في الأكشاك هذا الأسبوع
بان كيمون الأمين العام للأمم المتحدة

ملف الأسبوع | ملامح تلاعب الأمم المتحدة في قضية الصحراء

إعداد: سعيد الريحاني

    كان بعض الحاضرين، ومعظمهم ينتسبون للأقاليم الجنوبية، يستعدون لمغادرة القاعة مساء يوم الثلاثاء الماضي، في الوقت الذي كان يستعد فيه القطب الصحراوي ماء العينين ماء العينين، لإعلان ختام لقاء حول الصحراء المغربية، وكانت علامات التجهم بادية على محياهم بسبب التعب أو بسبب أشياء أخرى(..) والأكيد أن مسير الجلسة “ماء العينين” التقط هذه الإشارة ففطن إلى توجيه التحية إلى ممثلي القبائل الصحراوية الحاضرة بعين المكان، ومنها قبائل تكنة، وآيت لحسن، وأولاد دليم، وآيت أوسى.. وصولا إلى قبيلة الرقيبات، وقتها كان إبراهيم الجماني نجل الشخصية الصحراوية المعروفة “سعيد الجماني” يحرك رأسه دلالة على الرضى(..).

ورغم أن اللقاء تميز بمستوى أكاديمي مرتفع بحكم نوعية الضيوف الذين استضافهم منتدى الشيخ محمد الإمام للثقافة والإبداع، في رحاب كلية الحقوق بالسويسي بشراكة مع عمادة الكلية، إلا أن خصائص الصحراويين من لهجة وتصرفات وعطر.. كانت طاغية على اللقاء، شأنه شأن لقاءات أخرى احتضنتها العاصمة الرباط في الفترة الأخيرة بالتزامن مع التطورات التي يشهدها ملف الصحراء في دهاليز الأمم المتحدة، كما هو الشأن بالنسبة لذلك اللقاء الذي احتضنته قبل أيام المركب الثقافي بحي أكدال، والذي اجتمع فيه كل من “الانفصالي” المحجوب السالك المعروف عند الصحراويين باسمه الحقيقي “داود السالك محد عياد”، وحسن أوريد الناطق الرسمي السابق باسم القصر، ومحمد اليازغي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.. هذا اللقاء الأخير تميز باعتماد المحاضرين على ما يشبه تقنية “قلي السم”، فقد وجده اليازغي فرصة لكي يتحدث بأريحية عن اللاجئين في تندوف(..) بينما قال السالك موجها كلامه لحسن أوريد بأن العباقرة لا يعمرون طويلا(..) ولكن أوريد الذي تألق في إتقان المصطلحات الصحراوية تحين الفرصة ليحكي للحاضرين، الذين لم تكن لديهم القدرة في جل اللحظات على فك شفرات الخطاب (خطاب المحاضرين) الذي تراوح بين ما يصب في صالح المغرب وما يصب في غير مصلحته، ليحكي للجمع حكاية “الحثالة”، عندما قال بعض الأعيان الصحراويين للحسن الثاني بأن لا يجلب معه حثالة الصحراويين خلال زيارة الأقاليم الجنوبية، بل يجب عليه جلب حثالة الأقاليم الداخلية، باعتبارهم أحسن(..) وقتها كان السالك يضع يده على خده كمن يتحسس حرارة الصفع(..).

