في الأكشاك هذا الأسبوع
الهمة مؤسس حركة "لكل الديمقراطيين"

أعضاء “حركة الهمة” يتبرأون من حزب الأصالة والمعاصرة

إعداد: سعيد الريحاني

    لا أحد من الصحفيين اليوم يحمل سماعة الهاتف لكي يتصل بالصحفي البشير الزناكي، وقليلون هم الذي يعرفون مصير الرجل الذي انتقل ذات يوم من سنة 2008 من مركز النطق باسم الأحداث الجارية من خلال موقعه كإعلامي، إلى مكان آخر ينطق فيه باسم “حركة لكل الديمقراطيين”، في إطار المهمة التي خولت له وسط الضجيج السياسي لتلك المرحلة التي سبقها ترشح الوزير المنتدب السابق فؤاد عالي الهمة في منطقة ابن جرير سنة 2007، عندما حصدت لائحة “الكرامة” الأخضر واليابس في ذات المدينة كسابقة سياسية من نوعها، وقتها فازا كل من فتيحة العيادي وحميد نرجس خال الهمة بمقعد برلماني لم يكن متوقعا.

_____

    ليس البشير الزناكي وحده من يدخل في عداد “المختفين” عن الأنظار بل إن الظروف لم تعد تسمح بظهور، أحمد اخشيشن، وزير التربية الوطنية السابق، وهو رئيس الحركة، باستثناء ما قيل عنه السنة الماضية حول التحاقه بالعمل ضمن الفريق المساعد للمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة “الزعيم الروحي” للحركة، بل إن بعض المصادر الإعلامية تحدثت عن دور محتمل يلعبه اخشيشن في الكواليس ضمن لجان صياغة الخطب الملكية، وهو ما يفسر تغير نبرة الخطب التي كان يشرف عليها طاقم تقليدي(..).

“الأسبوع” التقت، مؤخرا، بعضو نشيط في حركة “لكل الديمقراطيين” وأحد الرموز المؤسسة للحركة، وبينما يعتقد الجميع أن الرجل يواصل نشاطه المعتاد داخل حزب الأصالة والمعاصرة، قال: “بالعكس، لقد وضعت مسافة بيني وبين الحزب، بل إنني عندما ألتقي ببعض الأعضاء في حزب الأصالة والمعاصرة، ومنهم أعضاء لم يسبق أن عرفتهم، أكتفي بالسلام عليهم، ونتحدث في جميع المواضيع باستثناء موضوع الحزب”.

المتحدث نفسه، تحدث بحسرة كبيرة عما سماه عدم التوفق في إنجاز المشروع الكبير لـ”حركة لكل الديمقراطيين” بسبب “التسرع” في جني الثمار قبل الوقت، قائلا: “لو كانت الحركة حافظت على وجودها إلى حدود اليوم لشكلت بديلا حقيقيا عن هذه الرداءة السائدة في الخطاب السياسي الراهن”، وضرب نفس المصدر مثالا لما جرى في تونس، حيث اعتبر أن التونسيين كانوا على اطلاع بتجربة “حركة لكل الديمقراطيين” في المغرب، وأضاف إن بعض النشطاء ومنهم الرئيس السابق منصف المرزوقي كانوا على اطلاع على ما يجرى في المغرب، موضحا أن بعض السياسيين في تونس كانوا يحلمون باستلهام التجربة المغربية.. “لذلك يلاحظ أن روح “حركة لكل الديمقراطيين” موجودة بين ثنايا التجربة التونسية..”، حسب نفس المصدر.

وامتنع محدث “الأسبوع” عن الخوض في أسباب التراجع التنظيمي لمؤسسي “حركة لكل الديمقراطيين” داخل البناء التنظيمي لحزب الأصالة والمعاصرة، معتبرا أن هناك تفكيرا سائدا داخل أوساط عديدة حول مبادرة محتملة لجمع الغاضبين والمقصيين من الأحزاب من أجل صياغة أرضية سياسية موحدة للإجابة على أعطاب المشهد.

