في الأكشاك هذا الأسبوع
مصطفى النحاس، معارض الملك الذي أصبح رئيسا للحكومة فقال للملك: أنت صاحب التاجين

الحقيقة الضائعة | النخبة المغربية انتهت

 

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

من بين الحكايات التي ارتبطت بواحد من أعظم الملوك الفرنسيين، لويس الرابع عشر، وكان عظيما، عظيما حتى أصبح يسمى الملك الشمس، لدرجة أن ملكنا الحسن الثاني، تمنى في خطبه، أنه لو كان لويس الرابع عشر ملكا على المغرب، ليكون السلطان مولاي إسماعيل – الذي عايشه – ملكا على فرنسا (1643-1715).

الحكاية التي ارتبطت بحياة هذا الملك الذي حكم فرنسا وسنه أربعة عشر عاما، هي قصة امرأة من البادية الفرنسية التي كانت متخلفة، في ذلك الزمن، اخترقت صفوف العسكر الحارسين، وخاطرت بحياتها، وهي تصر على رؤية الملك، وكانت تصيح لدرجة أن الملك سمعها، وسمح لهم بإدخالها، محققا بذلك أغلى أمنياتها، فوضع يده على رأسها بعطف، وقال لها: اطلبي ماذا تريدين، فاستجمعت قواها، وقالت له: مولاي أريد منك أن تتوسط لي، لألتقي بصديقك، مسيو لوفوا.. فضحك أعظم الملوك، وبالغ في الضحك، وهو يقول للحاضرين: ها هو مسيو لوفوا، وقد أصبح أهم مني شأنا.

والواقع أنه ذات زمان في ملك لويس الرابع عشر، كان المحيطون بالملك، أصبحوا أقوى منه، وأفيد، بالنسبة لمن يريد أن يطلب شيئا.

ورغم ضخامة أمجاد هذا الملك الذي حكم فرنسا، ما بين سنوات 1643 إلى 1715، كان يسمع عنه ويتتبع خطاه، الملك المغربي مولاي إسماعيل، الذي اهتم كثيرا بحكم لويس الرابع عشر، وأخذ يتعلم من تجربته، إلى أن أصبح السلطان المغربي، يشعر أنه يعرف أكثر من الملك الفرنسي وأنه سيقدم له النصح.

فكتب الملك المغربي مولاي إسماعيل للملك الفرنسي، رسالة بدافع من عطفه عليه وخوفه عليه، قال له فيها: ((إلى عظيم الروم بفرانصيص(…) لويس الرابع عشر، اعلم أنه ظهر لنا، هو أنك ليس عندك قول صحيح ولا كلام رجيح، ولا أظنك إلا أنه غلب عليك أهل ديوانك، وصاروا يلعبون بك، كيف شاؤوا، ولا بقي لك معهم ضرب ولا لقب)) (أتحاف الأعلام. عبد الرحمن بن زيدان).

وتثبت قصة المرأة التي طلبت من الملك لويس 14، أن يتوسط لها، لمقابلة أحد أعوانه، أن مراسله السلطان مولاي إسماعيل كان يقول له الحق.

فمن يقول الحق اليوم لملك المغرب، محمد السادس.

من يقول له إننا أصبحنا نعيش في المغرب فراغا سياسيا لم يسبق له نظير، وأن الراغبين في الاستفراد به، وبالنفوذ، عملوا على قتل الأحزاب، صلة الوصل الأساسية مع الجماهير الشعبية، وإفراغ النخبة السياسية في المغرب من كل مدلول، ليبقى لنا السؤال: لقد قتلوا الأحزاب، فماذا سيقتلون بعدها؟؟

قتلوا الأخلاق، وقتلوا القيم، وقتلوا المقدسات الدينية، وقتلوا مبادئ الاحترام، وقتلوا روح النقاش، فأصبحنا نسمع من يطالبون بحرية الزواج بين الرجال، ومن يريد الأكل جهارا في نهار رمضان، ومن يستشهد في عقوده بإله الرومان، بدل الله العلي العظيم، الذي حتى الأمريكيون يكتبون اسمه على كل ورقة دولار.

