في الأكشاك هذا الأسبوع
أردوغان صاحب النموذج التركي لمواجهة البنيات الموازية، يستقبل بن كيران صاحب نظرية "التماسيح والعفاريت"

ملف الأسبوع | هل انتقل المغرب من الدولة إلى منطق “عصابة الدولة”؟

أعد الملف: سعيد الريحاني

      يحكي الرئيس الأمريكي السابق “بيل كلنتون” وهو ثالث أصغر رئيس للولايات المتحدة بعد “ثيودور روزفلت” و”جون كينيدي”: ((كان الثالث من أكتوبر 1993، صباحا خريفيا منعشا وصافيا في آركنسو.. بدأت اليوم الذي سيغير مجرى حياتي، بالجري باكرا كالمعتاد، خرجت من الباب الخلفي لبيت الحاكم، وذهبت عبر حي كوابو القديم، ثم إلى وسط المدينة إلى بيت أولد ستيت.. البيت الكبير القديم، حيث أقمت أول حفل استقبال عندما أقسمت قسم النائب العام في سنة 1977 وقد زين بالأعلام الأمريكية، وبعدما جريت بجانبه واجتزته، انعطفت واتجهت نحو البيت، رأيت آلة بيع الصحف.. ومن خلال زجاجها استطعت أن أقرأ العنوان الرئيسي: “الساعة تقترب لكلنتون” وعلى طريقي إلى البيت تمنى لي عدد من المارين كل الخير، وبعد عودتي إلى البيت ألقيت النظرة الأخيرة على خطاب ترشيح نفسي للرئاسة، لقد سهرت على هذا الخطاب إلى ما بعد منتصف الليل، كانت البلاغة الراقية طاغية على نصه، فيه مقترحات سياسية، لكنه مازال طويلا أكثر مما ينبغي، فاختصرت بعض السطور.. وعند الظهيرة قدمني على المنصة خازن ولايتنا “جيمي لوفيشر” الذي عمل معي منذ سنة 1978، بدأت الخطاب مرتبكا نوعا ما، ربما بسبب تصارع داخلي.. لم أكن راغبا بالتخلي عن الحياة التي عرفتها كما كنت تواقا إلى التحدي.. لألتزم، بقضية أكبر، وهي الحفاظ على الحلم الأمريكي واستعادة آمال الطبقة الوسطى المنسية والمطالبة بمستقبل لأطفالنا، وختمت كلمتي بتعهدي بأن أعطي حياة جديدة للحلم الأمريكي بصيغة عهد جديد مع الشعب، وفرص أكثر للجميع، ومسؤوليات أكبر للجميع، وحس أعظم بالهدف العام”.

يبدو جليا من خلال ما يحكيه “بيل كلنتون” أن الحلم الشخصي يذوب في “الحلم الوطني” والوطن هنا هو أمريكا، رغم أن كلنتون ولد تحت “سماء صفت بعد عاصفة هوجاء” من أم أرملة كانت قد سمته “ويليام جفرسون”، حسب ما يؤكده في سيرته الذاتية، في كتاب يحمل عنوان: “حياتي” إلا أنه وجد الفرصة الكافية ليصبح رئيسا لأكبر دولة في العالم.

في المغرب، ورغم “الإمبراطورية الشريفة” كانت أول من اعترف بأمريكا سنة 1778، إلا أن الصورة تبدو مختلفة تماما، حيث تبدو الفرص أقل حيث يظهر أن هناك حسا أقل بالهدف العام، ورغم أن كثيرا من المغاربة قد لا يتفقون مع النموذج الأمريكي إلا أن المعطيات الصادرة عن مؤسسات رسمية تبدو صادمة، فـ”سياسة باك صاحبي” تفرض نفسها على أرض الواقع، وقد سبق أن أكد أحمد الحليمي المندوب السامي للتخطيط، في بداية شهر يناير من السنة الجارية “أن عددا كبيرا من التعيينات التي تتم بالمملكة، تخضع لمنطق المحسوبية والزبونية، وكذا تأثير العائلات والقرابات.. فما يقارب نسبة 26 في المائة من التعيينات والتوظيفات لم تجد المندوبية تفسيرا لها، حيث وجدت أن المعنيين بدون كفاءة وخبرة، بل وحتى بدون شهادات..”، ليخلص الحليمي إلى القول بأن الزبونية هي السبب.

هكذا إذن، تفضح مؤسسة رسمية بعض خيوط التحكم الذي يحول دون تحقيق التقدم المنشود، وكأننا أمام “حزب سري” يدافع عن أبنائه فقط، مستغلا تدني الدور الذي يمكن أن تضطلع به الأحزاب في تخليق الحياة العامة، وفرض احترام المؤسسات بالقانون بدل الارتهان إلى أساليب العمل التقليدية التي تحاكي التخلف من قبيل اللجوء إلى طلب التحكيم الملكي.