ورغم أن المتحدث لم يعد يفضل الحديث عن حزب الأصالة والمعاصرة في نسخته الجديدة، غير أنه يؤكد أن من يتزعمون الحزب اليوم كانوا من أشد معارضي فكرة تأسيسه كما أن جل المتتبعين باتوا يعرفون أن المؤتمر الاستثنائي الذي عقده الحزب سنة 2012، والذي نتج عنه انتخاب مصطفى الباكوري أمينا عاما للحزب، شكل أولى لبنات القطيعة بين الحزب والحركة، حيث كان من بين أهداف المؤتمر، حسب مصادر مطلعة، إبعاد الشيخ بيد الله عن منصب الأمين العام بعدما لعب دورا في الاصطفاف وراء الأعيان وليس وراء الأطر الفكرية والجيل الجديد من السياسيين الذي كان يحلم به مهندسو “حركة لكل الديمقراطيين”، “فإذا كان فؤاد عالي الهمة قد دافع في بداية بناء الآليات التنظيمية للحزب عما أسماه وقتئذ الجيل الجديد للأمناء الجهويين، المشكلين أساسا من أساتذة جامعيين وأطر عليا وحقوقيين ومعتقلين سياسيين وموظفين سامين، فإن بيد الله الأمين العام الوطني للحزب، وفق ما جاء على لسان مصدر مسؤول، قتل فيهم كل مبادرة أو خَلْقٍ وشل قدراتهم التنظيمية والاستقطابية مفضلا جناح الأعيان الذي يراهن عليه من أجل كسب رهان الانتخابات التشريعية” (جريدة الصباح، عدد 9 يوليوز 2011).

وقد بات عصيا اليوم على المتتبع تحديد ملامح الدور الذي يلعبه أعضاء “حركة لكل الديمقراطيين” داخل حزب الأصالة والمعاصرة خصوصا بعض الموقعين على النداء التأسيسي للحركة أمثال: الحبيب بلكوش، وحسن بنعدي، وحكيم بنشماس.. هذا الأخير، لم تعد قصته داخل الحزب خفية على أحد لا سيما عندما حزم حقائبه وقرر الرحيل عن الحزب(..) احتجاجا على المؤتمر الاستثنائي الذي انتخب الباكوري، لولا التدخلات، فكان حافزه الوحيد على الاستمرار هو تلك “الإشارة الثمينة” إلى اسمه باعتباره رئيسا للمجلس الوطني، في برقية “التهنئة الملكية” الموجهة للحزب.

 وقد يكون للخروج الإعلامي الأخير المنسوب لفؤاد عالي الهمة، الملزم بالسكوت، بمقتضى واجب التحفظ الذي تفرضه مهمته كمستشار ملكي، دور كبير في “عودة أعضاء حركة لكل الديمقراطيين إلى الوراء”، فقد كشف مصدر خاص عن أن الهمة لم يعد يرغب في إقحام اسمه، وخصوصا كمؤسس لحزب الأصالة والمعاصرة.. مضيفا أن المستشار الملكي لم تعد تربطه أية علاقة مع هذا الحزب (المقصود البام) أو أية شخصية داخله، ويتعامل معه كباقي الأحزاب الأخرى بشكل متساو..” (عن موقع إنصاف بريس).

وكانت فكرة “حركة لكل الديمقراطيين” لمؤسسها فؤاد عالي الهمة قد انطلقت، ببلاغ صحفي، يرجع تاريخه إلى 17 يناير 2008، ووقعت عليه أسماء من قبيل: عزيز أخنوش، وصلاح الوديع الآسفي، ومصطفى بكوري، وأحمد اخشيشن، وحبيب بلكوش، وحسن بنعدي، ورشيد الطالبي العلمي، ومحمد الشيخ بيد الله، وخديجة الرويسي، وحكيم بنشماش.. وغيرهم.

أصحاب البلاغ ومنهم من زاغ عن سكته، حسب ما تؤكده الأنشطة(..) قالوا وقتها: “حركة لكل الديمقراطيين تؤمن بالثوابت الوطنية المغربية مرجعا، وتنتصر للقيم الديمقراطية منهجا، وتعتز بمقومات الهوية الوطنية في أصالتها وتنوعها وتعدد روافدها واعتدالها عقيدة، وتسعى للحداثة أفقا، وتعتمد خطاب الواقعية مسلكا وسياسة القرب من المواطنين أسلوبا”.

وبغض النظر عن “حكاية الوافد الجديد” لمؤلفها إدريس لشكر، فإن “حركة لكل الديمقراطيين” كانت لها أهداف عديدة سبق أن أوجزها الناطق الرسمي باسم الحركة البشير الزناكي في ما يلي: “تحصين الاختيارات الديمقراطية وتدعيمها بالإصلاحات المؤسساتية والدستورية الضرورية، وبما يلزم من المقومات لأحقاق العدالة الاجتماعية وبناء دولة الحق والقانون، وكسب رهانات التنمية المستدامة بالحكامة الجيدة وبالانخراط المسؤول والواعي للمواطنين في تحديد برامجها وتنفيذها وتقييم نجاعتها ومراقبة مردوديتها، وإعادة صياغة المنظومة التربوية والتعليمية بما يؤهل البلاد للانخراط في مجتمع المعرفة، وتحصين المشروع الوطني الحداثي عبر تدعيم فضاءات الحرية وتحرير طاقات الأفراد والجماعات  والتشبث بمقومات الشخصية الوطنية الأصيلة بتعدد وتنوع روافدها وبانفتاحها على القيم الإنسانية الكونية..”.