وبالعودة إلى لقاء كلية الحقوق السويسي فقد اختار ماء العينين وهو الخبير في الشؤون الصحراوية وأحد أعمدة القضاء الواقف والجالس طيلة سنوات بالريصاني، والرشيدية، وكلميم، والسمارة، والعيون.. والرباط أيضا، أن يبدأ اللقاء الذي تمحور حول الحكم الذاتي بمجموعة من الأسئلة المقلقة(..) ((هل يطمئن الصحراويون أينما وجدوا، والذين لا علاقة لهم بالأعيان والنخبة الموجودة هنا (الرباط) وهناك، بل هل يطمئن أبناء الوطن عامة إلى أن قيادة البوليساريو ستسهر على التطبيق السليم لمبادرة الحكم الذاتي لفائدة ساكنة الصحراء، وهي التي أكد في شأنها – أي هذه القيادة – المكتب الأوروبي لمكافحة الغش أنه رصد في حقها اختلاسات مكثفة ومنظمة للمساعدات الإنسانية الدولية.. وهل نطمئن كذلك إلى أن النخبة في الأقاليم الجنوبية مهيأة لتحمل مسؤولية الحكم الذاتي، وهي التي يوجد من بينها من قال عنه جلالة الملك في خطابه الموجه إلى الأمة بمناسبة حلول الذكرى التاسعة والثلاثين للمسيرة الخضراء ما نصه: “هؤلاء الذين جعلوا من الابتزاز مذهبا راسخا، ومن الريع والامتيازات حقا ثابتا، ومن المتاجرة بالوطنية مطية لتحقيق مصالح ذاتية))، هكذا تساءل ماء العينين الذي قال أيضا: “إن التعلق بالوطن والدفاع عن مغربية الصحراء والتشبث بثوابت الأمة ومقدساتها لا يعني أن نصفق لمبادرة الحكم الذاتي تحت ضغط العاطفة العمياء، بقدر ما يعني أن نلقي بكل شجاعة وجرأة وعقلانية وموضوعية أسئلة عما بعد هذه المبادرة الجريئة إن قدر لها أن ترى النور، حتى وإن كانت أسئلة مقلقة ومستفزة..”.

وكان ماء العينين الذي رتب اللقاء السالف الذكر مع عميد كلية الحقوق، خالد برجاوي، قد اختار استشراف المستقبل.. غير أن جل الحاضرين اختاروا الحديث عن مميزات المرحلة الراهنة التي تتميز بصدور تقرير رفعه الأمين العام للأمم المتحدة “بان كيمون” لمجلس الأمن، وكانت السمة الطاغية على التقرير الذي صفق له عدد كبير من الجامعيين دون أن يطلعوا على محتواه(..) هي إهماله المطلق المقترح المغربي للحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية، بل إن ما يفهم من التقرير هو محاولة إيجاد مخرج للأمم المتحدة ومجلس الأمن، اللذين فشلا في إيجاد حل لنزاع الصحراء طيلة الـ40 سنة بل إن تهمة تعطيل الملف يكاد أصحاب التقرير أن يلصقوها بالمغرب.

الكل يقول إن “بان كيمون” أهمل أي دور محتمل للاتحاد الإفريقي المعادي للمغرب، لكن لا أحد من الكتاب وبعضهم يكتب مقالات تحت الطلب(..) انتبه إلى كون “بان كيمون” يعترف داخل التقرير بوجود ممثلين للاتحاد الإفريقي داخل بعثة “المينورسو” في مدينة العيون، يتزعمها السفير “يلما طادس” من إثيوبيا التي احتضنت القمة الإفريقية رقم 22 التي خصصت لجلد المغرب، وخلصت إلى مهاجمته ومطالبته بـ”تقرير المصير”.. ولا شك في أنكم ستندهشون للمفارقة بين الأخبار المعلنة والواقع الميداني الذي يتميز بوجود بعثة إفريقية في الصحراء، ألم يعلن المغرب عن “رفضه” بشكل مطلق تعيين الاتحاد الإفريقي لـ”ممثل خاص” لملف الصحراء، معتبرا هذه الخطوة تمس باختصاصات منظمة الأمم المتحدة ومساعيها لإيجاد حل سياسي نهائي لهذا “النزاع الإقليمي”، حسب ما نشرته وكالات الأنباء والجرائد والمواقع الإلكترونية خلال بداية شهر يوليوز الماضي.

