في الأكشاك هذا الأسبوع
عمر الشريف

عمر الشريف.. أضاع كل أمواله في القمار ويعاني اليوم من مرض باركنسون

بقلم. رمزي صوفيا

      يعتبر النجم العربي العالمي عمر الشريف حالة خاصة سواء في مجال الفن أو في حياته الخاصة، إذ ليس هناك إنسان واحد في هذه الدنيا يتمنى أن يكون مصيره في خريف عمره مثل ما فعل عمر الشريف في نفسه، بعدما كان لقاء عمر الشريف بالمخرج “دافيد لين” إيذانا باقتحامه مجال السينما العالمية، حيث قدم فيلم “لورنس العرب” في سنة 1962 وحقق له هذا الفيلم شهرة عالمية كبيرة، وبدأت الأعمال السينمائية تتقاطر عليه وبدأت بورصته الفنية ترتفع حيث توالت أعماله التي منها: “الرولز رويس الصفراء” و”الثلج الأخضر” و”الوادي الأخير” و”بذور التمر الهندي” و”المماليك” و”جنكيز خان” و”ليلة الجنرالات” و”فتاة مرحة” و”مايرلنغ” و”الموعد”.

 ————-

   ولد عمر يوم 10 أبريل عام 1932م باسم “ميشيل ديمتري شلهوب” في الإسكندرية لأسرة مسيحية، وكان والده تاجرا للأخشاب يريد أن يعمل ابنه معه في هذه المهنة، إلا أن الابن كان مولعا بالتمثيل، فشارك في عدد من المسرحيات الجامعية. ولكن فرصة عمره جاءته عندما قدمه المخرج يوسف شاهين للنجمة الشهيرة فاتن حمامة التي كانت بصدد اختيار وجه جديد يقف أمامها في دور البطولة في فيلمها الجديد “صراع في الوادي”. وشاء القدر أن تقع فاتن حمامة في حب عمر الشريف من أول نظرة. فعبرت عن ذلك أمام الجميع في الاستوديو الذي تم فيه تصوير الفيلم، حيث تناقل كل الممثلين والعاملين في الاستوديو خبر وقوعها في حب الوجه الجديد رغم أنها كانت متزوجة آنذاك من المخرج عز الدين دو الفقار، فتم طلاق فاتن وتزوجها عمر بعد أن أشهر إسلامه وغير اسمه ليصبح عمر الشريف، وابتسمت الحياة أكثر لعمر بعد أن دعمته زوجته فنيا وشجعته كثيرا خاصة بعد ميلاد وحيدهما طارق.. ولكن الحياة كانت تخبئ له مسارا بعيدا كل البعد عن الاستقرار العائلي مع النجمة التي عشقته وتركت كل شيء من أجله، فقد كان لقاء عمر الشريف بالمخرج “دافيد لين” إيذانا باقتحامه مجال السينما العالمية، حيث قدم فيلم “لورنس العرب” في سنة 1962 وحقق له هذا الفيلم شهرة عالمية كبيرة. وبدأت الأعمال السينمائية تتقاطر عليه وبدأت بورصته الفنية ترتفع حيث توالت أعماله التي منها: “الرولز رويس الصفراء” و”الثلج الأخضر” و”الوادي الأخير” و”بذور التمر الهندي” و”المماليك” و”جنكيز خان” و”ليلة الجنرالات” و”فتاة مرحة” و”مايرلنغ” و”الموعد”. وصار يحصد مبالغ طائلة كان يمكن أن تجعله من أكبر أغنياء مصر اليوم، ولكن عمر اتجه نحو طريق آخر حيث بدأ في الأول يمارس لعبة البلياردو مع صديقيه النجمين الراحلين رشدي أباظة وأحمد رمزي. وفي تلك الفترة بالذات تعرفت عليه، وكنا نلتقي من وقت لآخر عندما كان يزور القاهرة فكان يشتكي لي كثيرا من مشاكله مع صناع السينما العالمية والانضباط الذي يفرضونه عليه في حين أنه كان بوهيميا إلى أبعد الحدود، حيث كان من عشاق السهر والاستيقاظ في أواخر النهار. وكنا نجلس جميعنا أنا وهو ورشدي أباظة وأحمد رمزي، فكان كل حديثي مع عمر يرتكز على وضعه العائلي. وكنت أقول له: “حافظ على النعمة التي أعطاها لك الله ألا وهي الزوجة المحبة والطيبة فاتن حمامة، وحافظ على بيتك فأنت اليوم أب لطفل جميل هو ابنك طارق، لا تهمل زوجتك لأن المرأة مثل الوردة إذا لم تسقها حبا فسوف يذبل كل ما يربطك بها” وكان رشدي أباظة يؤكد على نصيحتي له وكذلك المشاغب أحمد رمزي. وأحيانا كان يجلس معنا العندليب عبد الحليم حافظ فكان دائما يسخر من عمر قائلا له بشغب كبير: “لقد تذوقت الأشقر لكن يجب أن تحافظ على الأسمر يا اسمراني حتى لا يقسو عليك. ألم تسمع أغنيتي: يا سمر يا اسمراني مين قساك علي؟” وكنا نفترق على أمل إصلاح عمر لوضعه وترتيبه لحياته ولكن الطين لم يكن يزداد إلا بلة في حياته الاجتماعية.

