في الأكشاك هذا الأسبوع
شيعيون في طنجة يستعرضون "قوتهم العددية" في واضحة النهار أثناء تشييع جنازة الإمام الشيعي الذي توفي خلال إضرام النار في مسجد "الرضا" بالعاصمة البلجيكية بروكسيل سنة 2012

ملف | بوادر صراع حول النفوذ بين الزاوية البودشيشية وإخوان بن كيران

أعد الملف: سعيد الريحاني

    إلى حدود اليوم، مازال البعض يتساءل عن السبب الذي جعل الديوان الملكي يرفض إجراء اتصال هاتفي مع رئيس نيجيريا، بناء على طلب السلطات النجيرية.. البعض ربط الأمر بموقف نيجيريا من القضية الوطنية، والحقيقة هي أن جل المتتبعين أهملوا جزئية في غاية الأهمية هي كون أكثر من نصف مواطني نيجيريا مسلمون، وبالتالي فإن أي اتصال بين “إمارة المؤمنين” وبين الرئيس “غودلاك جوناثان” قد يعطي لهذا الأخير حظوظا إضافية لاستمالة أصوات الناخبين المسلمين..

لفهم السبب الذي جعل ملك المغرب يرفض اتصال رئيس نيجيريا يكفي قراءة الفقرة التالية: ((في شمال وشرقي نيجيريا تقوم اليوم إمارات وسلطنات دينية قديمة تحت قبة النظام الفيدرالي في البلاد أبرزها: “بورنو” و”سوكوتو” و”كانو”، مهمتها القيادة الروحية والاجتماعية للمجتمع النيجيري المسلم.. وتتبع هذه السلطات التي كان بعض أمرائها يرسلون البيعة والولاء لملوك المغرب في فترات تاريخية مضت، تتبع بشكل كبير ملك المغرب باعتبارات تتجاوز التبعية المذهبية، أهمها أن ملك المغرب يحمل أيضا لقب “أمير المؤمنين”، إضافة إلى انحداره من الدوحة النبوية الشريفة ذات النفوذ الديني المطلق في إفريقيا)) (المصدر: موقع سكاي نيوز عربية، الأربعاء  11 مارس 2015 ).

قليل فقط من المتتبعين هم الذين ينتبهون إلى أن عددا كبيرا من سكان نيجيريا مبايعون لملك المغرب، وربما تفوق سلطة إمارة المؤمنين عليهم سلطة الرئيس نفسه، لا سيما أن وكالات الأخبار تنشر بين الفينة والأخرى صورا مرعبة لمجازر ترتكب في حق مسلمي هذا البلد أقلها حرقهم وهم أحياء..

هذا فيما يتعلق بالعلاقة الروحية لمسلمي نيجيريا مع إمارة المؤمنين، أما في المغرب فالمخول بالحديث عن إمارة المؤمنين حسب “أدبيات دار المخزن”، هو الوزير أحمد التوفيق، هذا الأخير لم يسمع له صوت في الأزمة المغربية النيجيرية، ولكن صدى تصريحاته “الملغومة” مازال يتردد في آذان كل الذين حضروا تلك المحاضرة التي ألقاها، مؤخرا، في متحف الملك محمد السادس، حول “الشرف والتصوف”.

وكان الوزير التوفيق حريصا على تأكيد أمريين هما: أن “النسب الشريف والتصوف بمثابة العمودين اللذين تقوم عليهما الدولة بالمغرب”، أما الإضافة الثانية والتي ينتظر أن تثير الكثير من الجدل فهي تقديمه لتعريف جديد “للشرف”، حسب ما تناولته المواقع الإخبارية ولم يكذبها.

“الشرف” حسب أحمد التوفيق، ليس اصطفاء مبنيا على العرق والدم والجنس بل هو مبني على تمييز روحي، “ليس هنالك أي سمة عرقية أو دموية لهذا الشيء الذي نسميه الشرف من ذرية الأنبياء، وإنما هو سمو العدل على الظلم”، هكذا تحدث التوفيق وملخص قوله:إن النسب الشريف ليس مرتبطا بالقرابة الدموية مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فـ”الشرف مفهوم روحي يجمع بين الإيمان والخلق”.

