلمية السامقة أمام العواصف، فقد علمته الظروف والتربية المثالية والرفقة الحسنة والاقتداء بالسابقين كالسيد الكنيدري (وزير تعليم ورئيس جامعة القاضي عياض سابق) الذي لا يتأخر في إعطاء الرأي وتقديم المساعدة والنصح، قلت علمته كيف يستفيد من صمود الأعمدة لأنه كان يحسن بطبيعة المرحلة التي يمر منها واقع الكلية أو الجامعة بصفة عامة، بكل تناقضاته ومهاويه الساحقة، واقع بلا ملامح وإن كان للأسف بندوب، ويشع بالقلق الفائض (وهذا هو المشترك بين كل الفاعلين الجامعيين) وبعمق الخلل الذي يرسب فيه الفضاء وبصعوبة الإشكالات التي تؤرق الجامعة.. إشكالات المنتوج الجامعي ومدى قدرته وقوته على الاستمرار وفهم الواقع الراهن وحاجيات المجتمع الآنية، لذلك لم يثبت أن توقف الرجل بحيث ظل في حالة حراك جميل وكأنه يمثل فعل إضافة حتى عندما يواجه برفض هائج أو معارضة غير عاقلة، لأنه يملك احتياطا هائلا من الأناة ومنسوبا كبيرا من التحاور الإيجابي وليس السلبي.

error: Content is protected !!