في الأكشاك هذا الأسبوع
رئيس الحكومة بنكيران رفقة وزير العدل الرميد

هل هو هجوم على ثوابت الدولة من خلال الهجوم على الوزير الرميد ؟

الرباط – سعيد الريحاني

    وجهت عدة انتقادات لوزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، وهو الحاصل على وسام ملكي بسبب المجهودات التي قام بها على رأس الهيئة العليا للحوار الوطني من أجل إصلاح منظومة العدالة، والسبب هو إعلانه مؤخرا عن تفاصيل مسودة مشروع القانون الجنائي، التي يفترض أن تناقش وتنقح وتعدل في البرلمان، غير أن أصواتا كثيرة سبقت المصادقة على هذا القانون لتقول في موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك”: “مسودة القانون الجنائي لن تمر” بل إن بعض ممتهني المهن المرتبطة بالعدالة التمسوا الحكم على مسودة القانون الجنائي بأقصى العقوبات من أجل تهمة ضرب المكتسبات والتراجع في مجال الحقوق والحريات” (حالة المحامي الاتحادي عبد الكبير طبيح نموذجا).

————————

ورغم أن نقاشا من هذا النوع يفترض دراية خاصة بموضوع قانوني بامتياز إلا أن عملية حشد المعارضين تمت دون مناقشة، ولعل قليلا من المعارضين يعرفون ذلك الدرس الحقوقي الذي يبدأ بتعريف القانون الجنائي: “وهو أنه مجموعة من القواعد والنصوص التي تنظم مبادئ التجريم وتحدد الأفعال المجرمة والجزاءات المقررة لها، كما تنظم إجراءات البحث والتحقيق في الجرائم ومسطرة المحاكمة وتنفيذ العقوبات المحكوم بها، وهو يتفرع إلى: القانون الجنائي العام، والقانون الجنائي الخاص، وقانون المسطرة الجنائية (قانون الإجراءات الشكلية)”.

ولم يتخذ النقاش طابعا قانونيا بل إنه اتخذ في بعض الأحيان طابعا سياسيا، فقد انبرى حزب التقدم والاشتراكية لينتقد المسودة باعتباره غير مشارك في إعدادها، ورغم أن الحزب ينتمي إلى فريق الاغلبية الذي ينتمي له الوزير الرميد إلا أن اجتماع الديوان السياسي لحزب “الكتاب” انتقد في اجتماعه الأسبوعي، يوم الإثنين الماضي، المشروع باعتباره يتضمن بعض المقتضيات ذات الحمولة الدينية التي تمس المكتسبات الحقوقية، التي وصل إليها المغرب، ويمكن أن تفرق المجتمع عبر اللعب على وتر الدين، كما أن الرفقاء وجدوها فرصة لاستعمال بعض المصطلحات القديمة في الصراع بين الإسلاميين واليساريين من خلال حديثهم عن “الرجعية”.

ولم يأخذ المجتمعون بالهم من كون القانون الذي يناقشونه يفترض فيه أن يشكل أحد أوجه تنزيل دستور 2011، الذي ينص على أن المغرب دولة إسلامية، كما أنه يقول: “تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي”، حسب ما ينص عليه الفصل 1 من الدستور.

انتقاد مشروع مسودة القانون الجنائي لم يقف عند حدود بعض الأحزاب كحزب التقدم والاشتراكية، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب الاستقلال، بل إن بعض الحقوقيين ساروا على نفس المنوال، حيث يقول مصطفى المانوزي رئيس المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف الذي عبر عن عدم اطمئنانه: “إن كل التقدم المفترض في المنظومة الجنائية، لا يمكن الاطمئنان إليه في ظل منظومة العدالة التي لم تثبت لحد الآن أنها منخرطة في مطلب الاستقلال عن السلطة التنفيذية، وبالأحرى عن التمثلات الثقافية البائدة لأن القاضي اجتماعي بطبعه ولا يستقل عن انتمائه العقائدي سوى بالتفكير والثقافة المواطنة المشتركة، لذلك كنا دائما نلح على ضرورة خلق إمكانية التمرين على الانتقال الديمقراطي والحداثي، عبر إعادة تكوين القضاة والقاضيات في مجال القانون العام، ما دام مبدأ سمو القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني يقتضي الوعي به وبكفاءة وتخصص ومؤهلات قانونية دولية، حيث القانون الدولي هو الأساس..”.

