في الأكشاك هذا الأسبوع

حديث العاصمة | مؤرخ الرباط في ذمة الله

بقلم. بوشعيب الإدريسي

 التحق بالرفيق الأعلى أحد أهرام الرباط المؤرخ الكبير الحاج محمد أمين بلكناوي عن سن 101 سنة، بعدما عاش أحداثا وعايش ملوكا وشاهدا على تطور مدينته رباط الفتح.

وهذه مناسبة نهيب فيها بأنجاله البررة بأن يحافظوا على الكنوز المعرفية والتاريخية التي هي الإرث الوحيد الذي تركه المرحوم برحمة الله، وهو إرث إذا “سامحوا” تتقاسمه معهم الرباط، ويا حبذا لو أهدوا تلك الكنوز القيمة من مخطوطات ومذكرات، وصور، ووثائق إلى الجمعية “الوطنية” رباط الفتح التي بفضلها وثقت مئات الوثائق ونشرتها في كتب وموسوعات ومجلدات، ووزعتها مجانا للتعريف والتذكير بنضال رجال ونساء هذه المدينة، حتى إنها جعلت من الراحلين خالدين بيننا نتذكرهم ونترحم عليهم.

فمدينة الرباط أعطت أهراما شامخة في الوطنية، والفكر، والنضال والجهاد، وفي هذا الصدد نذكر بأول خلية للشباب الوطني تأسست في المدينة العتيقة برئاسة المرحوم المقاوم محمد الرشيد ملين وعضوية المرحومين: محمد أمين بلكناوي وهو في سن 23 سنة، وعبد الهادي الغربي، وبنعاشر الرجراجي، وأحمد رضى اكديرة، ومامون الرجراجي، وعباس الرفاعي، ومحمد الهريم، ومحمد برق الليل، ومحمد الزياني.. وغيرهم. لقد كان المرحوم محمد أمين بلكناوي رغم صغر سنه، ينبذ ديكتاتورية الحزب الوحيد، ومن الداعين للتعددية الحزبية، ومن أجل ذلك أسسوا في الرباط سنة 1937 حزبا أطلقوا عليه “حزب الأحرار المستقلين” ومنه ناضلوا ضد الاستعمار حتى الاستقلال.

وقبل هذا العمل الوطني شرع المرحوم في بناء خليات من الشباب الوطني عبر إنشاء فرق رياضية في كرة اليد وكان ذلك ابتداء من سنة 1934، وقد أكد الأستاذ الجليل الغزواني بنحساين بأنه يتوفر على صورة تاريخية للمرحوم يترأس الفريق الرياضي بلباس ذلك الوقت، سروال “قندريسة” وقميص.

وفي بداية السبعينيات من القرن الماضي، يتقدم المرحوم للانتخابات البلدية ويصبح عضوا في مكتب المجلس البلدي الذي كان يتكون من عمالقة الوطنية مثل: سيدي إبراهيم فرج أطال الله عمره، والمرحوم المقاوم عبد الكريم الفلوس، والصيدلي الرباطي عبد الحكيم كديرة، والتاجر اليهودي مورينو.. وغيرهم. ووجود المرحوم في تشكيلة المكتب عزز شعبية المجلس البلدي، وتظهر هذه الشعبية إبان تسجيل المتطوعين للمسيرة الخضراء سنة 1975، وكان المرحوم من المسؤولين في اللجنة التنظيمية، وعندما انتهت مهامه في المجلس البلدي اعتزل السياسة وتفرغ للبحث والتعمق في تاريخ مدينة الرباط. فلقد وهب نفسه لخدمة الناس ولإسعاد الآخرين، ولم يكن يرفض طلبا أو دعوة، ولم يسجل عليه أن طالب بأي امتياز له أو لأبنائه أو إخوانه أو أصهاره “المعموري”.. كان يتوسل لقضاء حاجات الناس، وكان يتدخل ليصالح المتخاصمين، كما كان لا يبخل أبدا بالنصيحة والمساعدة، وها هو المرحوم السي محمد يجني ما زرعه، فالرباط كلها تترحم على مؤرخها وتدعو له بالرحمة والجنة.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

error: Content is protected !!