في الأكشاك هذا الأسبوع

مراكش أجمل وجهة سياحية يطوقها البؤس والشقاء

الأسبوع – محمد بركوش

     مراكش الحمراء الخالدة خلود الدهر كما يقال مدينة فاتنة بكل المعاني وبكل اللغات، جميلة بكل المقاييس والإيحاءات، البعض يرى جمالها في الطبيعة وسحر المكان وطيبوبة الناس، وآخرون يتخيلونه في أشياء أخرى..

في ليلها عندما تضرب الطيور عن الغناء ويتوافد الهاربون من فداحة اليومي إلى المقاهي والحانات والمراقص التي تتواطأ فيها الأعين الساهرة وتشتغل أضواء الدعارة.. مراقص لا تلفظ ما بداخلها إلا عندما ينفث الليل قطعة ظلامه الأخيرة، ويرمي بتنهيدته الطويلة دون اكتراث للقوانين المعمول بها والتي لا تتسامح “في الأوراق فقط” مع الفوضى وتجاوز الحدود واحتضان القاصرين والقاصرات، هكذا قال صديقي بعد أن فكر بصوت مسموع وسوى بين القدمين حتى لا تبقى واحدة تمشي والأخرى تتلعثم كما قال أحمد المديني.

مدينة كانت “تسكر” بجمالها الأخاذ وطبيعتها الجذابة قبل أن تخترقها الجرافات التي كان لها شرف الهدم و”الترياب” وتزلزل بهواها هامات الكبار والعشاق والمحبين، وتفتح للزائر كل علب الأسرار دون عناء أو جهد مدينة معتزة بشرفها وشرف أبنائها وبناتها المستمد من عمق أصالتها، وإن كنتم في شك من ذلك فاسألوا التاريخ.. اسألوا الآباء والأجداد يحكون لكم عن بطولات وأمجاد ومواقف لم تمَّح ولم تدنس قدسيتها بأقدام الغرباء، كانت (أي مراكش) تمتزج بها الألوان كل يوم وتتقاطع فيها الأضواء الخافتة كسكونها، وكذا الظلال التي فقدتها (المدينة) في عهد مجلس بعيد عن الهموم والانتظارات نتيجة سياسة لا تكترث بالبيئة ولا بالساكنة التي تكون في أمس الحاجة إلى الظل في فصل يشل فيه العقل والجسد، وتفر فيه العصافير المتهالكة من صهد الظهيرة المشتد نحو الأغصان الفاقدة للحركة.. كانت تجدد كل صباح إن لم أقل كل ساعة المخطوط وتصنف الأجزاء كما قال المومني، وتركب صورها الفاضحة لسر عشقها دون شقاوة، والكاشفة عن شرذمة من عيوب القذارة التي تفضح مُضَغ الحسد وما يتغلغل في الخاطر من طرفة حقد مؤرق.

مراكش التي يستيقظ طينها “قبل أن يستيقظ نوامها” على رشات ماء منعش يعيد التماسك لأطرافها المتراخية المتفتحة مسامه على نهار آخر ينهض ليعانق رحلة متجددة، قلت مراكش هي المدينة التي كتب اسمها بإحدى صخور الكهف الأبدي “محمود درويش” بعد أن كبرت أحرفها الخمسة “دون احتساب الشدة” التي تعطي تناسقا تاما، بأبعاد شتى كان من المفروض أن تنغلق معه (كبعد حضاري) كل مجالات اقتراف الأسوإ واللعب مع المصائر، ومن المفترض أيضا اختيار مسلك أفضل لاستمرار الحياة بالمدينة على الشكل المألوف، وللحفاظ على الهوية والطابع العمراني واختيار نسج شدو بمنسوب عال من الروعة والجمال والدقة حتى لا تنفصل عن ماهيتها التأكيدية القائمة على رواسي لا تليد.

لم ترسم المدينة الحالمة والواعدة على الدوام، “لم ترسم” بالفحم كما يتصور البعض وكما يتخيل، لأنها تتوسد خاصرة الجبال البيضاء التي تقيها بأجنحتها كما قيل من اكتساح الرياح وغزو رجالها، فهي تعد في كل صباحاتها الرياحين والياسمين من خلال أكاليل متطلعة إلى بخور الضباب التي تعانق السماء وكأنها قاب قوسين أو أدنى من القمم التي تحمل لوحدها أثقال الثلوج وتحفظها إلى حين الحاجة حتى لا تستبد باستغواراتها، فهي أي مراكش الحمراء تشكل عالم الطقوس ومنبعها والأضرحة وبركاتها.. عالم كما قيل بصوفية تستطيع تجاوز مبدأ التناقض لتصل إلى مبدإ الانسجام بين المتناقضات، هي فضاءات رحبة متسعة لكل شيء وقابلة لكل شيء، هي حركات وتحركات قريبة من الكلام.. من الإنشاد المرادف للضرورة أو الدال على المدلول كما يقول الفقهاء.. رائحة “معتقة” من عبق التاريخ من حضارة مكتوبة باللغة الأم (وليس باللغة المدبلجة) تحكي بوقار وباحتشام طيلة الوقت لكل القراء والزوار والمولعين بالفن بكلام هادف دون أن يتكسر معه بيض حمام “كما قال محمود درويش”.

في جانبها القديم أو المهمش الذي رفض قاطنوه الإذعان للإجماع، حسب قول أحمد أحداد، والانخراط في المواضعات التي أفرزها الوضع الجديد، وفضلوا البقاء وراء الأسوار المتهدمة التي تشتكي من بطش الأيادي وبول الشماكرية (حاشاكم)، واستغلال أصحاب الحال لمكانتها في النفوس بدعوى الإصلاح والترميم، في ذلك الجانب يعم بؤس بلا سقف وبلا حدود، يتعايش معه السكان اضطرارا كما يتعايشون مع كل المصائب التي تسقط على رؤوسهم، تنهار فيه المنازل العتيقة في غفلة من قاطنيها بمجرد تهاطل قطرات مطر هاربة من المحيط أو البحر، فتقتل سيئي الحظ ثم توزع ما فضل من النكبة على الأحياء الأكثر سوءا، بعد أن تكون الموت أو الهدم على الأصح تحاشى أن يرافقهم إلى مقبرة الحي، لذلك يقولون عنها مدينة العجائب والغرائب لأنها رغم كونها أجمل وجهة سياحية في العالم يطوقها البؤس والشقاء، وتعم بها الفوضى وينتشر بها المتسولون والمعربدون ونشالو الحقائب والمتاجرون في الأجسام، ويتولى شؤونها بعض المتابعين بتهم ثقيلة، لا تخرج عن نطاق “تاشفارت” وتبديد أموال عمومية والتزوير في سندات مالية واستغلال النفوذ للسطو على الأسواق وأماكن وقوف السيارات، وعلى ضرائب الأراضي العارية.. وأشياء أخرى يتداولها المراكشيون كما يتداولون سيرهم وأميتهم وجهلهم، وماضيهم الذي لا يشرف.

error: Content is protected !!