في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | أول تحرك حربي مغربي ضد مخطط “إسقاط الملكيات”

  أعد الملف: سعيد الريحاني

قال العرب قديما: “مطرب الحي لا يطرب” لذلك اتهم جل المتتبعين رئيس الحكومة المغربية بالتنازل عن مبادئه، والجلوس في حضن المشير عبد الفتاح السيسي رئيس مصر على هامش القمة العربية الأخيرة في شرم الشيخ، بعد أن كان يصفه كل من حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح بـ”الانقلابي”، لكن لا أحد عاب على الرئيس المصري استقبال “ممثل الإخوان المسلمين في المغرب” رغم أنه خصص جزءا من كلمته في لقاء “شرم الشيخ” لمهاجمة الإخوان المسلمين.

كما أن قليلا من الناس هم الذين انتبهوا إلى كون الرئيس المصري “اضطر” للجلوس ووضع يده في يد بن كيران، وهذا انتصار للمغرب وإشارة من السيسي يعلن من خلالها عن استعداده لفتح صفحة جديدة مع المغرب، ذلك أنه لم يكن هناك ما يلزمه باستقبال رئيس الحكومة المغربية وأخذ الصور التذكارية معه، طالما أن رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب هو الذي تكلف باستقبال بن كيران في مطار شرم الشيخ الدولي.

وشكلت القمة العربية التي اختتمت أشغالها، مؤخرا، الوجه الثاني للتحركات العربية المشتركة في الفترة الأخيرة بعد مشاركة المغرب في “الهجوم على اليمن”، في إطار العملية العسكرية لمحاربة الحوثيين التي تزعمتها السعودية تحت عنوان: “عاصفة الحزم”، ولم تخل قمة شرم الشيخ بدورها من اتخاذ قرارات ذات طابع عسكري، حيث تم الاتفاق في القمة “رقم 26” على تشكيل: “قوة عربية عسكرية مشتركة لمواجهة التحديات وصيانة الأمن القومي العربي” بل إن السيسي الذي تؤكد جل المؤشرات أنه سيأتي للمغرب في زيارة رسمية لدفع “تهمة التقارب مع النظام الجزائري” صرح في ختام القمة بأنه “سيتم تشكيل فريق رفيع المستوى تحت إشراف رؤساء أركان القوات المسلحة للدول الأعضاء لدراسة كافة الجوانب المتعلقة بإنشاء القوة العربية المشتركة وآلية تشكيلها”.

يمكن القول إن القمة العربية التي احتضنتها مدينة شرم الشيخ لا تشكل في حقيقة الأمر سوى الشوط الثاني من التحرك العسكري العربي، وتشكل من جهة أخرى صواب الرأي المغربي الذي يحاول إيجاد موطئ قدم ضمن تحالف دولي كبير، لمواجهة مخطط عزل المغرب في إفريقيا، وهو المخطط الذي تظهر ملامحه مع تنامي التوجه العدائي الإفريقي ضد القضية الوطنية (الأسبوع، عدد 9 أكتوبر 2014)، والذي لا تحد من قيمته سوى المخططات الاقتصادية المغربية التي أسفرت، مؤخرا، عن تأسيس منظمة اقتصادية خاصة بإفريقيا يرجح أن يتم إسناد رئاستها للرئيس المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط، مصطفى التراب، بحكم خبرته الكبيرة إفريقيا(..).

ماذا يعني تأسيس قوة عربية عسكرية مشتركة؟ وماذا يعني أن يشارك كل من المغرب والأردن والسودان والكويت والبحرين وقطر.. إلى جانب السعودية في عملية “عاصفة الحزم”؟ من الناحية العملية هذا يعني أن الدول المشاركة في هذا التحالف الذي زكاه لقاء شرم الشيخ سيشن “ما يكفي” من الغارات لردع أي تمرد داخل البلدان المذكورة، رغم أن هذا التحرك يعاب عليه كونه “تحرك غريب من نوعه”، ذلك أن هذه الدول التي تتحرك تحت يافطة العروبة استقر بها الرأي على مهاجمة دولة عربية.. “نعم الأخوة”.