هكذا إذن، يتضح أن جزءا من منتقدي مسودة القانون الجنائي يفضلون “المرجعية الدولية” للقوانين، لكن الإيمان بهذا الاعتقاد يقود حتما إلى إعدام الخصوصية الوطنية، ومن تم تجد أن جل أنصار فكرة إلغاء “عقوبة الإعدام” وجدوا أنفسهم أوتوماتيكيا ضد المسودة، كما هو الشأن بالنسبة لأصحاب حرية المعتقد، وهي التحركات المدعومة في إطار حركة حقوقية مدعومة دوليا من حيث التمويل والتأطير، في حالات كثيرة(..) وهي إحدى آليات إخضاع الدول(..).

    المسودة حركت أيضا مشاعر الناشطين في مجال المساواة، والذين يقولون إن مشروع القانون يتعارض مع دستور 2011، كما أنه يبعث “رسائل لاستمالة التيارات المحافظة والفكر المتخلف داخل المجتمع”، ورغم أن المدونة لا تتحدث عن “الإجهاض” غير أن أنصار فكرة تقنين الإجهاض وجدوها فرصة لمهاجمة المسودة.

يقول هشام ملاطي، وهو قاض ملحق بالإدارة المركزية: “مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية نتاج مجهودات كبيرة للعديد من المختصين الذين اشتغلوا من خلال لجان، كان آخرها لجنة علمية مختصة ضمت 28 عضوا من مشارب مختلفة من بينهم مسؤولون قضائيون، ورؤساء غرف بمحكمة النقض، وقضاة للتحقيق، وقضاة للأحداث وتطبيق العقوبات، ومحامون، وأساتذة جامعيون، وضباط للشرطة القضائية، وممثلون عن بعض القطاعات الحكومية ذات الصلة بمجال العدالة الجنائية”، ويضيف بأن مستجدات مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية، في إطار تنزيل توصيات الميثاق الوطني حول إصلاح منظومة العدالة التي كانت نتاج حوار وطني، حيث تم تنزيل حوالي 29 توصية من الميثاق تتعلق بالمنظومة الجنائية داخل أحكام المشروع، ويؤكد أن بعض المستجدات الواردة في المشروع فرضتها ضرورة الملاءمة مع أحكام دستور المملكة لسنة 2011، وكذا الملاءمة مع العديد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان ومكافحة الجريمة التي صادق عليها المغرب وتم نشرها بالجريدة الرسمية، حسب ما ورد في مقاله المنشور بتاريخ 23 يوليوز 2014.

وتبقى أكثر المقتضيات إحراجا لمهاجمي مسودة القانون الجنائي، هو هجومهم على المادة 490، والتي تقول ما يلي: “كل اتصال جنسي بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد، ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة أشهر، وغرامة من 2000 إلى 20 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين.. يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من 2000 درهم إلى 20 ألف درهم إذا ارتكبت هذه الجريمة بمقابل كيفما كان نوعه”، وهو ما يعني عمليا أن معارضي هذه المادة يدافعون عن “الفساد” في إطار “الحرية الجنسية”، ليطرح السؤال عن أي تراجع يتحدثون؟ ومنذ متى كان الفساد مباحا في المغرب؟

وقد وجد “وكالين رمضان” أيضا فرصتهم للهجوم على مسودة القانون الجنائي، الذي يعني هجوما على بعض ثوابت المغاربة، ما معنى أن تتعالى بعض الأصوات لتطالب، بإلغاء الفصل 222 الذي يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وبغرامة، من 2000 إلى 10 ألاف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، وتجاهر بالإفطار نهارا في رمضان، في مكان عمومي دون عذر شرعي..”، فمنذ متى كان المغاربة يتجرؤون على رمضان؟ وهل يمكن لعاقل أن يصرخ بهذا الكلام وسط الأحياء الشعبية؟

error: Content is protected !!