 وهكذا بدأت روائح فضائحه مع حسناوات السينما العالمية تفوح حتى وصلت إلى زوجته فاتن حمامة، فطلبت منه الحضور بسرعة إلى القاهرة، وعندما جاء جلست معه وقالت له بهدوئها المعروف: “اسمع يا عمر، أنا قبل أن أكون زوجتك فأنا امرأة ولا أملك سوى كرامتي، ويستحيل أن أسمح لأحد بأن يتهامس من خلف ظهري ويقول للآخرين بأنني زوجة مهمَلة ومهجورة، فليس في أي عيب أو نقص يجعلك تهجرني وتهجر بيتك كل هذه المدة وأيضا تجعلني أعيش المهانة بسبب أخبار خياناتك لي مع الأوروبيات والأمريكيات، لهذا أنا أطلب منك الطلاق فورا إكراما للحب الذي جمعنا ذات يوم وللعشرة ولطفلنا طارق” فتم طلاق فاتن من عمر بهدوء وبطريقة ودية، واشترط عليها عمر أن يتكفل بحضانة ابنه. وبعدما تم الطلاق وأخذ عمر ابنهما معه ليعيشا في باريس انطلق في مغامراته وعلاقاته ليعيش حياته بالطول وبالعرض، وصار يصرف كل ما كان يكسب بل صار يضطر للاقتراض ليمارس لعبة الروليت التي صار مدمنا عليها كل ليلة. أما فاتن فقد ارتبطت بعلاقة حب مع شاب سعودي من عائلة كبيرة، فاشترى لها شقة في باريس، ولكن عائلته وبمجرد علمها بعلاقته مع فاتن وبأنهما عازمان على الزواج أقامت الدنيا ولم تقعدها خاصة وأنه كان متزوجا من سيدة من بلده تركها مع عائلته في البيت الكبير الذي تمتلكه العائلة. فانفصلت فاتن عن الثري السعودي وعادت لحياتها العادية متفرغة لفنها وصارت تقفز من نجاح لنجاح حتى حصلت على لقب سيدة الشاشة العربية.

 وخلال ذلك التقت مع طبيب متخصص في الأشعة يدير مصحة كبيرة في القاهرة، فربط بينهما حب كبير توجاه بالزواج وعاشت معه فاتن في هناء وسعادة حتى رحلت عن هذه الدنيا في مطلع السنة الحالية إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، أما عمر فقد عاش حياة فوضوية كسب فيها الكثير ولكنه خسر كل ما كان يحصده. وبعد أن غزا الشيب وأعراض الشيخوخة جسمه بدأت أسهمه السينمائية تهبط بسرعة فائقة، فأعرض عنه المخرجون العالميون وصارت أعماله قليلة بأدوار ثانوية لا تسمن ولا تغني من جوع. وهكذا قرر العودة إلى القاهرة باحثا عن مكان له في السينما دون أن ينتبه إلى أن الحياة لا تنتظر أحدا، والشباب لن يعود إليه أبدا فصار مضطرا لقبول أدوار ثانوية باهتة. ولأنه لم يهتم بمستقبله ولم يفكر في غدر الزمن فقد خرج من نجوميته العالمية خالي الوفاض ولم يشتر لنفسه حتى شقة تأويه، فصار يتنقل بين الفنادق من غرفة لغرفة وهو في أرذل العمر. ومن فرط حسرته على ما فاته فقد أصيب اليوم بحالة نفسية صعبة صار معها يضرب رأسه في الحائط. ومؤخرا، رفض أحد الفنادق استقباله بسبب الضوضاء التي يحدثها وبسبب المشاكل التي يدخل فيها مع موظفي الفندق ومع نزلائه، وقد حاول ابنه طارق إدخاله إلى مصحة نفسية ولكن عمر رفض بشكل قاطع حيث مازال يقول لكل واحد يلتقيه: “أنا هو فتى السينما الأول”.

ومن فرط انهيار وضعيته الصحية والنفسية لم يحضر عمر جنازة زوجته الراحلة فاتن حمامة، وعندما كثر الحديث بين الناس عن تخلفه عن المشاركة في تلك الجنازة فقد أدلى بتصريح لإحدى القنوات قائلا وهو يبكي: “لقد كانت صدمة الوفاة أكبر من قدرتي على التفكير، ويجب أن أعترف بأن العمر تقدم بي كثيرا ولم يكن في استطاعتي التزاحم وسط هذا الحشد الضخم من البشر لأن قدرتي الصحية لا تتناسب مع الازدحام الشديد”. وتابع: “لقد أصبت بنوبة قلبية في باريس منذ سنوات نتيجة الازدحام في مهرجان كان”.

واليوم وفي أرذل العمر فإن عمر الشريف وجد نفسه وحيدا بعد أن استقل ابنه طارق بحياته بعيدا عنه وبعد أن فقد كل أمواله، والأدهى والأمر أنه يعاني من مرض باركنسون (الرعاش) الذي يجعله عاجزا حتى عن الاعتناء بجسمه لوحده.

إنها الحياة التي لا تدوم على حال ولا ترحم من فرط وتهاون في الاستعداد لغدرها.

error: Content is protected !!