وسكت العلماء الناصحون، واتهم الصرحاء منهم بإفساد المجتمع، وأدخل الكثير منهم للسجن، بينما أقطاب الأحزاب، الراسخة منها في القدم، أو المنشأة مؤخرا لأكل نصيبها من الكعكة، أصبحوا يشكلون ما أسميناه قديما الأغلبية الصامتة، فلم تبق الأغلبية الصامتة مكونة من الساكتين الغاضبين، بل أصبحت الأحزاب وقادتها جزءا من هذه الأغلبية.

وصدق الكاتب المغربي، عبد الله الدامون وكأنه مؤذن الفجر الذي لا يسمعه إلا الصاحون: ((في الماضي كانت النقابات والأحزاب، تمارس حربا حقيقية من أجل الشعب والعمال، وكان كثيرون من قيادات الأحزاب، وليس بائعي الماتشات(…) يبيتون كل يوم، في مكان مختلف، تجنبا للاعتقال، ودارت الدوائر، فصارت الأحزاب والنقابات، جزءا لا يتجزأ من اللعبة، وأصبح اليمين كاليسار، واليسار كالوسط، والوجه كالرِّجل(…) والجورب كالطربوش)) (المساء 26/10/2014).

شهادة استثنائية، مقارنة بالخيبة الذي أصبح القارئ المغربي، وهو في طريق الانقراض(…)، يهرب من شراء الصحف، المنهمكة أغلبها في الثرثرة العصرية، بأن كل شيء على ما يرام، وكل من لم يتفق فهو مخرب، ولماذا لا تسميه بالمحتال.

لتبقى الصورة المهيمنة، على الحاضر السياسي، الحزبي البرلماني(…) الديمقراطي(…) التحرري(…)، التقدمي(…)، ملخصة في صراع يومي أمام الأعين والكاميرات، بالتعبير الذي كتبه مؤذن الفجر الآخر، يونس دافقير، وقد برع في إيجاز واقع الحركة السياسية في المغرب، بالعبارات التالية: ((شباط يرمي بن كيران بشهادات تمويل “داعش” والعمالة للموساد، وإدريس لشكر يرى في بن كيران خطرا على الدولة، بن كيران يصف معارضيه بالبانضي(…) والمافيوزي(…) والمخلوض(…) والتلاسنات والمقارعات السجالية العنيفة، وغير الجدية التي اتسم بها أداء الأحزاب السياسية في البرلمان، اتهامات تقع تحت طائلة القانون الجنائي(…) بين البرلمانيين وبينهم وبين الوزراء، مشاهد كاريكاتورية تضفي صبغة بهلوانية على المشهد التشريعي)) (الأحداث المغربية 21/3/2015).

أكيد أن الكاتب الصحفي، لم يكن قد اطلع على التسجيل المصور بالصوت، لحوالي ألف من شباب مدينة فاس نازلين في شارع محمد الخامس، وهم يصفون أحد الأقطاب الحزبيين في فاس، والمغرب كله، بأنه ((فلان.. يا لعين، يا بياع الكوكايين)) فإلى متى.. وماذا ننتظر أن يقول عنا المراقبون الدوليون.

أخطر اتهام لهذا الوضع السياسي المزور، الكاذب، المستهزئ، جاء بقلم صحفي آخر، لم يضع قفازات، مثلي(…) وهو يكتب، عن المجموعة السياسية المتحركة هذه الأيام، وفي المغرب لا تستغرب، ((المعارضون الجدد للملك والوطن يعملون لحساب أكثر من جهة(…) ويتآمرون يوميا على الوطن، ويعيشون بفكر الانقلابات، والمؤامرات، صراحة، لقد اختلطت الأوراق والمفاهيم على المغاربة، ولم نعد نعي، ما الذي يقع، أم أنها أدوار سياسية جديدة لا نستطيع استيعابها بعد أن أصبح المال يدجن النخب السياسية ويخلق حفنة من الانتهازيين)) (حاتم حجي. السياسي الحر، 15/3/2015).