ورغم أن موقع الحزب مازال يؤكد على أن الحركة تعتبر منبعا لتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة باعتبارها صاحبة “وثيقة المغرب غدا بكل ثقة”، وهي الوثيقة التي اندمجت على أساسها 5 أحزاب، فإن التساؤل بات مطروحا اليوم أكثر من أي وقت مضى عن مصير المنتوج النظري للحركة داخل البام: ((فقد ارتبط ميلاد حزب الأصالة والمعاصرة بمبادرة الإعلان في شهر أكتوبر 2007 عن تشكيل فريق برلماني تحت اسم “الأصالة والمعاصرة”، والإعلان في يونيو 2008 من قبل “حركة لكل الديمقراطيين” عن عرض سياسي يقضي باندماج فعاليات منها مع عدد من الأحزاب في حزب سياسي جديد ذي توجه ديمقراطي حداثي، يدعو إلى تشجيع التقاطبات السياسية ورفض الاستعمال السياسوي للدين.. وقد تمت الاستجابة لهذا العرض في يوليوز 2008 من قبل خمسة أحزاب قررت الاندماج في حزب جديد. وتم في غشت 2008 الإعلان عن تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة الذي خاض أول معركة انتخابية بمناسبة الاستحقاقات الجزئية لشتنبر 2008.. وعقد الحزب مؤتمره الوطني الأول في فبراير 2009، تحت شعار “المغرب غدا، بكل ثقة”. وقد شكلت محطة المؤتمر مناسبة لتحديد الهوية الفكرية والسياسية للحزب وتقييم الحزب للوضعية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمغرب وللمحيط الدولي والإقليمي والمصادقة على نظامه الأساسي والداخلي وعلى برنامجه السياسي)) (عن موقع حزب الأصالة والمعاصرة).

ولا شك في أن المتتبعين قد تدهشهم هذه النهاية غير المتوقعة لمجموعة من الحالمين بممارسة السياسة بشكل مغاير، وربما لا أحد توقع هذه القطيعة بين الشق النظري (حركة لكل الديمقراطيين) والشق التنفيذي الذي بات موجودا على أرض الواقع (المكتب التنفيذي لمصطفى الباكوري)، وهنا يكفي أن نتأمل المشهد الحزين لنهاية رجل من “حركة لكل الديمقراطيين” وهو صلاح الوديع، الذي لا يقل ابتعاده عن الحزب عن ابتعاده صديقه وحيد خوجة الكاتب العام لمجلس المستشارين: “أنا من جيل بكى محمد الخامس بحرقة وعارض الحسن الثاني بلا هوادة ووثق في محمد السادس من أجل مغرب آخر” هكذا تحدث صلاح الوديع قبل أن يغادر حزب الأصالة والمعاصرة مضطرا(..) لتغيير وجهة نضاله: “لن أعرف التقاعد، كما يحلو لي أن أقول لأبنائي، إلا تحت الثرى، فخدمة الوطن لا يُستقال منها ولا يُتقاعد.. وقد آن الأوان لكي يتحمل جيل محمد السادس المسؤولية الحزبية في بلادنا بقوة ويمضي بالأمانة شوطا آخر، ولي ثقة كبيرة في أنكم ستستحضرون الآمال المعلقة عليكم في أن تشتغل المؤسسات على نفس الأساس: المحاسبة في مقابل المسؤولية، والعمل الجماعي، والجرأة على التفكير والاختيار، ونقد الذات في الوقت المناسب. الإنصات للبسطاء، المناضل مَرْكَزُ نَفْسِه، لا كوكب في مدارات الآخرين.. لقد علمتني الحياة أن أعتى الأسلحة في وجه الزمن هو اتقاد الضمير”.. هكذا تحدث ضمير صلاح الوديع قبل أن يؤسس حركة “ضمير”(..) في غياب المعطيات الكاملة عن كواليس تأسيس أكبر حركة سياسية في مغرب محمد السادس.

error: Content is protected !!