في الأكشاك هذا الأسبوع
فكرة حقوق الانسان كورقة للضغط على المغرب وخطة توسيع صلاحيات المينورسو في الأقاليم الجنوبية، بريشة الكاريكاتريست خالد كدار.

روبورتاج | عصابات “حقوق الإنسان” التي تسعى إلى التحكم في العالم

الرباط ـ سعيد الريحاني

   قضى الباحث الأمريكي “تشارلز بيتز” وهو خريج جامعة “برنستون” الأمريكية والأستاذ في عدة جامعات أزيد من 30 سنة وهو يحاول تأليف كتاب حول حقوق الإنسان، لكنه فشل طيلة سنوات في الخروج بفكرته إلى حيز الوجود قبل أن يترجمها في كتاب صدرت له، مؤخرا، ترجمة بالعربية تحت عنوان: “فكرة حقوق الإنسان”، من إعداد شوقي جلال، لصالح سلسلة “عالم المعرفة” التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، والمدهش في الأمر أن هذا الكتاب اختفى على نحو غريب من الأسواق، ففي الرباط مثلا شكل الكتاب مادة خصبة للمضاربة طيلة الأيام الأخيرة.

يقول “تشارلز بيتز”: “شرعت في تسطير كتاب عن حقوق الإنسان منذ 30 عاما مضت، متوهما أنني أنجز ذلك خلال إجازة أكاديمية لي، غير أني وبعد أن عكفت على القراءة والتفكير على مدى زهاء عام كامل، خلصت إلى أن موضوع حقوق الإنسان، لم يكن الموضوع المناسب للفلسفة السياسية، وذلك لسبب واحد هو أن القضايا المتنازع حولها بدت في الأغلب الأعم مفتعلة لمصلحة الحرب الباردة.. وبدت حقوق الإنسان أشبه بالتعبير عن فهم للعدالة الاجتماعية، غير أنه في هذه الحالة سيكون الموضوع ذو الاهتمام الحقيقي هو فكرة العدالة الاجتماعية، ومعها على الأرجح الكوكبية، وليست فكرة حقوق الإنسان، إذ شعرت بالعجز عن الإمساك بناصية الموضوع، فقد تحولت إلى أمور أخرى”.

بعد 30 سنة من العمل، وصل “تشارلز” إلى خلاصة مفادها أن مبدأ حقوق الإنسان هو التعبير المحكم في الأخلاقيات العامة للسياسة العالمية عن الفكرة القائلة: “إن كل شخص هو موضوع اهتمام كوكبي”، أي إن الموقع الجغرافي للشخص ليس مهما شأنه شأن الفصيل السياسي أو الفريق الاجتماعي الذي ينتمي إليه: “إذ كل امرئ له حقوق إنسانية، وعليه مسؤوليات حماية واحترام هذه الحقوق، الأمر الذي من شأنه أن يتسع ويمتد عبر الحدود السياسية والاجتماعية. ويمثل انتشار وذيوع هذه الفكرة أحد أهم، وأعظم عناصر تراث الحرب العالمية الثانية، ولنا أن نقول اقتداء بعبارة “ريتشارد رورتي”: “لقد أصبحت حقوق الإنسان واقعا عالميا، بحيث بلغ مداها وتأثيرها حدا يثير دهشة من صاغوا إطار المشروع الدولي لحقوق الإنسان”.

يؤكد صاحب الكتاب الذي خلق جدلا حقوقيا كبيرا وجود شك في فكرة حقوق الإنسان، وهي أحد المبادئ التي طالما تم إشهارها من أجل شرعنة التدخل في شؤون بعض الدول، والمغرب ليس بعيدا عن ذلك، إذ يكفي الانتباه إلى ما يحاك في ردهات المنتظم الدولي تحت يافطة توسيع صلاحيات بعثة “المينورسو” في الصحراء لتشمل حقوق الإنسان.