قد لا تكون هناك علاقة بين مصالح المغرب والتدخل السعودي في اليمن، ولكن مساعدة السعودية في الحد من إمكانية اجتياحها من طرف “الحوثيين الشيعة” يعني إمكانية التنسيق معها غدا لمواجهة قلاقل البوليساريو في الصحراء(..) وقد تكون ورقة الخليج الورقة الرابحة في قضية الصحراء بعد محاولة محاصرة المغرب إفريقيا، من طرف دول تقتات من دعم أطروحات الدولة الجزائرية، وبعد التحركات غير المطمئنة على المستوى الدولي.

وكانت الدولة المصرية قد حاولت في البداية الابتعاد عن “عاصفة الحزم” وعدم المشاركة فيها، غير أن المصريين سرعان ما التحقوا بالركب، لتؤكد وسائل الإعلام أن البارجات الحربية المصرية شنت بدورها ضربات على الحوثيين، فالمصالح الاستراتيجية تفرض عدم بقاء نظام السيسي خارج التنسيق الدولي العربي الجديد، رغم أن المصريين كانوا يفضلون في البداية التقارب مع دولة الجزائر، إلا أن هذه الأخيرة فضلت عزل نفسها، وهي تحاول مغازلة “النظام الإيراني”.

لماذا فضلت دولة عربية مثل الجزائر عدم المشاركة في عملية “عاصفة الحزم”؟ الجواب على لسان “سامح أبو هشيمة” وهو أستاذ للسياسة العسكرية والأمن القومي بجامعة نصر في مصر يؤكد على ما يلي: “إن الدول التي رفضت المشاركة في عملية الحزم التي قادتها المملكة العربية السعودية بمشاركة العديد من الدول العربية كل منها لها أسبابها، فمثلا الجزائر لها علاقات اقتصادية مشتركة مع إيران، وهذا يجعلها نبتعد عن هذه العملية نظرا لدعم الدولة الإيرانية لجماعة الحوثيين” (المصدر: بوابة فيتو المصرية).

هكذا يؤكد باحث مصري ما يؤكده نظراؤه في دول أخرى، فوجود علاقات بين الجزائر وإيران أصبح من المسلمات شأنهما شأن دول أخرى رفضت محاربة الحوثيين مثل: سلطنة عمان، والعراق، وسوريا.. وغيرهما.

إلى هنا، يظهر أن المغرب منسجم مع نفسه رغم أن مشاركته الأخيرة في الحرب على “الحوثيين” تكذب مزاعم التقارب المغربي الإيراني، فالمغرب واحد من الدول التي تحارب المد الشيعي، ومن تم لا غرابة في مشاركة الجيش المغربي في الحرب على الشيعة، فالحوثيون كما تقدمهم وكالات الأخبار هم: “إنهم جماعة دينية شيعية تقوم علی ولاية الإمام وتتبع الطريقة الإثنى عشرية علی غرار النموذج الإيراني، وقد تولى بدر الدين الحوثي قيادة الحركة بعد مقتل زعيمها نجله حسين الحوثي في سنة 2004، وهناك من يرى أن الحوثيين يسيرون علی خطی حزب الله اللبناني لو أن الجماعة لم تعلن تحولها حتی الآن إلى حزب سياسي معترف به لدی السلطات، لكنها تستعير اسما حديثا دخلت به مؤتمر الحوار الوطني عرف بمكون أنصار الله” (المصدر: الشرق الأوسط، عدد 2 شتنبر 2014).