ما معنى أن يطلب كل من إدريس لشكر وحميد شباط ومصطفى الباكوري ومحمد الأبيض..، باعتبارهم رؤساء أحزاب، تحكيما ملكيا، في مواجهة رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران؟ أليست هذه هي الدرجة الصفر في السياسة؟ ألا يقتضي المنطق الديمقراطي الاحتكام للشعب وليس للملك؟ ثم لمصلحة مَن يصب هذا الاحتكام للملك؟ ألا ينطوي الأمر على محاولة توريط المؤسسة الملكية في آلية التحكيم التي تصب في اتجاه إفراغ الدستور الذي صوت عليه المغاربة من محتواه؟ ولنفترض أن هناك أطرافا سياسية لا تتفق مع النظام؟ وهذا يدخل في إطار الحرية المروج لها على نطاق عالمي بشكل واسع هذه الأيام(..) ألا يقتضي ذلك، أولا، وضع مسافة مع أموال الدولة.. ما معنى أن تمول وزارة الداخلية أحزابا تحارب إمارة المؤمنين، رغم أن قانون الأحزاب يجرم ذلك؟ وما هي مصلحة المغاربة في مناقشة “قانون الإجهاض” “وإلغاء عقوبة الإعدام” و”تجريم التكفير”؟.. ثم ما معنى أن تقترح أحزاب المعارضة في عز النفق الذي تمر منه قضية الصحراء، قانونا يحرم كل مغربي سافر إلى المستوطنات الإسرائيلية من الجنسية المغربية؟ ألا ينطوي الأمر على محاولة إثارة اللوبي اليهودي في العالم من أجل اتخاذ مواقف عدائية إزاء المغرب.

هل يتعلق الأمر بوجود “حزب سري” في المغرب لا يعرفه المغاربة؟ فقد سبق أن تحدث أحد الفاعلين السياسيين وهو حكيم بنشماس عن حزب سري، حيث ((كشف القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة عن بعض تفاصيل ما وصفه بمخطط سري وظفت فيه “خناشي ديال الفلوس”، حسب تعبيره، للنيل من سمعة بعض القيادات في مسلسل جديد من الفضائح المنقوصة التي أعلنها عدد من السياسيين والوزراء “صدقونيي وأنا أعي ما أقول، لقد وظفت خناشي ديال الفلوس من قبل رجال أعمال وحزبيين ونقابيين وجزء

 من الإدارة والمخزن الذين تحالفوا في ما بينهم، وهو ما جعل جزءا من الطبقة السياسية والإعلام يجتهدان ليل نهار وبإمكانيات ضخمة لتشويه هذه التجربة، والنيل من مصداقية قيادات وطنية هي أفضل ما أنجبته الأمهات المغربيات)) (جريدة المساء، عدد 29 دجنبر 2014).

رغم أن بنشماس يحاول أن يختزل مهمة “الحزب السري” في محاربة حزب الأصالة والمعاصرة إلا أن وجود تنظيمات غير علنية موازية لكيان الدولة مسألة تستحق التساؤل، إلى أين يسير المغرب؟ وهل نحن أمام صراع أحزاب محكومة بمقتضى قانون الأحزاب، أم أننا أمام صراع “لوبيات” غير مرئية؟ والأكيد أن أمرا كهذا لن يجلب أي خير لدولة تحاول الاصطفاف في دائرة “الدول النامية” التي تحاول التخلص من الإرث الاستعماري، الثقيل(..).

قد يقول قائل إن الدولة المغربية المرئية بوزاراتها وقوانينها في مواجهة مفتوحة مع كيانات موازية، وهو أمر يبدو محتملا، وقد شهد شاهد من أهلها، وهو حسن أوريد الناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي، والأكيد أنه لا يطلق الكلام على عواهنه، شأنه شأن جميع خريجي “المدرسة المولوية” الذين يحاول البعض التقليل من شأنهم(..).