كيف يمكن الوثوق في الأخبار المنشورة والحال أن جهة لم تشر إلى المعطيات التي قدمها بان كيمون حول ميزانية بعثة “المينورسو” التي قال إنها ستشكل 53.9 مليون دولار إلى غاية 1 يوليوز 2015، وأن تجديد هذه التكلفة يحتاج إلى موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يعني أن وجود “المينورسو” في الصحراء أصبح مهددا ليس لكون المغرب هو من سيبادر إلى طردها، حسب ما يعتقده البعض، بل لأنها منظمة مهددة أيضا بالإفلاس.. فالسؤال المطروح هو من سيمول اليوم في عز التقلبات العالمية بعثة لا فائدة من وجودها؟

وكانت بعض التقارير الصحفية النادرة قد انتبهت إلى المضمون السلبي لتقرير “بان كيمون” الأخير، الذي يعترف بعدم تحقيق أي جديد في تقريره، حيث يقول البعض: “التقرير لم يختلف كثيرا عن سابقيه، وربما وجه الاختلاف يتجلى في الليونة أكثر من تقرير سنة 2014، ويحدث أن ترحب بعض وسائل الإعلام كثيرا بالتقرير لتتفاجأ لاحقا بمضمونه غير الودي تجاه المغرب، كما حدث مع تقرير السنة الماضية (سنة 2014) حيث كان الترحيب وتحول لاحقا إلى انتقادات واتهامات للأمم المتحد” (المصدر: موقع ألف بوست، بتاريخ 13 أبريل 2015).

المصدر نفسه، يؤكد وجود بعض المواد التي لا تصب في صالح المغرب مثل التوصية 79، لأنها تفتح الباب أمام مطالب تكليف قوات “المينورسو” بمراقبة حقوق الإنسان بعيدا عن الآليات التي يعتمدها المغرب والبوليساريو.. ويشدد بان كيمون على آليات مستقلة، علما أن بعض دول المجلس ومنها بريطانيا وأنغولا تشدد على هذا المطلب.. كما لا تصب النقطة 80 في صالح المغرب لأنه جرى التركيز على ملف الموارد أو الثروات الطبيعة، وهو الملف الذي تحول إلى سلاح دبلوماسي للبوليساريو في مواجهة المغرب ويستحضره في منتديات دولية، وأبرزها في الاتفاقية المغربية مع الاتحاد الأوروبي. وحضوره بهذا الشكل يمنح فرصة لأنصار البوليساريو بتقديم مقترحات كذلك لن تصب في صالح المغرب (المصدر نفسه).

ولا شك في أن حجم المغالطات كبير جدا، لا سيما ما يرد على لسان بعض الأشخاص، كأن نقرأ مثلا ما روج له على نطاق واسع أحد الخبراء(..) سمير بنيس، الذي كتب في أكثر من موقع بأن التقرير الأخير لبان كيمون جاء متماشيا إلى حد كبير مع “مصالح المغرب ومشاغله”.

بنيس، يقول إن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة “لم يوص بإنشاء آلية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، بل اكتفى بالدور الذي ينبغي أن يلعبه مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في كل من الصحراء المغربية ومخيمات تندوف”.. لكن، ألا يعلم بنيس ومن معه بأن التوصية بمراقبة حقوق الإنسان ليست من اختصاص بان كيمون؟ ألا يعلم بنيس أن الحديث عن حقوق الإنسان في المغرب وتندوف يعني المساواة بين دولة لها تاريخ طويل وجماعة انفصالية؟ ولنفترض أن بان كيمون وفى بوعده للملك محمد السادس، كما يحاول أن يشرح بنيس(..) لماذا اصطف وراء خصوم المغرب، إزاء مؤتمر “كرانس مونتانا” الذي احتضته مدينة الداخلة؟ ثم لماذا كان موقفه متماشيا مع موقف الاتحاد الإفريقي الذي دعا إلى مقاطعة الأشغال؟

يقول بنيس: “من المنتظر أن يجدد مجلس الأمن ثقته في الجهود التي يقوم بها المبعوث الشخصي للأمين العام، كريستوفر روس، من أجل ردم الهوة بين أطراف النزاع ومساعدتهم على التوصل إلى حل سياسي دائم متفاوض عليه ومقبول من قِبل كل الأطراف”، والواقع أن تجديد مهمة “المينورسو” سيكون بمثابة خيار استراتيجي تجنبا لطردها من الصحراء في أفق مناورات أخرى حتى لا يظهر مجلس الأمن بمظهر الفاشل(..).