ورحم الله القطب الدكتور عبد الكريم الخطيب، الذي فتح لي تذكره باب المقارنة والتوقع(…) حين كتب: ((أريد أن أنبه المسؤولين عن هذا البلد، ليحذروا من الثقة العمياء التي يمكن أن يضعوها في أي شخص من الأشخاص، وأنبه وأخشى أن يكون ما جرى، في بلد آخر(…)، يقع في المغرب)) (الأيام 20/3/2003).

وما جرى في تعبير الدكتور الخطيب، كثير غزير، ليس في بلد آخر، ولكن في بلدان أخرى.

فالسياسيون المنافقون، أخطر حتى من الطاعون. ففي سنة 1951، كان في مصر سياسي عنيد خطير، كان اسمه مصطفى النحاس، عندما عينه الملك فاروق، رئيسا للحكومة، أصبح من أكبر المنافقين للملك، وسمى الملك فاروق ((صاحب التاجين، تاج الملك، وتاج القلوب، وأضاف: إن أبناء الشعب يشعرون بأن ملكهم أصبح جزءا من حياتهم، له في كل قلب من قلوبهم، مكان الحب والإجلال، وعاطر الذكر، بين أيديه تلقنت الجماهير دستورها)) ليرد عليه صحفي كان هو أيضا كمؤذن الفجر الذي لا يسمعه إلا الصاحون: ((إن شعب مصر يائس منهوب يمثل الوقود المناسب لحريق مروع، فقد كان حزب الوفد – حزب النحاس – كالباروميتر للحركات الوطنية التي فقدت دورها الطبيعي.. ونحن في أزمة حكم، لا تستطيع معها، وزارة أن تحكم من فوق، بينما المجتمع يتحرك من تحت)) (محسن محمد. كتاب سقوط النظام).

هذا الكاتب الذي كتب مرات عديدة ((إن الملك فاروق كان سيء الحظ، فقد ظل كبار زعماء الأحزاب، ينافقون صاحب الجلالة ولا يرفعون صوتا في وجهه)).

موجع جدا إذن، أن يكون فاروق هذا، وقد حياه منظمو الثورة، باحترام وهم يركبونه سفينة المنفى، ضحية نفاق السياسيين، وتخاذلهم، وذلهم، وهو الذي كان يسمع قبل الكارثة بشهور قليلة، قطبا حزبيا كبيرا اسمه علي ماهر، يخطب أمام الميكروفونات يوم عيد مولد الملك فاروق، 11 فبراير 1952، وهو يهتف: ((مولد الفاروق، طالع يمن وتوفيق، وأبناء وادي النيل، يحتفلون في ثنايا قلوبهم وأفئدتهم، بعيد الميلاد يوم أعلن البشير مولد الفاروق، ففاضت قلوب المواطنين بشرا وسرورا)) (نفس المصدر).

ليكون علي ماهر هذا، مدير ديوان الملك فاروق ورئيس وزرائه، هو الحليف الأول للثوار، خمسة شهور من بعد.

لقد خانت النخبة السياسية المغربية، رسالة أسلافها في الأحزاب الوطنية، التي طردت الاستعمار، بأفكارها، حين قرأ علال الفاسي في جمع من رجاله، “دلائل الخيرات” ورددوا اللطيف في تجمع سنة 1941، فسمع المارشال الفرنسي جوان، وتساءل: ما يعني اللطيف، فأجابه ضابط مطلع، إنه الصواريخ الوحيدة التي يتوفر عليها المغاربة، وثلاث سنوات من بعد، دخل الجيش الألماني باريس، واحتل أطراف فرنسا، فأرسل له علال الفاسي برقية، قال فيها: هذه صواريخ اللطيف تقصف عاصمتكم باريس، فقد كانت الحركة السياسية في المغرب منطلقة من الإيمان والعقل، وها نحن نعيش مسخ العقائد والتنكر عند الأحزاب، وربما كانت تلك هي مبررات قتل الأحزاب، ونحن ننتظر ماذا بقي لهم ليقتلوه بعد موتها.

ورحم الله محرر المغرب، محمد الخامس، الذي أوصى المغاربة بعد حصولهم على الاستقلال، وقال: خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وها هي المكونات السياسية المغربية، وقد أصبحت تفضل الجهاد في سبيل النفوذ والمال.

error: Content is protected !!