هذا في ما يتعلق بالحوثيين، لكن ألا يفترض بنا كمغاربة أن نعرف بعض المعلومات عن دولة اليمن التي لا تشترك مع المغرب في أية خاصية من خصائصه، فـ:”لليمن مسار طويل في إطار بحثه عن الدولة وتقعيد مرتكزاتها، في واقع تبرز فيه مؤسسات تقليدية تنتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة، ولا تسمح للبناء الحداثي بالتشكل السياسي الناظم للمجتمع، بل تزاحمه في وظيفته ورمزيته، وهنا تضطلع النخب السياسية والاجتماعية بدور مهم في إعادة إنتاج البنى القبلية في إطار صراعها السياسي من أجل الوصول إلى سلطة الدولة، الأمر الذي يبنى عليه مسار تغيب معه تدريجيا مقومات الدولة وآلياتها، في إطار تدخل وتجاور، بين بنية الدولة وبنية القبيلة في إطار تزايد حالات الصراع وعدم الاستقرار، يبحث اليمنيون عن آلية مؤسسة تتعالى على تكويناتهم القبلية ليعبروا من خلالها إلى مرحلة الاستقرار، وكانت الدولة في إطار ترتيب توافقي تارة، وفي إطار غلبة القبيلة وأحادية المذهب والمرجعية تارة أخرى، وأخيرا مع انقلابات العسكر وهيمنة الحزب الواحد.. وكلها تعكس مسارات في قيام الدولة منذ المجتمع اليمني القديم، مرورا بالعصور الوسيطة، وحتى اللحظة الراهنة..” (المصدر: نشوء الدولة الحديثة في اليمن ومسار تشكلها، فؤاد عبد الجليل الصلاحي).

فالدولة اليمنية بخلاف دول أخرى دولة مفككة، ومن تم فإن الفائدة الأولى المتوخاة من التدخل العسكري في هذا البلد هي توحيده، و”قد ظل هاجس الوحدة يراود مخيلة الأجيال اليمنية المتعاقبة منذ عقود طويلة، إن لم نقل منذ قرون، حيث شعر كثير من اليمنيين أن تمزق اليمن وانقسامه هو واحد من أهم أسباب التخلف وارتهان اليمن واليمنيين لماض لا يتسم إلا بالتفكك، والفقر، والتعارك الداخلي، وضعف عوامل التنمية، والتأثر على الدوام بمراكز القوى الدولية والإقليمية..” (المصدر: التحديات التي تواجه الوحدة اليمنية، عيدروس النقيب).

هذا في ما يتعلق باليمن، لكن لماذا سيغامر المغرب بنفسه ضمن حرب عسكرية غير مضمونة النتائج؟ لا شك في أن الجواب يجد سنده في مواجهة “مخطط إسقاط الملكيات” الذي انطلق الإعداد له منذ مدة طويلة، والذي سيبدأ في حالة الشروع في تنفيذه لا محالة من الخليج رغم أن هذه الأنظمة أكدت حتى الآن قدرتها على الصمود، رغم المؤاخذات المرتبطة بـ”الطبيعة الريعية للاقتصادات الخليجية بسبب النفط والذي وفر عقد اجتماع غير مكتوب تضمن فيه الدولة الثراء للمواطن مقابل تخليه عن حقوقه السياسية، وتوصل الأسر المالكة الخليجية إلى صيغة فريدة للحكم دمجت فيها بين مفاهيم القبيلة والدين ومؤسسات الدولة الحديثة ونجحت بالتالي في تجاوز عقبة “التحديث” التي تحدث عنها “صامويل هنتنغتون” في فترة الستينيات في كتابه الشهير “النظام السياسي في مجتمعات متغيرة”، والذي تنبأ فيه بأن الملكيات المطلقة ستواجه خيارين؛ إما الاستسلام للتحديث وبالتالي الاضطرار للقبول بالمشاركة السياسية للطبقة الوسطى، وإما رفض التحديث وبالتالي توقع حدوث ثورة شعبية عارمة (المصدر: وكالات).

مخطط إسقاط الملكيات أو على الأقل “توقع سقوطها” تؤكده سلسلة كتابات متفرقة هنا وهناك، كأن نقرأ مثلا ما كتبه “كريستوفر ديفيدسون” واحد من بين أبرز قراء السياسة بالشرق الأوسط بكلية الشؤون الدولية والحكومية في جامعة “دورهام”، حيث أكد أن الملكيات الستة “المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والبحرين، وقطر، وعمان” تواجه ضغوطا كبيرة، والعديد من المواطنين يبذلون تحديات جبارة لا يمكن تصورها للنخب الملكية (ترجمة: عبد الرحيم العسري).

