في الأكشاك هذا الأسبوع
مدير حماية التراب الوطني الحموشي ووزير العدل الرميد، في حديث وإشارة إلى حقوق الإنسان وحقوق الدولة

الحقيقة الضائعة | مولاي سجونكم مليئة بالمعارضين ومحيطكم مليء بالمرتشين

 

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

تحكي الأسطورة الفيجيجية، نسبة إلى فجيج بحدود الجزائر، أن السكان المجاورين لضريح سيدي عبد القادر، وكل الزناكيين، فوجئوا يوما بقطيع من الأبقار، يعبر الحدود الجزائرية في اتجاه المغرب، وهم في شكل مسيرة احتجاجية يرفعون لافتات كتب عليها: هربنا، لأن مالكينا في الجزائر، معتوهون، يطلبون الحليب، بينما لا علف هناك، ولا نبات.

وأياما قليلة من بعد، فوجئ سكان فجيج، بأرتال من الدجاج في مسيرة، أيضا، باتجاه المغرب، وهم يحملون لافتات كتب عليها، الحماق هذا.. يريدون البيض كل يوم، بينما ليس هناك حب ولا زرع.

وانزعجت السلطات الجزائرية، وكلفت قوات عسكرية لمراقبة الحدود، ومنع هذا النوع من المسيرات الاحتجاجية لمواطنين(…) جزائريين في اتجاه المغرب، وبينما هم هناك يضربون الحصار الإعلامي لعدم وصول الخبر، للصحافة، فوجئ الجزائريون يوما بمسيرة مجموعة من الأغنام المغربية قادمة من المغرب وهم يحملون لافتات كتب عليها: المغاربة حماقو، قرروا إبادتنا.. كل يوم يأكلون المشوي، ورغم أن المغاربة كلهم لا يأكلون المشوي، فإن كثرة الأثرياء أكلة الغنمي(…) أصبحوا يهددون فصيلة الأغنام.

قد تكون قصة من نسج الخيال، ولكن خاتمتها عن المغاربة المواظبين على أكل المشوي، إنما تعني هذا الجانب الفخفخي عند المغاربة، وهم الذين أصبحوا، وخاصة في وسائل إعلامهم، يتهافتون على الفشر والفخفخة، والنفخ في الأحداث، وكل شيء على أحسن ما يرام.

الاستغراب إذن، من ضخامة هذه الضجة الإعلامية التي واكبت عملية افتتاح المركز الجديد، لمكتب التحقيقات القضائية، التابع لإدارة حماية التراب الوطني، الذي سارعت الصحف المتعاطفة(…) إلى تسميته مكتب “الإف بي آي” المغربي، مع تضخيم صور القطبين الجديدين القديمين(…)، الحموشي والخيام، رغم باعهما الطويل في المجال الاستعلاماتي، والمستخبراتي، منذ أفول نجم المدير السابق للديستي، علابوش، وكل المحسوبين على زمان إدريس البصري، الذي كان خبيرا في إخفاء وجوه الأقطاب الاستخباراتيين، عملا بالنموذج الراقي للمخابرات الفرنسية، مديرها “دومارانش”، الذي لم تظهر صورته للعالم إلا بعد إحالته على التقاعد، وتأليف مذكراته في كتاب بعنوان: “سر الأمراء” (Le secret des Princes)، وكذلك قطب المخابرات الجزائرية الخطير(…) الجنرال توفيق الذي لم تستطع أية صحيفة أن تحصل على صورة له، باستثناء صورة غير واضحة لا تظهر من خلالها ملامحه، وهو الذي أدار جهاز المخابرات الجزائرية عشرات السنين، إلى أن تم تعويضه في مارس 2013 بالجنرال طرطاق.

إلا أن المؤكد، هو هذا الاتفاق الوطني المغربي، على الترحيب بكل المبادرات، التي تضمن الأمن والاستقرار لهذا الشعب الذي أصبح يعيش الهلع من استفحال ظاهرة التحاق الآلاف من الشباب المغاربة، بتشكيل داعش”، الذي قدم للعالم ما يكفي من البراهين على وحشيته وهمجيته، وكل التبريرات المشروعة للتساؤل عن الخلفيات التي تجعل نخبة من الشبان المغاربة، يهجرون المغرب الجميل، مغرب الحضارة الإسلامية، وليلتحقوا بمن يعلمهم الذبح، وقتل النساء والأطفال، وحشر الآلاف في المقابر الجماعية.