أحمد التوفيق، مريد الطريقة البودشيشية، ليس من الذين يطلقون الكلام على عواهنه بفضل تكوينه الكبير في هذا المجال، ولكن جل الذين حضروا ذلك اللقاء، ومن بينهم وزراء في الحكومة أمثال: الشرقي اضريس، وإدريس الضحاك.. خرجوا بقناعة هي أن الوزير التوفيق أعطى للمتصوفين مكانة كبيرة في بناء الدولة، لأجل ذلك كتبت بعض الصحف ما يلي:”الأدوار التي قام بها الصوفية في المجتمع المغربي بعد حسمهم للسلطة، وتسليمهم إياها إلى الشرفاء، كانت تتمثل حسب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في حفظ السلم ومنع وقوع الاصطدامات والاعتداءات.. فظهير التوقير والاحترام كان نموذجا للعلاقة بين الملوك والصوفية حيث يوقرونهم ويشجعونهم على القيام بأدوارهم، أدوار قال الوزير إن منها التربية والتعليم..”.

ماذا يريد الوزير الصوفي بهذا الكلام؟ ومنذ متى كان للصوفية كل هذا الاعتبار ضمن ركائز الدولة؟ كتبت الصحافة نقلا عن أحمد التوفيق ما يلي (والفاهم يفهم):”حاملو النسب الشريف أسسوا عددا كبيرا من الدول عبر العالم، ولم يتبق منها إلا دولة المغرب ودولة الأردن، حسب التوفيق الذي عاد ليقول إن ما وقع لهم في المغرب فريد من نوعه، ورغم إقراره بظهور عدد من الدول الأمازيغية في المغرب بعد سقوط حكم الأدارسة، قال التوفيق إن هناك وثائق تفيد أن مؤسس الدولة الموحدية، المهدي بن تومرت، صنع لنفسه نسبا شريفا، ولهذا لا يجب أن نستغرب قيام بعض الدول، بادعاء نسب شريف لهم أيضا، نظرا لموقع الشرف في نفوس الناس”.

خلاصة القول،إن أحمد التوفيق يظهر لنا فضل الصوفية على هذا البلد وعلى استقرار النظام، لكن ما الذي دفعه للخروج بهذا الكلام في هذا التوقيت بالذات؟ ألم  يكن أحمد التوفيق نفسه يقول إن تولي الحكم يتم بإحدى الطريقتين:أولاهما، البيعة التي يقدمها الخاصة وهم أصحاب الحنكة والنظر في السياسة، وثانيهما، ولاية العهد التي بدأت مع الأمويين، على أن المتولي لا يقبل إلا بعد تحصيل البيعة، ألم يقل التوفيق ذات يوم وهو في حضرة الملك أن “استحقاق المشروعية لنظام الحكم في المغرب انبنى على أمرين:أحدهما، البعد الروحي المتمثل في النسب الشريف، وغيره من الشروط المقررة” (المصدر: محاضرة أحمد التوفيق خلال سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية سنة 2011).

ماذا حصل حتى انضاف التصوف إلى أركان الحكم في المغرب؟ بالموازاة مع هذه التطورات المثيرة للانتباه داخل الزاوية البودشيشية، فقد قرر شيخ الطريقة القادرية البودشيشية حمزة القادري، وهي إحدى أكبر الزوايا في المغرب وقد عرفت بخروجها للدعاية لدستور 2011، “قرر”إلغاء منصب الناطق الرسمي باسم الطريقة، وجاء في بلاغ سيكون له ما بعده داخل الزاوية:”تحيط الطريقة القادرية البودشيشية الرأي العام وجميع المهتمين وأهل العلم بأن الناطق الرسمي الوحيد بها هو شيخها حمزة بن العباس، وأن صفة الناطق الرسمي للطريقة، ليست من صلاحيات أحد غيره”.