“تبتدئ نزعة الشك إزاء حقوق الإنسان في صور كثيرة، ويعتقد بعض الفلاسفة أنها جزء من فكرة ينبغي أن تتوافر له آلية ما من أجل إنقاذه ووضعه موضع التطبيق، بيد أن ممارسة حقوق الإنسان الدولية تفتقر بشكل فاضح إلى قدرة دائمة على تنفيذ وفرض كثير من حقوق الإنسان في أغلبية المعاهدات الكبرى.. كذلك فإنه حتى في حالة توافر القدرة التنفيذية، فإن تطبيقها يجري انتقائيا، بل في الأغلب يتم بشكل فيه إكراه لتلك الدول المستخدمة ضدها، ويزيد الطين بلة عدم وضوح كيفية تصورنا لمعنى الإكراه في التنفيذ، بالنسبة إلى بعض الشروط التي يتطلبها مبدأ حقوق الإنسان. مثال ذلك: ما معنى “الإنفاذ القسري” لحق في مستوى معيشي ملائم، إذ يمكن بطبيعة الحال تصور الإجراءات السياسية التي تكفل الوفاء بهذا الحق، وليس واضحا أبدا أن التمتع بالحق يمكن فرضه قسرا بشكل مقبول بالطريقة نفسها التي يتحقق بها الاستمتاع بحقوق مألوفة أكثر.. وإذا ظن امرؤ أن الحقوق الأصلية يتعين أن تكون قابلة للتطبيق قسرا وبشكل فعال، فإنه بذلك يجد ما يحثه على الاعتقاد، أسوة بما قاله “رايموند غوس” بأن فكرة حق إنساني هي بطبيعتها مفهوم فارغ من المعنى (كتاب فكرة حقوق الإنسان، الصفحة: 16).

فكرة حقوق الإنسان تبدو في بعض الحالات غير قابلة للتحقيق على المستوى الميداني كما يؤكد ذلك صاحب الكتاب، فقد يكون الرأي السائد هو أن الموارد غير متاحة لتحقيق حق معين، أو أن الموارد التي ينبغي تخصيصها لهذا الغرض مرتفعة على نحو غير معقول، وثمة شكلان آخران يترتب عنهما الشك في موضوع حقوق الإنسان: “ثمة شكلان آخران من نزعة الشك ينبعان من الريبة في أن تكون فكرة حقوق الإنسان كونية الطابع بأية طريقة ذات أهمية، والتأويل المباشر لهذه الفكرة هو أن حقوق الإنسان تنطبق على كل إنسان أو يمكن لأي فرد كان أن يطالب بها لنفسه، وينبثق الشك عند التفكير لماذا يمكن أن تكون الحال كذلك؟ (المصدر نفسه، الصفحة: 17).

    ولعله حري بكل الدول الصاعدة أن تنتبه إلى المحتوى الخطير لفكرة حقوق الإنسان، وهو ما تؤكده معطيات صاحب الكتاب الأمريكي “تشارلز بيتز”، فالفكرة المحورية في حقوق الإنسان الدولية هي أن الدول مسؤولة عن الوفاء بشروط معينة، عند تعاملها مع شعوبها، وأن حالات الفشل الفعلية أو المتوقعة عن تحقيق ذلك يمكن أن تبرر شكلا ما من العمل العلاجي أو الوقائي من جانب المجتمع العالمي أو من جانب من يقومون بهذا الدور، ونجد هذه الفكرة متضمنة في بنود ومواد حقوق الإنسان الواردة في ميثاق الأمم المتحدة الذي يوضح، على نحو ما بينت إحدى محاكم الولايات المتحدة الأمريكية: “إن معاملة أي دولة مع مواطنيها بمقتضى هذا العصر الحديث هي شأن دولي، وأخذت الفكرة مع نهاية الحرب العالمية الثانية صورة ما أسميه الممارسة الطارئة لحقوق الإنسان (كتاب فكرة حقوق الإنسان، تشارلز بيتز، ترجمة شوقي جلال، الصفحة: 25).