إذن المغرب، منخرط في محاربة مخطط إسقاط الملكيات، ومستعد للتعبير عن حسن نيته في دعم الدول التي لا تتلكأ في دعم اقتصاده، وفي توسيع دائرة الأوراق التي يلعبها، والتي يفرضها وضعه كبلد مستهدف شأنه شأن دول الخليج، لكن ذلك لا يمنع من توخي الحذر لأن الخصوصية المغربية سترخي ظلالها بالتأكيد على الموضوع رغم أن كل الأحزاب المغربية الكبرى لم تجد الجرأة لمناقشة كواليس اتخاذ قرار المشاركة في “عاصفة الحزم” إلى جانب السعودية، ولكن السكوت علامة الرضى حتى إشعار آخر.

———————-

هل شاركت مصر في «عاصفة الحزم» مضطرة؟!

أثار الإعلان المصري عن الاستعداد للمشاركة، ثم المشاركة الفعلية في عملية عاصفة الحزم جدلا واسعا، خاصة أنه يأتي بعد أقل من يوم من نفي الخارجية المصرية لعلمها بأي تنسيق عربي للتدخل في اليمن، فضلا عن أن تكون قد وافقت على ذلك.

وقال الإعلامي المصري بقناة “الجزيرة”، أحمد منصور، إن دول الخليج لم تبلغ “السيسي” بـ”عاصفة الحزم” لعلمها بما وصفه “خيانته وتآمره مع إيران وبشار والحوثيين ضد الخليجين”.

وقال “منصور” في منشور له على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “دول الخليج لم تبلغ السيسي بعاصفة الحزم، ولم تطلب منه المشاركة فيها بعدما أدركت خيانته ولقاءات نظامه السرية مع الحوثيين والإيرانيين والسوريين للتآمر معهم ضد الخليجيين”.

وتابع: “وحينما استيقظ وجد دول الخليج أخذت زمام الأمر بيدها والقيام بحرب خاطفة مفاجأة لتأمين وجودها وحدودها وتحجيم النفوذ الإيراني، سارع “السيسي” إلى إعلان تأييده للعملية واستعداده للمشاركة فيها، لكن دول الخليج كانت قد أرسلت رسالتها إليه ولقنته الدرس، انتهى الدرس يا سيسي”.

في السياق ذاته، قال الكاتب والباحث السياسي “إبراهيم الحمامي”: “إن عدم إشراك عسكر السيسي في عاصفة الحزم – حتى الآن على الأقل – رسالة واضحة المضمون للسياسة السعودية الجديدة، السيسي مستاء حتى لو أعلن غير ذلك”.

وأضاف “الحمامي” عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” تعليقا على بيان الخارجية المصرية بشأن المشاركة في عاصفة الحزم قال: “بيان خارجية السيسي يستجدي ويتملق للمشاركة في عملية عاصفة الحزم بعد أن تم استبعاد عسكره، أبو مسافة السكة يعرض خدماته لشرعنة انقلابه!”.

وكان بيان وزارة الخارجية المصرية قد أكد التنسيق مع السعودية ودول الخليج بشأن ترتيبات المشاركة بقوة جوية وبحرية مصرية، وقوة برية إذا لزم الأمر في اليمن.

وللمفارقة، فقد نفت الخارجية المصرية، الأربعاء الماضي، علمها بأي ترتيبات لتدخل عربي مشترك ضد الحوثين في اليمن.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية بدر عبد العاطي إن: “التقارير الإعلامية التي تحدثت عن قبول مصر ودول الخليج التدخل العسكري في اليمن غير دقيقة، لا علم لنا بما نسب لوزير خارجية اليمن حول موافقة مصرية خليجية لتدخل عسكري في اليمن”.

وتداول نشطاء صورا لعناوين الصحف المصرية الصادرة صباح الخميس، والتي ادعت أن دول الخليج تستنجد بمصر من أجل إنقاذها من الحوثيين.

وعلق أحد المغردين المصريين ساخرا: “قالك السيسي يستنجد بمصر.. حد يقولهم السيسي عرف خبر الضربة (القصف الجوي) من الراديو”.

 

–  أسـماء العتـيـبـي عن الخليج الجديد

error: Content is protected !!