يقول حسن أوريد، في معرض حديثه عن البنية الموازية: ((نحن مدينون لتركيا بمفهوم “الدولة العميقة” الذي أصبح معروفا في الدينامية المجتمعية الحديثة في العالم العربي، تركيا أيضا أسست لمفهوم جديد هو “البنية الموازية” لوصف الصراع الدائر بين الدولة والحركة التي كانت في البداية طريقة صوفية يتزعمها فتح الله كولن الذي يتربع على شبكة كبيرة.. فتح الله كولن الذي عرف مبكرا كيف يستفيد من تكنولوجيا المعلومات الحديثة وشبكة خيرية، وذراع إعلامي، وشبكة من الزوايا الدينية المستمدة من المذهب النورسي ليفرض نفسه ببطء لكن بثبات على النظام العلماني لأتاتورك.. النظام التربوي الموجود تحت اسم الفاتح تفوق على النظام العمومي العلماني وحصل على جوائز من طرف منظمات دولية، هذا النظام الذي خطى خطواته الأولى في الجمهوريات الناطقة باللغة التركية بدأ يغزو العالم العربي من مصر إلى المغرب. مجموعة الفاتح فتحت أبوابها في الدار البيضاء وطنجة.. مجلة “حراء” المساهمة بقسط وافر في هذا الشأن أصبحت تطبع في المغرب، والإسلاميون الترك الجدد المنضوون تحت راية العدالة والتنمية اعتمدوا على هذه البنية.
البنية الموازية بإعلامها ومستشفياتها ومدارسها وأبناكها أصبحت دولة داخل دولة وتهدد الدولة… كل بنية موازية هي خطر محدق بالدولة، فإيطاليا دفعت غاليا ثمن مرورها من تجربة هذه البنية، المظهر غير المثير وحملات التضامن في المناطق الفقيرة لصقيلية والعلاقات التي نسجها هؤلاء “المحرومون” مع متعاطفيهم خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية وفرت لهم إمكانيات عبر تمويلات سرية. هذه البنيات بنجاعتها كسبت تعاطف الناس البسطاء مع وجود إهمال من طرف إداراتهم وبنهج طرق اندساس نجحت في اختراق بنيات الدولة: الشرطة، والقضاء، والمؤسسات الصناعية بل حتى الأحزاب السياسية. عامل المال بالإضافة إلى شبكة اختراق بنيات الدولة سيصيبان الدولة بعجز. البنية الموازية انتهت بالدخول في العنف ومزقت إيطاليا لمدة طويلة..)).

قد يقول قائل، مالنا وتركيا وإيطاليا، يجيب حسن أوريد: “من المغامرة بمكان إسقاط هاتين التجربتين على المغرب، لكن أليس النظرة الثاقبة هي رؤية ما لا يرى؟ أليس هناك بنية موازية جنينية انبثقت بالمغرب مع الانتخابات الجماعية 2009، ومباشرة وبنفس الشكل في الانتخابات الجهوية لتوصل ملف الصحراء البالغ الحساسية بتداعياته إلى أحداث “اكديم إيزيك”؟ ألم تولد بنية موازية معروفة بعرابها الغريب عن الدولة، والذي له في نفس الوقت تأثير كبير في دواليبها؟ كل هذا يدعونا إلى التفكير أو من المفروض أن يدعونا إلى التفكير، نحن المثقفون نطرح الأسئلة فقط والزمن وحده يتكفل بالإجابة عنها، لكن يبدو جليا أن الصدام بين البنية الموازية والدولة لا مفر منه عاجلا أم آجلا (مقال حسن أوريد، مجلة زمان، عدد فبراير 2015، مترجم من طرف موقع أريفينو بتاريخ 23 فبراير 2015).

المقصود بالبنية الموازية للدولة في هذه الحالة حزب الأصالة والمعاصرة، بالنسبة لحسن أوريد المقصود بعراب البنية الموازية هو إلياس العماري، رغم أن حسن أوريد يفضل لغة الإشارة، إلا أنه ليس الوحيد الذي لا ينظر بعين الرضى لهذه الحزب الذي يقول عنه البعض إنه ولد في رحم وزارة الداخلية (حالة الاستقلالي امحمد الخليفة)، غير أن ذلك لا يصل إلى مستوى ما يطلبه بن كيران الذي يطالب بحل حزب الأصالة والمعاصرة، والسبب هو “الخلطة الفاسدة” (المصدر: تصريحات موثقة على لسان رئيس الحكومة).

    ولا شك في أن المتتبعين يستغربون من رئيس الحكومة وهو يحشر نفسه وسط المستنكرين بدل تطبيق القانون، أولا: إذا كان هنا ما يوجب حل حزب ما فيجب الحل والقانون هو الأسمى، ثانيا: ما معنى أن يتحدث رئيس الحكومة عن وجود التماسيح والعفاريت دون محاسبة؟ لعل ما يقصده بن كيران هو وجود “دولة عميقة” مع العلم أن الدولة العميقة إذا انحرفت قد تكون لها أهداف مخالفة للدولة المعلنة(..)، ويبقى أشهر تعريف للدولة العميقة حتى الآن هو أنها مجموعة من التحالفات وشبكات العلاقات الممتدة داخل جسد الوطن أفقيا ورأسيا بدون شكل أو تنظيم محدد وملموس، وهي تشمل أعضاء برلمانيين وسياسيين ورجال أعمال ورجال أمن وفنانين، وإعلاميين، وقد تعرف بشكل آخر بكونها شبكة مصالح متشابكة ومترابطة لا يعرف أفرادها بعضهم لكنهم يعملون لهدف مشترك هو الدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم، خارج إطار القانون والمجتمع والدولة..” (أنظر الأسبوع، عدد 30 أكتوبر 2014).