يستعين الكاتب بالتاريخ ليتحدث عن نشأة “ممارسة حقوق الإنسان” قبل أن يصل إلى ما سماه، انتشار “عصابات حقوق الإنسان في أوروبا، يقول الكاتب: “يرجع تاريخ الممارسة الحديثة لحقوق الإنسان إلى وقت وضعت فيه الحرب العالمية الثانية أوزارها، وإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، بيد أن فكرتها المحورية لها تاريخ طويل داخل المنظومة الدولية لأوروبا والأطلسي.. وقد نشأت عقب الحرب حركة عبر قومية لحقوق الإنسان، وحفز إليها جزئيا اتفاق العهد الدولي للعصبة عن تضمينه بنودا لحقوق الإنسان، وانتشرت عبر كل أنحاء أوروبا عصابات حقوق الإنسان”.

ولم يفت صاحب الكتاب الحديث عن كساد فكرة حقوق الإنسان في مرحلة من المراحل، غير أن الحياة دبت فيها حسب ما يؤكده الكاتب من جديد مع اشتعال الحرب العالمية الثانية، ويرجع ذلك لعدة أسباب من بينها غلبة الاعتقاد بأن بأنه كان بالإمكان تجنب الحرب لو توافرت آليات دولية فعالة لتحديد وفرض جزاءات بسبب انتهاكات ألمانيا النازية لحقوق الإنسان..

لم يفوت الكاتب المذكور الفرصة دون إثارة الانتباه إلى تناقضات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عبر عدة مراحل من تطوره، “فإذا تحدثنا بشكل عام نقول، توجد فكرتان متمايزتان في التشخيص الوارد في ديباجة الإعلان تبريرا لأهدافهما.. إن الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان ضروري لحماية الكرامة المتكافئة، لجميع الأشخاص، وإن احترام حقوق الإنسان شرط لقيام علاقات ودية بين الدول، ومع نهاية الحرب كان الأمر الثاني يحتل الخلفية الأساسية صراحة، على الرغم من أن سجلات حقوق الإنسان لم تثبت ذلك، ولا في روايات المشاركين، ويبدو أن وجهة نظر المسؤولين عن الصياغة، كانت ترى أن النظم التي ترتكب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، إنما تهدد أيضا على الأرجح الأمن والسلم الدوليين، وحقيقة الأمر أن حالة ألمانيا النازية أفادت ضمنيا بأن كلا النوعين من السلوك يمكن أن يتولد من الخصائص العامة نفسها لأي نظام، وهي في حالة ألمانيا من إيديولوجيا التفوق العرقي التي عمد جهاز الدولة القمعية إلى نشرها وفرضها قسرا، وتمثل هاتان الفكرتان طرازين مختلفين من التفكير، وليس ثمة سبب للاعتقاد مسبقا بأن أيا منهما مستقبل، وفي حدودها هي ذاتها، سوف تتولد عنها قائمة الضمانات نفسها مثل الأخرى، أو النوع نفسه من الممارسة المعيارية، معنى هذا أن التوتر الذي كنا نلاحظه أحيانا في ممارسة حقوق الإنسان بين الهدف من حماية المصالح الفردية الأساسية، والهدف من حماية الاستقرار والسلم الدوليين، إنما كان له أساس في الإعلان نفسه (على الرغم من أن احتمال النزاع لم يكن كما يبدو أمرا يشغل بال المعنيين بالصياغة) (المصدر نفسه، الصفحة: 31)، تفاصيل أخرى وتناقضات أخرى في مجال حقوق الإنسان ضمن الكتاب الذي يمهد لمراجعة فكرة حقوق الإنسان التي يتم استعمالها كورقة من لدن المتحكمين في المجتمع الدولي للتدخل في سيادة بعض الدول.

error: Content is protected !!