ليس الأمر عندنا يحتاج إذن، إلى الاحتفال بتأسيس مكتب لمحاربة أخطار الإرهاب، بقدر حاجتنا إلى دعم المخططات الأمنية العظمى، لمواجهة كل الأخطار التي من شأنها زعزعة الاستقرار الوطني، علما بأن جهاز الاستخبارات والاستعلامات المغربي، مشهور منذ القدم، بحزمه وصرامته، لنذكر أن الفضل في هذه الميزات، يرجع للأقطاب الأمنيين الذين واكبوا هذا التخصص(…) مباشرة، غداة إعلان استقلال المغرب، وكان الفضل، وليس من حقنا إنكاره، يرجع للأقطاب الأمنيين الكبار الذين تعلموا الحجامة في رؤوس اليتامى، كما يقول المثل المغربي، فتعلموا فينا، وفي المعارضين واقرباء المعارضين، وأسسوا الكاب آن، ودار المقري، والدائرة السابعة، ثم تازمامرت، وقلعة مكونة، حيث كان قيدوم أقطاب المخابرات المغربية، قدور اليوسفي، يسكن في الطابق العلوي، لكوميسارية درب مولاي الشريف، دون أن تنزعج عائلته من صياح المعذبين تحت الأرض.

ولكن الجلادين الذين عرفهم تاريخ المغرب الحديث، تعلموا جيدا في رؤوس اليتامى من أجيال المغاربة الغير متفقين(…) إلا أنهم كسبوا شهرة الحزم المخابراتي، على الصعيد العالمي، أيضا، بفضل تخصيص فئة منهم، لتسجيل إصابات، تحولت إلى أوسمة، ترمز إلى ضخامة إنجازاتهم، التي كان لها الفضل الكبير، في استقرار الوضع طوال الأربعين سنة لحكم الحسن الثاني وسنوات وارث هذا الاستقرار، ولده محمد السادس.

لأن الاستقرار، عقيدة متوارثة(…) يتنامى مع طول التجربة، ليعرف المسؤولون الجدد عن حماية التراب الوطني، أنهم إنما يجنون ثمار التجربة الطويلة، لمن سبقهم في هذا المجال، وإن كانوا على الصعيد العالمي، وهم في المغرب، يواجهون أخطارا في العصر الحاضر، لم يكن لمن سبقوهم، سابق معرفة بها، لهذا أصبح المسؤولون الأمنيون في حاضر المغرب، يتمتعون بقبول ومباركة من الرأي العام الوطني، الذي كان على مدى سنوات طويلة، يعتبر المسؤولين عن الأمن، خطرا عليه، رغم أن المتربصين بالمغرب، وإياك أعني يا جارتنا الجزائر، كانوا يرون في من كنا نسميهم جلادينا، خطرا عليهم.

وفي إطار، اذكروا موتاكم بخير، نذكر القطب البوليسي الكبير، إدريس البصري، الذي خلف حكمة بوليسية، تتطابق مع الوضعية الحالية(…) ((حينما اجتمع مع مسؤول حقوقي كان يشرح له حتمية حقوق الإنسان، فقاطعه البصري قائلا: وأين هي حقوق الدولة)) (أنا والملك والبصري. بروكسي).

وإدريس البصري، يذكرنا بسيده ورئيسه الحسن الثاني، الذي يرجع إليه الفضل، في وضع الأسس الصلبة، للاستقرار الأمني في المغرب، عبر فلسفته المنطلقة من عدم وضع البيض كله في سلة واحدة(…) فلم يكن يعتمد على جهاز أمني واحد، بل نوع الأجهزة وقطع الصلات فيما بينها، حتى يخلق بينها تسابقا وصراعا كانا دائما في مصلحة الاستقرار، وهو ما كان ينصحه به أقطاب المخابرات الفرنسية والأمريكية، الذين كان يجتمع بهم، ويستفيد في نفس الوقت، من خبرتهم.