الصراع من أجل المصالح يوجد داخل كل البلدان لكن ماذا لو تطورت أنشطة البنيات الموازية، وماذا لو تطورت أنشطة هذه “الكيانات” التي يمكن أن تعمل لصالح الوطن كما يمكن أن تعمل ضده(..) إلى درجة الإضرار بمصلحة الأمة التي يفترض أن يذوب فيها خليط من الأجناس والمصالح والعقد.. في هذا الإطار، يمكن التساؤل بأية صفة سافر وفد من حزب الأصالة والمعاصرة، للقاء رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي في شأن قضية الصحراء، ولماذا أصر الأفارقة على وصفه بنائب رئيس مجلس النواب؟ الجواب سهل: الأفارقة المعنيون يحاولون توهيم العالم بأنهم التقوا وفدا يمثل الدولة المغربية، وبالتالي إمكانية إلزام المغرب بقرارات منظمة لا يعترف بها منذ أيام الحسن الثاني، ولا شك في أن عددا كبيرا من المغاربة في “دار غفلون” إزاء هذا التقارب بين الاتحاد الإفريقي، الذي تتحكم فيه دول معادية للمغرب وبعض أجهزة الأمم المتحدة.. قد يقولون غدا إن الاتحاد الإفريقي سيحل محل الأمم المتحدة؟

لا تقف خطورة زيارة “البام” إلى جنوب أديس أبابا في الزيارة نفسها أو ما تبعها من استقبال لوفود من دول معروفة بعدائها للمغرب، بل إن “تقريرا خطيرا كشفت عنه منظمة الاتحاد الإفريقي بتاريخ 27 مارس، الأسبوع الماضي، أرسل إلى جميع الهيئات الأممية، تؤكد فيه أن إلياس العماري الذي وصفوه بنائب رئيس مجلس النواب، متفق مع أطروحة تقرير المصير (أنظر الأسبوع، عدد 2 أبريل 2015)، ولم يسجل إلى حد الآن أي رد فعل إزاء هذا التصرف باستثناء ما عبرت عنه، زميلة إلياس العماري في حزب الأصالة والمعاصرة كوثر بنحمو، التي اختارت مراسلة: رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي زوما، عبر بيان حقيقة قالت فيه: “أحيطكم علما سيدتي، أن رئيس البرلمان المغربي هو السيد رشيد الطالبي العلمي ونوابه على التوالي هم السادة والسيدات: محمد يتيم، وكنزة الغالي، وشفيق رشادي، وعبد اللطيف وهبي، ورشيدة بنمسعود، وعبد القادر تاتو.. ولهذا فالسيد إلياس العماري الذي استقبلتموه يوم 6 فبراير 2015 ليس نائبا لرئيس برلمان المملكة المغربية وليست له أية شرعية مؤسساتية أو شعبية لأنه، ليس منتخبا، وحزب الأصالة والمعاصرة تنظيم وليس مؤسسة، إن السيد إلياس العماري ليس مخولا له تمثيل المملكة المغربية كما أنه موضوع شكاية لدى السيد وزير العدل والحريات رقم: 2344/3101/2014 وتقبلوا مني سيدتي فائق الاحترام والتقدير.. انتهت رسالة كوثر بنحمو (المصدر: موقع مساء الجهة، نشر بتاريخ 06 أبريل 2015 على الساعة 23:30).

إلياس العماري ليس وحده بل إنه ينتمي لتحالف أحزاب المعارضة من أجل الدفاع عن الحكم الذاتي، هذا من حيث الشعار، أما في الواقع؛ فقد طرح على إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، وهو عضو في التحالف، سؤال داخل وكالة المغرب العربي للأنباء حول تحديد موقفه، عما إذا كان مع الحكم الذاتي أم مع تقرير المصير، فتحدث في كل شيء ولم يتحدث عن موقفه، ليتواصل هذا السكوت الملغوم، في وقت تجتاز فيه القضية الوطنية، أصعب امتحان لها و لجيل محمد السادس.

error: Content is protected !!