هل يتعلق الأمر بخلاف حول وجهات النظر داخل الزاوية البودشيشية؟ لاشيء مؤكد حتى الآن لكن الأكيد أن هناك صراعاحول النفوذ بين كل من الزاوية وحركة التوحيد والاصلاح التي سحبت البساط من تحت أقدام التيارات الدينية مع صعود عبد الإله بن كيران إلى رئاسة الحكومة، هذا الأخير استغل فرصة تواجده في لقاء انعقد، مؤخرا، بالرشيدية ليقول للحشود:”ما خلاو مادارو باش يوقفونا، ولكن الحمد لله، هاد البلاد فيها بركة الله والشرفاء، الحمد لله وسيدنا محمد السادس نصره الله الذي رفض أن يخضع للضغوط، طبعا كانت الحكومة فواحد الوقت غاديا تمشي، ولكن الله بغاها باش تستمر، وجلالة الملك بغاها باش تستمر، وهاهي مستمرة وهاحنا غاديين معاكم”.

كما لو أنه يرد على أحمد التوفيق، فهذه البلاد حسب بن كيران مستمرة بفضل “بركة الله والشرفاء” وليس “الشرفاء والصوفيين”، ومن تم يمكن القول إن رسائل كل من بنكيران والوزير أحمد التوفيق تفوق من حيث امتدادها المكان الذي أطلقت فيه، لاسيما إذا عرفنا أن العلاقة بين حركة التوحيد والإصلاح التي أنجبت بن كيران، والطريقة القادرية البودشيشية التي أنجبت الوزير أحمد التوفيق ليست على ما يرام، ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى ما صرح به أحمد الريسوني الذي سبق له أن وجه انتقادات لاذعة لوزارة الأوقاف على خلفية ما سماه”الجريمة التاريخية المتمثلة في قتل العلماء وتوظيفهم وتحويلهم إلى مجرد وعاظ على نمط موحد”، علما أنه سبق أن حذر من “التلاعب السلطوي لأصحاب مركز وزاري أو مالي يحرك الطرق الصوفية”، وهو ما سيؤدي حسب الريسوني إلى ظهور “تصوف معارض وممانع، إذا استمرت وزارة الأوقاف في تسخير الطرق الصوفية والركوب عليها..” (المصدر: جريدة المساء، عدد 24 أكتوبر 2011).

 الصراع بين الزاوية البودشيشية وإخوان بن كيران لا يكتسي طابع الصراع النظري فقط، بل إنه يصبح في بعض الأحيان بمثابة حرب باردة، بمناسبة توظيف أستاذ جامعي(..) أو تمكين وزير من الدراسة في الأسلاك العليا(..) من الأماكن التي يوجد بها بودشيشيون، علما أن عددا كبيرا من أطر الدولة هم مريدون لدى الشيخ حمزة، وقد لا يروقهم هذا الاكتساح الذي دشنه بن كيران لأجهزة الدولة بمختلف المستويات، ولا شك في أنه بات مطمئنا أكثر من أي وقت مضى حتى إنه خاطب الأمير مولاي إسماعيل في الحفل الذي أقامته جامعة “هارفارد” في الرباط، مؤخرا، بـ”الأخ العزيز مولاي إسماعيل”.

لكل طريقته في إحراج الدولة، بن كيران اختار حتى الآن نهج سياسة اللقاءات الجماهيرية الحاشدة، بينما اختار أحمد التوفيق توجيه رسائله إلى من يهمه الأمر(..)، لكن بين هذا وذاك انطلقت فصول صراع ديني آخر مع ظهور تيار للشيعة، الذين لم يعودوا يجدون أدنى حرج في الخروج إلى العلن، بل إن شيعة طنجة على سبيل المثال أصبحوا يشهرون ورقة حرية الاعتقاد في وجه السلطات الأمنية، وكأنهم يطبقون وصية الناشط الشيعي “ياسر الحبيب” الذي قال ذات يوم في لندن: “ستنشأ دولة شيعية يقينا في المغرب.. وسيكون نباتها هم هؤلاء الشيعة الجدد”.