فبعد أن أسس جهاز الكاب آن، لتتبع الملفات الداخلية (الحزبية) والخارجية، أسس جهاز الديستي، ليجعله يتفرغ لمتابعة ما يجري داخل التراب الوطني، ثم اكتشف أهمية الجهاز السلطوي في الأقاليم وكنوز الأخبار والمعلومات، التي يجمعها القياد والباشوات والمقدمون والشيوخ، والمبلغون والبياعة، ليشجع تأسيس مصلحة الاستعلامات التابعة لوزارة الداخلية، ثم أسس جهاز المكتب الثاني للجيش، وأعلى منه، جهاز “لادجيد”، للتكفل بالأمن الخارجي، والعسكري للمغرب، وعزز هذا الجهاز الذي أخذ طابع الاستراتيجية الدبلوماسية والعسكرية، بأقطاب خبراء من كل المكونات المدنية والعسكرية المتفوقة، ليظهر بعد موت الجنرال الدليمي، جهاز آخر أعظم وأقوى، هو الجهاز التابع للدرك الملكي، والذي يعتبر الآن، وفي صمت كبير، من أقوى الأجهزة الاستخباراتية المغربية، قبل أن يكلف الملك الحسن الثاني، رئيس حرسه الخاص، المديوري، بتأسيس جهاز مكلف بحماية القصر الملكي، بينما نفوذه توسع ليشمل، باسم الأمن الملكي، مجالات أوسع.

ولقد عرفت الترتيبات الأمنية، التي كانت صارمة، موزعة مستقلة الكيانات، حدثا من الأهمية بمكان حينما استخلص الحسن الثاني من درس الهجوم الانقلابي على قصره بالصخيرات، 10 يوليوز 1971، فاستدعى قطب المخابرات الفرنسية “ساسيا”، وأسند إليه مهمة إعادة تكوين الأجهزة كلها، لدرجة أزعجت الأحزاب الفرنسية، وخاصة المناهضة للحسن الثاني، فقدمت سؤالا تحت قبة البرلمان الفرنسي، لتسائل رئيس الحكومة، بيير ميسمير، عن خلفيات وضع إطار أمني فرنسي كبير، لتنظيم الأمن المغربي، وبعدما قال رئيس الحكومة ميسمير، إنها مجرد مساعدة أمنية، أجابوه: ولكنه لا يوجد أي قانون يسمح بمثل هذه المهمة.

المهم، إن الحسن الثاني استفاد من تجربة ساسيا، خصوصا وأن هذا المستشار الفرنسي، كتب في مذكراته، أنه صارح الملك المغربي مرة، وقال له: إن الفرنسيين يواخذون عليكم أن سجونكم مملوءة بالمعارضين، بينما محيطكم مليء بالمرتشين.

ربما لم يجرؤ أي مغربي يوما ليقول مثل هذا الكلام لملك المغرب، ولكن الحسن الثاني، وهو يلعب الكولف مرة، محاطا بالوزراء والمقربين قال للجميع بصوت مرتفع “إن ساسيا، أكثر نزاهة وصراحة منكم جميعا”.

انفتاح المخابرات المغربية على الخارج في حياة الحسن الثاني، ونجاحه في تأطيرها، جعله يحظى بدعم جهاز السيا الأمريكي، الذي بعث له يوما، شريطا سريا مصورا، لاجتماع في سطوكهولم، جمع بين الجنرال الدليمي، والمعارض العسكري المغربي، الرامي، الذي كان في السويد، يعلن الثورة على النظام المغربي، ولقد حصل هذا اللقاء في دجنبر 1982، شهورا قليلة، قبل ما سمي بحادثة الاصطدام، التي أودت بحياة الجنرال المغربي القوي، أحمد الدليمي.

لا حاجة، للتلميح إذن، في حاضر أجهزة المخابرات، إلى الكثير من الأخطاء المرتكبة، وقد أصبحت مسيرة المخابرات المغربية، تتعثر أمام استفحال الأخطاء والعجز الدبلوماسي، ليدخل القضاء الإسباني مؤخرا، في متاهات اتهامات جديدة للمغرب في قضايا التعذيب، وكأن إسبانيا تزايد على فرنسا، في نفس الاتجاه(…) ليظهر من صيغة تقديم لائحة عشرة مسؤولين أمنيين مغاربة يطالب القضاء الإسباني بمواخذتهم، على أحداث مضت عليها السنون الطوال، وتتولى أحزاب اليسار الإسباني كشف أسرار(…) ومواخذات سياسية، يظهر من جزئياتها مرة أخرى، عجز الدبلوماسية المغربية وحتى الأجهزة الاستخباراتية عن الرجوع بنا إلى تلك الأيام التي كتبت عنها زوجة الجنرال أوفقير في مذكراتها: ((كيف أن فاطمة أوفقير، وأولادها كانوا يقضون عطلهم في ضيعة وزير الخارجية الفرنسي بيير جولي، في منطقة “درو” حيث يلتقون مع قطب المخابرات الفرنسية جورج سالني)).

error: Content is protected !!