وقد سكت جل المحللين عن تحركات رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي، التي اختارت لغة غير لغة المؤسسات عندما بلغها أن مجلس الأمن لم يأخذ بعين الاعتبار تقرير الاتحاد الإفريقي، فدبجت رسالة على مقاس البوليساريو وربما وضعت رسالة البوليساريو وسطها، بعثتها إلى جميع أعضاء مجلس الأمن والأمم المتحدة، ليقول الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة بأنه لم يتوصل برسالتها، ويؤكد بعدها بأنه توصل بالرسالة التي تشيد بالأمم المتحدة وتحاول تحميل الملك مسؤولية فشل مسار المفاوضات على غرار ما قيل في الرباط بأن أخطاء النظام هي التي تسببت في تأسيس منظمة البوليساريو (هذا ما قاله المحجوب السالك في الرباط).

ولا شك في أن زوما ومن يقف وراءها تمني النفس بالدخول على خط قضية الصحراء، باعتبار الاتحاد الإفريقي وسيطا وهو المؤهل إقليميا من وجهة نظرها للدخول في النزاع باعتباره الأقرب، لكن كيف يمكن أن نعول على زوما وهي التي لا تعرف أي مسؤول مغربي؟ وكيف يمكن الوثوق في منظمة منحازة للبوليساريو، وزوما تعتبر الصحراء آخر مستعمرة إفريقية، وهي التي استقبلت وفدا حزبيا، غير منتخب، فاعتقدت أنها تستقبل الدولة المغربية؟

ولا شك أيضا في أن جهل الاتحاد الإفريقي بالمعطيات هو الذي جعل المغرب يعلن رفضه لأي تدخل محتمل للاتحاد الإفريقي عقب المذكرة المرفوعة لبان كيمون، لعدة أسباب منها: “أن مسلسل المفاوضات السياسية حول قضية الصحراء المغربية يخضع بشكل حصري للإشراف الأممي. وإشراف الأمم المتحدة على هذا الملف يأتي عقب الإخفاقات المتتالية لمنظمة الوحدة الإفريقية في تدبير هذا النزاع.. علما أن الاتحاد تجرد من أي حياد منذ أن اتخذ بكل وضوح موقفا لصالح الأطراف الأخرى، من خلال إطلاق حملة شرسة ومستمرة ضد المملكة المغربية، وتبني أطروحات الجزائر و”البوليساريو” (مقتطف من رسالة وزير الخارجية صلاح الدين مزوار إلى بان كيمون).

ولا شك في أن المغرب مطالب أكثر من أي وقت مضى بسبب المواقف الغامضة للدول العظمى، التي تشيد بتقرير المصير وبالحكم الذاتي في نفس الوقت(..) كما أنه مطالب بفتح الأعين إزاء “لعبة المنظمات الدولية” وهي اللعبة التي تكاد تضاهي الاستعمار من حيث، خطورتها.. كما يتعين على المؤرخين والمحللين والصحافيين قراءة تاريخ المغرب، فالمولى عبد العزيز لم يكن سلطانا للعب كما كتب الفرنسيون.. إنها المغالطات الكبرى، بتعبير أحد الحاضرين في لقاء منتدى الشيخ محمد الإمام، والصحراء مغربية بحكم التاريخ، وباعتراف الدول الأوروبية، فقط ارجعوا للأرشيف.

error: Content is protected !!