“لعل سؤالا يطرح نفسه في ظل هذا الخروج المؤشر له لشيعة المغرب، ذاك هو السؤال الذي يبحث في ماهية المتحول والمتغير الذي دفع بالجهات الرسمية والوزارة الوصية إلى أن ترفع يد المنع لتوافق للخط الرسالي، أو بمعنى أوضح لشيعة المغرب من أجل ممارسة طقوسهم المارقة..”، هذا السؤال طرحه في وقت سابق الكاتب محمد بوقنطار، وهو نفسه يحدد خطة عمل الفعل الرسالي كما يلي: “الفعل الرسالي، جوهره صراع ثقافي، التخطيط الاستراتيجي، الخط الرسالي يبرمج لكل مرحلة من المراحل العلمية في إطار زمن متوسط المدى وهو خمس سنوات، عن المرحلة التي تلي الحركة الثقافية، وهي مرحلة النضال من أجل التغيير السياسي، في سبيل إقامة مشروع دولة الإنسان..”.

ومن أجل إلقاء نظرة حول العلاقة المحتملة بين جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح من جهة باعتبارهما أكبر الحركات، والشيعة من جهة ثانيا، يكفي أن نقرأ ما يقوله زعيم الشيعة في الرباط إدريس هاني، لنعرف خطورة الخلاف بين ما هو سني وما هو شيعي، فهذه الجماعات حسب وجهة نظره “ليس لها فكر حتى نحاسبها حول ما إذا كان فكرها متقدم أو متخلف، هي فقط جماعات للوعظ والإرشاد. وطيلة هذه الفترة كانوا عالة على أفكار تأتي من طرف الإخوان المسلمين.. وأتحدى أن تكون لديهم فكرة واحدة يستطيعون أن ينسبوها لأنفسهم. ولذا لما انحصروا، صاروا يحاولون التغطية على التاريخ المرير الذي عاشوه من دون فكر ولا فقه، سوى العبثية والنقول والتمثلات. أعتبرهم مجرد حركة دعوية مقلدة وغارقة في التبعية، سرعان ما تحولت إلى حركات سياسية أخذت من السياسة كل ما هو سياسوي، فجمعت بين التخلف الفكري، والنزوع المصلحي أو النزعة السياسية ذات البعد “الصفقاتي” (المصدر: حوار سابق لإدريس هاني مع جريدة الأسبوع).

ما يقوله الشيعي إدريس هاني، يعد شيئا هينا مقارنة ما يقول رئيس جمعية فقه النوازل عبد الباري الزمزمي، فهذا الأخير في معرض جوابه على سؤال: من الأخطر الشيعة أو السلفية الجهادية؟ يقول: ((“كلهم ويل”، كلهم في الويل سواء، غير أن هؤلاء “الشيعة” يفتنون الأمة ويشتتون المجتمع ويشقون صفوفه؛ كلهم على ضلال، لأنهم يسبون فضلاء الصحابة ويلعنونهم وهذا يشكل فتنة في المجتمع.. يقال وسواس الجن أهون من وسواس الإنس، هؤلاء “الشيعة” وسواس في صدور الناس، وهم اليوم يتكاثرون ولم يعودوا قلة، والخطر يأتي من أوروبا ومن بلجيكا بالخصوص، هناك انتشار واسع للشيعة وهم اليوم ينتشرون في المغرب)) (المصدر: موقع بديل، 23 فبراير 2015).

أليست هذه مقدمة للفتنة في زمن “داعش” و”بوكو حرام”؟ أليس حريا بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تحرك من جديد آليات حماية الأمن الروحي للمغاربة في بلاد إمارة المؤمنين؟

error: Content is protected !!